ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة

٢٥٣ فقرة، ج ٢ ص ٧٦

الصفحة ٤ من ٧

  1. وقال سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا

    ج ٢ ص ١١٣لغزوة فتح مكة لليلتين خلتا من شهر رمضان صواما، فلما كنا بالكديد، أمرنا رسول الله ﷺ بالفطر.

    ج ٢ ص ١١٢
  2. وقال الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ صام في مخرجه ذلك حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطر الناس. أخرجه البخاري.

    وقال الأوزاعي: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله ﷺ بمر الظهران، وهو يتغدى فقال: "الغداء" فقالا: إنا صائمان، فقال: "اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم، كلا، كلا" . مرسل. وقوله هذا مقدر بالقول يعني: يقال هذا لكونكما صائمين.

    وقال معمر: سمعت الزهري يقول: أخبرني عبيد الله، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد؛ وهو بين عسفان وقديد؛ فأفطر، وأفطر الناس.

    قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين. وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ .

    قال الزهري: فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان. أخرجه البخاري، ومسلم دون قول الزهري. وكذا ورخه يونس عن الزهري.

  3. وقال عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب، ومحمد بن علي بن الحسين، وعمرو بن شعيب، وعاصم بن عمر وغيرهم، قالوا: كان فتح مكة في عشر بقين من رمضان.

    وقال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر، فما حل عقدة حتى انتهى إلى الصلصل. وخرج المسلمون وقادوا الخيل وامتطوا الإبل. وكانوا عشرة آلاف.

  4. وذكر عروة وموسى بن عقبة أنه ﷺ خرج في اثني عشر ألفا.

  5. وقال ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جاءه العباس بأبي سفيان فأسلم بمر الظهران. فقال: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئا؟ قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" .

  6. زاد فيه الثقة، عن ابن إسحاق قال: ناده، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ قال: "من دخل الكعبة فهو آمن" ، قال: وما تسع الكعبة؟ قال: "من دخل المسجد فهو آمن" . قال: وما يسع المسجد؟ قال: "من أغلق بابه فهو آمن" . فقال: هذه واسعة.

    وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران، قال العباس وقد خرج مع رسول الله ﷺ من المدينة: يا صباح قريش، والله لئن بغتها رسول الله ﷺ البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن، أو داخلا يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليأتوه فيستأمنوه، فخرجت فوالله إني لأطوف بالأراك إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء وقد خرجوا يتجسسون الخبر عن رسول الله ﷺ ، فسمعت صوت أبي سفيان وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانا، فقال بديل: هذه نيران خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل.

    ج ٢ ص ١١٤
  7. فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. فقال: لبيك، فداك أبي وأمي، ما وراءك؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في الناس قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به في عشرة آلاف من المسلمين. قال: فكيف الحيلة، فداك أبي وأمي؟ فقلت: تركب في عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ ، فإنه والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فردفني فخرجت أركض به نحو رسول الله ﷺ ، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا إلي وقالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله. حتى مررت بنار عمر فقال: أبو سفيان؟! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد. ثم اشتد نحو رسول الله ﷺ . وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء.

  8. ودخل عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله، إني قد آمنته. ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا؛ لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال: رسول الله ﷺ : "اذهب به فقد آمناه، حتى تغدو به علي الغداة" ، فرجع به العباس إلى منزله.

  9. فلما أصبح غدا به على رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "ويحك يا أبا

    ج ٢ ص ١١٥"سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إلا الله" ؟ فقال: بأبي وأمي ما أوصلك وأكرمك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا بعد. فقال: "ويحك أولم يأن لك أن تعلم أني رسول الله" ؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه فإن في النفس منها شيئا. قال العباس: فقلت: ويلك تشهد شهادة الحق قبل، والله، أن تضرب عنقك. فتشهد.

    فقال رسول الله ﷺ حين تشهد: "انصرف به يا عباس فاحبسه عند حطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمر عليه جنود الله" .

    فقلت له: إن أبا سفيان يا رسول الله رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون له في قومك. فقال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" . فخرجت به حتى حبسته عند حطم الجبل بمضيق الوادي، فمرت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم. فيقول: ما لي ولسليم. وتمر به القبيلة فيقول: من هذه؟ فأقول: أسلم. فيقول ما لي ولأسلم. وتمر جهينة. حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق. فقال يا أبا الفضل من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقلت: ويحك، إنها النبوة. قال: فنعم إذن.

    قلت: الحق الآن بقومك فحذرهم. فخرج سريعا حتى جاء مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش؛ هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. فقالوا: فمه؟ قال: "من دخل داري فهو آمن" . قالوا: وما دارك، وما تغني عنا؟ قال: "من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق داره عليه فهو آمن" .

  10. هكذا رواه بهذا اللفظ ابن إسحاق، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولا، وأما أيوب السختياني فأرسله. وقد رواه ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس بمعناه.

    وقال عروة: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير: يا أبا عبد الله، ههنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية. قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل مكة من كداء. ودخل النبي ﷺ من كداء، فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان: جيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري.

    وقال الزهري، وغيره: أخفى الله مسير النبي ﷺ على أهل مكة، حتى نزل بمر الظهران.

  11. وفي مغازي موسى بن عقبة أن النبي ﷺ قال لخالد بن الوليد: "لم قاتلت، وقد نهيتك

    ج ٢ ص ١١٦"عن القتال" ؟ قال: هم بدؤونا بالقتال ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت. فقال رسول الله ﷺ : "قضاء الله خير" .

  12. ويقال: قال أبو بكر يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهر، فلما دنونا منه استلقت على ظهرها، فإذا هي تشخب لبنا. فقال: "ذهب كلبهم وأقبل درهم، وهم سائلوكم بأرحامكم وإنكم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه" . فلقوا أبا سفيان وحكيما بمر.

    وقال حسان:

    عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء

    ينازعن الأعنة مصحبات … تلطمهن بالخمر النساء

    فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء

    وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعز الله فيه من يشاء

    وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء

    هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء

    فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء

    لساني صارم لا عيب فيه … وبحري ما تكدره الدلاء

    فذكروا أن رسول الله ﷺ تبسم إلى أبي بكر حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر؛ أي: ينفضن الغبار عن الخيل.

    وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل" . وأرسل إلى ابن رواحة فقال: "اهجهم" . فلما فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت. فلما دخل قال: "قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه" . ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم فري الأديم. فقال رسول الله ﷺ : "لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا، حتى يخلق لك نسبي" . فأتاه حسان ثم رجع فقال: يا رسول الله قد أخلص لي نسبك، فوالذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.

    ج ٢ ص ١١٧قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ : يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله" . وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هجاهم حسان فشفى وأشفى" . وذكر الأبيات، وزاد فيها:

    هجوت محمدا برا حنيفا … رسول الله شيمته الوفاء

    فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء

    فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء

    وقال الله: قد أرسلت عبدا … يقول الحق ليس به خفاء

    وقال الله: قد سيرت جندا … هم الأنصار عرضتها اللقاء

    لنا في كل يوم من معد … سباب أو قتال أو هجاء

    أخرجه مسلم (١) .

    وقال سليمان بن المغيرة وغيره: حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية ومعنا أبو هريرة، وكان بعضنا يصنع لبعض الطعام. وكان أبو هريرة ممن يصنع لنا فيكثر، فيدعو إلى رحله. قلت: لو أمرت بطعام فصنع ودعوتهم إلى رحلي، ففلعت.

  13. ولقيت أبا هريرة بالعشي فقلت: الدعوة عندي الليلة. فقال: سبقتني يا أخا الأنصار. قال: فإنهم لعندي إذ قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ فذكر فتح مكة. وقال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على إحدى المجنبتين، وبعث الزبير على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر؟ ثم رآني فقال: "يا أبا هريرة" . قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله. قال: "اهتف لي بالأنصار ولا تأتني إلا بأنصاري" . قال: ففعلته. ثم قال: "انظروا قريشا وأوباشهم فاحصدوهم حصدا" .

  14. فانطلقنا فما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، وما منا أحد يريد أحدا منهم إلا أخذه. وجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله: أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" . فألقوا سلاحهم.

  15. ودخل رسول الله ﷺ فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف سبعا وصلى خلف المقام ركعتين.

    ج ٢ ص ١١٨
  16. ثم جاء ومعه القوس آخذ بسيتها، فجعل يطعن بها في عين صنم من أصنامهم، وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ، ثم انطلق حتى أتى الصفا، فعلا منه حتى يرى البيت، وجعل يحمد الله ويدعوه، والأنصار عنده يقولون: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. وجاء الوحي، وكان الوحي، إذا جاء لم يخف علينا. فلما أن رفع الوحي، قال: "يا معشر الأنصار قلتم كذا وكذا، فما اسمي إذا؟ كلا، إني عبد الله ورسوله. المحيا محياكم والممات مماتكم" . فأقبلوا يبكون وقالوا: يا رسول الله ما قلت إلا الضن بالله وبرسوله. فقال: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" .

  17. أخرجه مسلم (١) ، وعنده: "كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم" .

  18. وفي الحديث دلالة على الإذن بالقتل قبل عقد الأمان.

    وقال سلام بن مسكين: حدثني ثابت البناني، عن عبد الله بن بارح، عن أبي هريرة، قال: ما قتل يوم الفتح إلا أربعة. ثم دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم. ثم طاف رسول الله ﷺ وصلى ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب، فقال: "ما تقولون وما تظنون" ؟ قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم حليم رحيم ". فقال: " أقول كما قال يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] ". قال: فخرجوا كما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام.

    وقال عروة، عن عائشة: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح من كداء من أعلى مكة (٢) .

  19. وقال عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم رسول الله ﷺ إلى أبي بكر، وقال: "كيف قال حسان"؟ فأنشده أبو بكر:

    عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع من كنفي كداء

    ينازعن الأعنة مسرجات … يلطمهن بالخمر النساء

    ج ٢ ص ١١٩فقال: "ادخلوا من حيث قال حسان" .

    وقال الزهري: عن أنس، دخل رسول الله ﷺ عام الفتح مكة وعلى رأسه، المغفر، فلما وضعه جاء رجل فقال: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: "اقتلوه" . متفق عليه (١) .

  20. وكان ﷺ قد أهدر دم ابن خطل وثلاثة غيره.

    وقال منصور بن أبي مزاحم: حدثنا أبو معشر، عن يوسف بن يعقوب، عن السائب بن يزيد، قال: رأيت النبي ﷺ قتل عبد الله بن خطل يوم أخرجوه من تحت الأستار، فضرب عنقه بين زمزم والمقام، ثم قال: "لا يقتل قرشي بعدها صبرا" .

  21. وقال معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، أخرجه مسلم.

  22. وفي مسند الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.

    وقال مساور الوراق: سمعت جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء حرقانية، قد أرخى طرفها بين كتفيه. أخرجه مسلم (٢) .

  23. وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن عائشة قالت: كان لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء؛ قطعه مرط لي مرحل، وكانت الراية تسمى العقاب.

  24. قال عبد الله بن أبي بكر، لما نزل رسول الله ﷺ بذي طوى ورأى ما أكرمه الله به من الفتح جعل يتواضع لله حتى إنك لتقول: قد كاد عثنونه أن يصيب واسطة الرحل.

    وقال ثابت، عن أنس: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعا.

  25. حديث صحيح.

  26. وقال شعبة، عن معاوية بن قرة، سمع عبد الله بن مغفل، قال: قرأ رسول الله ﷺ يوم الفتح سورة الفتح وهوعلى بعير، فرجع فيها. ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل عن

    ج ٢ ص ١٢٠النبي ﷺ فرجع وقال: لولا أن يجتمع الناس لرجعت كما رجع ابن مغفل عن النبي ﷺ متفق عليه، ولفظه للبخاري (١) .

  27. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثة مائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] ، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] (٢) ، متفق عليه.

    وقال ابن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاث مائة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوي به إلى صنم صنم، وهو يهوي حتى مر عليها كلها. حديث حسن.

  28. وقال القاسم بن عبد الله العمري -وهو ضعيف- عن عبد الله دينار، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ لما دخل مكة وجد بها ثلاث مائة وستين صنما. فأشار إلى كل صنم بعصا من غير أن يسمها، وقال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ، فكان لا يشير إلى صنم إلا سقط.

  29. وقال عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط" .

  30. ودخل البيت وكبر في نواحيه. أخرجه البخاري (٣) .

    وقال معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخله حتى أمر بها فمحيت. ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قط" (٤) . صحيح.

  31. وروى أبو الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ لم يدخل البيت حتى محيت الصور. صحيح.

    وقال هوذة: حدثنا عوف الأعرابي، عن رجل، قال: دعا رسول الله ﷺ عام الفتح، شيبة بن عثمان فأعطاه المفتاح، وقال له: "دونك هذا، فأنت أمين الله على بيته" .

    قال الواقدي: هذا غلط، إنما أعطى المفتاح عثمان بن طلحة؛ ابن عم شيبة؛ يوم الفتح، وشيبة يومئذ كافر. ولم يزل عثمان على البيت حتى مات ثم ولي شيبة.

    قلت: قول الواقدي: لم يزل عثمان على البيت حتى مات، فيه نظر، فإن أراد لم يزل منفردا بالحجابة، فلا نسلم، وإن أراد مشاركا لشيبة، فقريب، فإن شيبة كان حاجبا في خلافة عمر. ويحتمل أن النبي ﷺ ولى الحجابة لشيبة لم أسلم، وكان إسلامه عام الفتح، لا يوم الفتح.

    وقال محمد بن حمران: حدثنا أبو بشر، عن مسافع بن شيبة، عن أبيه، قال: دخل النبي ﷺ الكعبة يصلي، فإذا فيها تصاوير، فقال: "يا شيبة، اكفني هذه" . فاشتد ذلك عليه.

    فقال له رجل: طينها ثم الطخها بزعفران. ففعل.

    ج ٢ ص ١٢١
  32. تفرد بن محمد، وهو مقارب الأمر.

    وقال يونس، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة، ومعه بلال وعثمان بن طلحة، من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمر عثمان أن يأتي بمفتاح البيت، ففتح ودخل رسول الله ﷺ مع أسامة وبلال وعثمان، فمكث فيها نهارا طويلا، ثم خرج فاستبق الناس، وكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالا وراء الباب، فسأله: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فأشار إلى المكان الذي صلى فيه.

    قال ابن عمر: فنسيت أن أسأله: كم صلى من سجدة؟. صحيح. علقه البخاري محتجا به.

    وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، قالت: لما اطمأن رسول الله ﷺ بمكة، طاف على بعيره، يستلم "الحجر" بالمحجن. ثم دخل الكعبة فوجد حمامة عيدان فاكتسرها، ثم قال بها على باب الكعبة -وأنا أنظر- فرمى بها.

  33. وذكر أسباط، عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: لما كان يوم فتح مكة، آمن رسول الله ﷺ الناس، إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: "اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح" . فأما ابن خطل فأدرك وهو متعلق بالأستار، فاستبق إليه سعيد بن

    ج ٢ ص ١٢٢حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا، فقتله. وأما مقيس فقتلوه في السوق. وأما عكرمة فركب البحر، وذكر قصته، ثم أسلم، وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به عثمان حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا، حيث رآني كففت، فيقتله" ؟. قالوا: ما يدرينا يا رسول الله، ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين" .

    وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم مقيس بن صبابة على رسول الله ﷺ المدينة، وقد أظهر الإسلام، يطلب بدم أخيه هشام، وكان قتله رجل من المسلمين يوم بني المصطلق ولا يحسبه إلا مشركا، فقال رسول الله ﷺ : "إنما قتل أخوك خطأ" . وأمر له بديته، فأخذها، فمكث مع المسلمين شيئا، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ولحق بمكة كافرا.

  34. فأمر رسول الله ﷺ -عام الفتح- بقتله، فقتله رجل من قومه يقال له: نميلة بن عبد الله؛ بين الصفا والمروة.

  35. وحدثني عبد الله بن أبي بكر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار: أن رسول الله ﷺ إنما أمر بقتل ابن أبي سرح؛ لأنه كان قد أسلم، وكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فرجع مشركا ولحق بمكة.

    قال ابن إسحاق: وإنما أمر بقتل عبد الله بن خطل؛ أحد بني تميم بن غالب؛ لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ﷺ مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلمًا. فنزلا منزلا، فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعامًا، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله وارتد. وكان له قينة وصاحبتها تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، فأمر بقتلهما معه، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ .

    وقال يعقوب القمي: حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، جاءت عجوز حبشية شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل. فقيل: يا رسول الله، رأينا كذا وكذا. فقال: "تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا" . كأنه منقطع.

  36. وقال يونس بن بكير، عن زكريا، عن الشعبي، عن الحارث بن ملك؛ هو ابن برصاء؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم الفتح يقول: "لا تغزى مكة بعد اليوم أبدا إلى يوم القيامة" .

    ج ٢ ص ١٢٣وقال محمد بن فضيل: حدثنا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها. ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "ارجع، فإنك لم تصنع شيئا" . فرجع خالد، فلما نظرت إليه السدنة؛ وهم حجابها؛ أمعنوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلا فموتي برغم. فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها.

  37. ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "تلك العزى" . أبو الطفيل له رؤية.

    وقال ابن إسحاق: حدثني أبي، قال: حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة، أمر بلالا فعلا على ظهر الكعبة، فأذن عليها، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.

    وقال عروة: أمر رسول الله ﷺ بلالا يوم الفتح فأذن على الكعبة.

  38. وقال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند: أن أبا مرة مولى عقيل حدثه، أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته؛ أنه لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بني مخزوم، فأجارتهما. قالت: فدخل علي علي، فقال: أقتلهما. فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو بأعلى مكة، فلما رآني رحب بي، فقال: "ما جاء بك يا أم هانئ" ؟ قالت: يا نبي الله، كنت قد أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قلتهما. فقال: "قد أجرنا من أجرت" . ثم قام إلى غسله، فسترت عليه فاطمة. ثم أخذ ثوبا فالتحف به ثم صلى ثمان ركعات؛ سبحة الضحى.

  39. أخرجه مسلم.

  40. وقال الليث، عن المقبري، عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير، أحدث قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح؟ سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به؛ أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب" . فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذاك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. متفق عليه.