أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ
١٩٢ فقرة، ج ٢ ص ٣٥٥
الصفحة ٣ من ٥
- ج ٢ ص ٣٧٨
لما اشتهرت وفة النبي ﷺ بالنواحي، ارتد طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فنهض أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقتالهم، فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم. فقال: والله لو منعوني عقالا أو عناقا (٣) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله" ؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال وقد قال: "إلا بحقها" قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (٤) .
-
فعن عروة وغيره قال: فخرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ نقعا حذاء
ج ٢ ص ٣٧٩نجد، وهربت الأعراب بذراريهم، فكلم الناس أبا بكر، وقالوا: ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء وأمر رجلا على الجيش، ولم يزالوا به حتى رجع وأمر خالد بن الوليد، وقال له: إذا أسلموا وأعطوا الصدقة فمن شاء منكم فليرجع، ورجع أبو بكر إلى المدينة.
وقال غيره: كان مسيره في جمادى الآخر فبلغ ذا القصة، وهي على بريدين وأميال من ناحية طريق العراق، واستخلف على المدينة سنانا الضمري، وعلى حفظ أنقاب المدينة عبد الله بن مسعود.
وقال ابن لهيعة: أخبرنا أسامة بن زيد، عن الزهري، عن حنظلة بن علي الليثي، أن أبا بكر بعث خالدا، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، من ترك واحدة منهن قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعا: على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان.
وقال عروة، عن عائشة: لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضمها (١) ، اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها من الإسلام.
-
وعن يزيد بن رومان أن الناس قالوا له: إنك لا تصنع بالمسير بنفسك شيئا، ولا تدري لمن تقصد، فأمر من تثق به وارجع إلى المدينة، فإنك تركت بها النفاق يغلي، فعقد لخالد على الناس، وأمر على الأنصار خاصة ثابت بن قيس بن شماس، وأمر خالدا أن يصمد لطليحة الأسدي.
-
وعن الزهري، قال: سار خالد بن الوليد من ذي القصة في ألفين وسبع مائة إلى ثلاثة آلاف، يريد طليحة، ووجه عكاشة بن محصن الأسدي حليف بني عبد شمس، وثابت بن أقرم الأنصاري رضي الله عنهما فانتهوا إلى قطن (٢) فصادفوا فيها حبالا (٣) متوجها إلى طليحة بثقله، فقتلوه وأخذوا ما معه، فساق وراءهم طليحة وأخوه سلمة فقتلا عكاشة وثابتا.
وقال الوليد الموقري، عن الزهري، قال: فسار خالد فقاتل طليحة الكذاب فهزمه الله، وكان قد بايع عيينة بن حصن، فلما رأى طليحة كثرة انهزام أصحابه قال: ما يهزمكم؟ فقال
ج ٢ ص ٣٨٠رجل: أنا أحدثك، ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا نلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه، وكان طليحة رجلا شديد البأس في القتال، فقتل طليحة يومئذ عكاشة بن محن وثابت بن أقرم، وقال طليحة:
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا … وعكاشة الغنمي تحت مجالي
أقمت لهم صدر الحمالة إنها … معاودة قتل الكماة نزالي
فيوما تراها في الجلال مصونة … ويوما تراها في ظلال عوال
فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم … أليسوا وإن لم يسلموا برجال
فإن يك ذا ود أصبن ونسوة … فلم ترهبوا فرغا بقتل حبال
فلما غلب الحق طليحة ترجل. ثم أسلم وأهل بعمرة، فركب يسير في الناس آمنا، حتى مر بأبي بكر بالمدينة، ثم سار إلى مكة فقضى عمرته، ثم حسن إسلام.
-
وفي غير هذه الرواية أن خالدا لقي طليحة ببزاخة، ومع طليحة عيينة بن حصن، وقرة بن هبيرة القشيري، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم رب طليحة وأسر عيينة وقرة، وبعث بهما إلى أبي بكر فحقن دماءهما.
-
وذكر أن قيس بن مكشوح أحد من قتل الأسود العنسي ارتد، وتابعه جماعة من أصحاب الأسود، وخافه أهل صنعاء، وأتى قيس إلى فيروز الديلمي وذادويه يستشيرهما في شأن أصحاب الأسود خديعة منه، فاطمأنا إليه، وصنع لهما من الغد طعاما، فأتاه ذادويه فقتله. ثم أتاه فيروز ففطن بالأمر فهرب، ولقيه جشيش بن شهر ومضى معه إلى جبال خولان، وملك قيس صنعاء، فكتب فيروز إلى أبي بكر يستمده. فأمده، فلقوا قيسا فهزمواه ثم أسروه وحملوه إلى أبي بكر رضي الله عنه فوبخه، فأنكر الردة فعفا عنه أبو بكر.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: فسار خالد -وكان سيفا من سيوف الله- فأسرع السير حتى نزل ببزاخة، وبعثت إليه طيء إن شئت أن تقدم علينا فإنا سامعون مطيعون، وإن شئت نسير إليك؟ قال خالد: بل أنا ظاعن إليكم إن شاء الله، فلم يزل ببزاخة، وجمع له هناك العدو بنو أسد وغطفان فاقتتلوا، حتى قتل من العدو خلق وأسر منهم أسارى، فأمر خالد بالحظر أن تبنى، ثم أوقد فيها النيران وألقى الأسارى فيها، ثم ظعن يريد طيئا، فأقبلت بنو عامر وغطفان والناس مسلمين مقرين بأداء الحق، فقبل منهم خالد.
- ج ٢ ص ٣٨١
وقتل في ذلك الوجه مالك بن نويرة التميمي في رجال معه من تميم، فقالت الأنصار: نحن راجعون، قد أقرت العرب بالذي كان عليها، فقال خالد ومن معه من المهاجرين: قد لعمري آذن لكم وقد أجمع أميركم بالمسير إلى مسيلمة بن ثمامة الكذاب، ولا نرى أن تفرقوا على هذه الحال، فإن ذلك غير حسن، وإنه لا حجة لأحد منكم فارق أميره وهو أشد ما كان إليه حاجة، فأبت الأنصار إلا الرجوع، وعزم خالد ومن معه، وتخلفت الأنصار يوما أو يومين ينظرون في أمرهم، وندموا وقالوا: ما لكم والله عذر عند الله، ولا عند أبي بكر إن أصيب هذا الطرف وقد خذلناهم، فأسرعوا نحو خالد ولحقوا بهن فسار إلى اليمامة، وكان مجاعة بن مرارة سيد بني حنيفة خرج في ثلاثة وعشرين فارسا يطلب دما في بني عامر، فأحاط بهم المسلمون، فقتل أصحاب مجاعة وأوثقه.
وقال العطاف بن خالد: حدثني أخي عبد الله عن بعض آل عدي، عن وحشي، قال: خرجنا حتى أتينا طليحة فهزمهم الله، فقال خالد: لا أرجع حتى آتي مسيلمة حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال له ثابت بن قيس: إنما بعثنا إلى هؤلاء وقد كفى اللهم مؤونتهم، فلم يقبل منه، وسار، ثم تبعه ثابت بعد يوم في الأنصار.
- مقتل مالك بن نويرة التميمي الحنظلي اليربوعي:
-
قال ابن إسحاق: أتى خالد بن الوليد بمالك بن نويرة في رهط من قومه بني حنظلة، فضرب أعناقهم، وسار في أرض تميم، فلما غشوا قوما منهم أخذوا السلاح، وقالوا: نحن مسلمون، فقيل لهم: ضعوا السلاح فوضعوه، ثم صلى المسلمون وصلوا.
-
فروى سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: قدم أبو قتادة الأنصاري على أبي بكر فأخبره بقتل مالك بن نويرة وأصحابه، فجزع لذلك، ثم ودى مالك ورد السبي والمال.
-
وروي أن مالكا كان فارسا شجاعا مطاعا في قومه وفيه خيلاء، كان يقال له: الجفول. قدم على النبي ﷺ وأسلم فولاه صدقة قومه، ثم ارتد، فلما نازله خالد قال: أنا آتي بالصلاة دون الزكاة. فقال: أما علمت أن الصلاة والزكاة معا؟ لا تقبل واحدة دون الأخرى! فقال: قد كان صاحبك يقول ذلك. قال خالد: وما تراه لك صاحبا! والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تحاورا طويلا فصمم على قتله: فكلمه أبو قتادة الأنصاري وابن عمر، فكره كلامهما، وقال لضرار بن الأزور: اضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته وقال: هذه التي قتلتني، وكانت في غاية الجمال، قال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام فقال: أنا على الإسلام.
ج ٢ ص ٣٨٢فقال: اضرب عنقه، فضرب عنقه، وجعل رأسه أحد أثافي قدر طبخ فيها طعام، ثم تزوج خالد بالمرأة (١) ، فقال أبو زهير السعدي من أبيات:
قضى خالد بغيا عليه لعرسه … وكان له فيها هوى قبل ذلكا
وذكر ابن الأثير في "كامله" (٢) وفي "معرفة الصحابة" (٣) ، قال: لما توفي النبي ﷺ وارتدت العرب، وظهرت سجاح وادعت النبوة صالحها مالك، ولم تظهر منه ردة، وأقام بالبطاح، فلما فرغ خالد من أسد وغطفان سار إلى مالك وبث سرايا، فأتى بمالك. فذكر الحديث وفيه: فلما قدم خالد قال عمر: يا عدو الله قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، لأرجمنك وفيه أن أبا قتادة شهد أنهم أذنوا وصلوا (٤) .
وقال الموقري (٥) ، عن الزهري قال: وبعث خالد إلى مالك بن نويرة سرية فيهم أبو قتادة، فساروا يومهم سراعا حتى انتهوا إلى محلة الحي، فخرج مالك في رهطة فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المسلمون، فزعم أبو قتادة أنه قال: وأنا عبد الله المسلم، قال: فضع السلاح، فوضعه في اثني عشر رجلا، فلما وضعوا السلاح ربطهم أمير تلك السرية وانطلق بهم أسارى، وسار معهم السبي حتى أتوا بهم خالدا، حدث أبو قتادة خالدًا أن لهم أمانا وأنهم قد ادعوا إسلاما، وخالف أبا قتادة جماعة السرية، فأخبروا خالدا أنه لم يكن لهم أمان،
ج ٢ ص ٣٨٣وإنما أسروا قسرا، فأمر بهم خالد فقتلوا وقبض سبيهم، فركب أبو قتادة فرسه وسار قبل أبي بكر فلما قدم عليه قال: تعلم أنه كان لمالك بن نويرة عهد وأنه ادعى إسلاما، وإني نهيت خالدا فترك قولي، وأخذ بشهادات الأعراب الذين يريدون الغنائم فقام عمر فقال: يا أبا بكر إن في سيف خالد رهقًا، وإن هذا لم يكن حقا فإن حقا عليك أن تقيده (١) ، فسكت أبو بكر.
-
ومضى خالد قبل اليمامة، وقدم متمم بن نويرة فأنشد أبا بكر مندبة ندب بها أخاه، وناشده في دم أخيه وفي سبيهم، فرد إليه أبو بكر السبي، وقال لعمر وهو يناشد في القود: ليس على خالد ما تقول، هبه تأول فأخطأ.
قلت: ومن المندبة:
وكنا كندماني جديمة حقبة … من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: لما قدم وفد بزاخة أسد وغطفان على أبي بكر يسألونه الصلح خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية أو خطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب فقد عرفناها، فما الخطة المخزية؟ قال: يؤخذ منكم الحلقة والكراع (٢) ، وتتركون أقواما تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة نبيه والمؤمنين أمرا يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا ولا نؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم. فقال عمر: أما قولك: "تدون قتلانا" فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم. فاتبع عمر، وقال عمر في الباقي: نعم ما رأيت.
- قتال مسيلمة الكذاب:
-
ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: سار خالد إلى اليمامة إلى مسيلمة، وخرج مسيلمة بجموعه فنزلوا بعفرا فحل بها خالد عليهم، وهي طرف اليمامة، وجعلوا الأموال خلفها كلها وريف اليمامة وراء ظهورهم، وقال شرحبيل بن سلمة: يا بني حنيفة اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم ستردف النساء سبيات وينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم.
-
فاقتتلوا بعفرا قتالا شديدا، فجال المسلمون جولة، ودخل ناس من بني حنيفة فسطاط خالد،
ج ٢ ص ٣٨٤وفيه مجاعة أسير وأم تميم امرأة خالد، فأرادوا أن يقتلوها فقال مجاعة: أنا لها جار، ودفع عنها، وقال ثابت بن قيس حين رأى المسلمين مدبرين: أف لكم ولما تعملون، وكر المسلمون فهزم الله العدو، ودخل نفر من المسلمين فسطاط خالد فأرادوا قتل مجاعة، فقالت أم تميم: والله لا يقتل، وأجارته. وانهزم أعداء الله حتى إذا كانا عند حديقة الموت اقتتلوا عندها، أشد القتال وقال محكم بن الطفيل: يا بني حنيفة ادخلوا الحديقة فإني سأمنع أدباركم، فقاتل دونهم ساعة وقتل، وقال مسيلمة: يا قوم قاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل مسيلمة وحشي مولى بني نوفل.
وقال الموقري، عن الزهري: قاتل خالد مسيلمة ومن معه من بني حنيفة، وهم يومئذ أكثر العرب عددا وأشده شوكة، فاستشهد خلق كثير، وهزم الله بني حنيفة، وقتل مسيلمة، قتله وحشي بحربة.
-
وكان يقال: قتل وحشي خير أهل الأرض بعد رسول الله ﷺ وشر أهل الأرض.
-
وعن وحشي، قال: لم أر قط أصبر على الموت من أصحاب مسيلمة، ثم ذكر أنه شارك في قتل مسيلمة.
-
وقال ابن عون عن موسى بن أنس، عن أبيه، قال: لما كان يوم اليمامة دخل ثابت بن قيس فتحنط، ثم قام فأتى الصف والناس منهزمون، فقال هكذا عن وجوهنا، فضارب القوم ثم قال: بئسما عودتم أقرانكم، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فاستشهد رضي الله عنه .
وقال الموقري، عن الزهري، قال: ثم تحصن من بني حنيفة من أهل اليمامة ستة آلا مقاتل في حصنهم، فنزلوا على حكم خالد فاستحياهم.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: وعمدت بنو حنيفة حين انهزموا إلى الحصون فدخلوها، فأراد خالد أن ينهد إليهم الكتائب، فلم يزل مجاعة حتى صالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع، وعلى نصف الرقيق، وعلى حائط من كل قرية، فتقاضوا على ذلك.
وقال سلامة بن عمير الحنفي: يا بني حنيفة قاتلوا ولا تقاضوا خالدا على شيء، فإن الحصن حصين، والطعام كثير، وقد حضر الشتاء فقال مجاعة: لا تطيعوه فإنه مشؤوم.
-
فأطاعوا مجاعة، وقاضاهم، ثم إن خالدا دعاهم إلى الإسلام والبراءة مما كانوا عليه، فأسلم سائرهم.
ج ٢ ص ٣٨٥وقال ابن إسحاق: إن خالدا قال: يا بني حنيفة ما تقولون؟ قالوا: منا نبي ومنكم نبي، فعرضهم على السيف، يعني العشرين الذي كانوا مع مجاعة بن مرارة، وأوثقه هو في الحديد، ثم التقى الجمعان فقال زيد بن الخطاب حين كشف الناس: لا نجوت بعد الرحال، ثم قاتل حتى قتل.
وقال ابن سيرين: كانوا يرون أن أبا مريم الحنفي قتل زيدا.
وقال ابن إسحاق: رمي عبد الرحمن بن أبي بكر محكم اليمامة بن طفيل بسهم فقتله.
قلت: واختلفوا في وقعة اليمامة متى كانت: فقال خليفة بن خياطن ومحمد بن جرير الطبري: كانت في سنة إحدى عشرة.
قال عبد الباقي بن قانع: كانت في آخر سنة إحدى عشرة.
وقال أبو معشر: كانت اليمامة في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة. فجميع من قتل يومئذ أربع مائة وخمسون رجلا.
وقال الواقدي: كانت سنة اثنتي عشرة، وكذلك قال أبو نعيم، ومعن بن عيسى، ومحمد بن سعد، كاتب الواقدي وغيرهم.
قلت: ولعل مبدأ وقعة اليمامة كان في آخر سنة إحدى عشرة كما قال ابن قانع، ومنتهاها في أوائل سنة اثنتي عشرة، فإنها بقيت أياما لمكان الحصار، وسأعيد ذكرها والشهداء بها في أول سنة اثنتي عشرة.
- وفاة فاطمة رضي الله عنهما :
-
وهي سيدة نساء هذه الأمة كنيتها فيما بلغنا أم أبيها دخل بها علي رضي الله عنه بعد وقعة بدر، وقد استكملت خمس عشرة سنة أو أكثر.
-
روى عنها: ابنها الحسين، وعائشة، وأم سلمة، وأنس، وغيرهم.
-
وقد ذكرنا أن النبي ﷺ أسر إليها في مرضه وقالت لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ ؟ ولها مناقب مشهورة، وقد جمعها أبو عبد الله الحاكم.
-
وكانت أصغر من زينب، ورقية، وانقطع نسب رسول الله ﷺ إلا منها؛ لأن أمامة بنت بنته زينب تزوجت بعلي، ثم بعده المغيرة بن نوفل، وجاءها منهما أولاد قال الزبير بن بكار: انقرض عقب زينب.
- ج ٢ ص ٣٨٦
وصح عن المسور أن رسول الله ﷺ قال: "إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها" (١) .
-
وفي فاطمة وزوجها وبنيها نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، فجللهم رسول الله بكساء، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي" (٢) . وأخرج الترمذي، من حديث عائشة أنها قيل لها: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة من قبل النساء، ومن الرجال زوجها، وإن كان ما علمت صواما قواما (٣) .
-
وفي الترمذي، عن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال لعلي وفاطمة وابنيهما: "أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم" (٤) .
- ج ٢ ص ٣٨٧
وقد أخبرها أنها سيدة نساء الأمة في مرضه كما تقدم.
-
وخلفت من الأولاد: الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم. فأما زينب فتزوجها عبد الله بن جعفر، فتوفيت عنده وولدت له عونا وعليا. وأما أم كلثوم فتزوجها عمر، فولدت له زيدًا، ثم تزوجها بعد قتل عمر عون بن جعفر فمات، ثم تزوجها أخوه محمد بن جعفر، فولدت له بنته، ثم تزوج بها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت عنده. قاله الزهري.
-
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: قال علي لأمه: اكفي فاطمة الخدمة خارجا، وتكفيك العمل في البيت والعجن والخبز والطحن.
-
أبو العباس السراج، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن كثير النواء، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ عاد فاطمة وهي مريضة فقال لها: "كيف تجدينك" ؟ قالتك إني وجعة وإنه ليزيدني أني ما لي طعام آكله، قال: "يا بنية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين" . قالت: فأين مريم؟ قال: "تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة" . هذا حديث ضعيف، وأيضا فقد سقط بين كثير وعمران رجل.
-
وقال علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم، وآسية" (١) . رواه أبو داود.
-
وقال أبو جعفر الرازي عن ثابت، عن أنس مثله مرفوعا ولفظه: "خير نساء العالمين أربع" .
وقال معمر، عن قتادة، عن أنس، يرفعه: حسبك من نساء العالمين أربع، فذكرهن.
-
ويروى نحوه من حديث أبي هريرة، وغيره.
-
وقال ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة،
ج ٢ ص ٣٨٨قالت: ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما وحديثا برسول الله ﷺ من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها كما كانت هي تصنع به، وقد شبهت عائشة مشيتها بمشية النبي ﷺ .
-
وقد كانت وجدت على أبي بكر حين طلبت سهمها من فدك، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما تركنا صدقة" .
-
وقال أبو حمزة السكري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لما مرضت فاطمة رضي الله عنها أتاها أبو بكر فاستأذن، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشير إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت.
-
وقال الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة عاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، ودفنت ليلا.
وقال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل عندنا. قال: وصلى عليها العباس، ونزل في حفرتها هو وعلي، والفضل بن العباس.
وقال سعيد بن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان، وهي بنت سبع وعشرين أو نحوها، ودفنت ليلا.
-
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: مكثت فاطمة بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر وهي تذوب.
وقال أبو جعفر الباقر: ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر.
-
وروى عن الزهري أنه توفيت بعده بثلاثة أشهر.