ثم دخلت سنة ثلاث من الهجرة

١٥٥ فقرة، ج ١ ص ٣٨٦

الصفحة ١ من ٤

  1. [غزوة ذي أمر]

    ج ١ ص ٣٨٦
  2. في المحرم، غزا النبي ﷺ نجدا، يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان، فأقام بنجد صفرا كله، ورجع من غير حرب. قاله ابن إسحاق.

  3. وأما الواقدي فقال: كانت في ربيع الأول، وأن غيبته أحد عشر يوما. ثم روى عن أشياخه، عن التابعين: عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيره، قالوا: بلغ النبي ﷺ أن جمعا من غطفان، من بني ثعلبة، بذي أمر، قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المسلمين، والله أعلم.

  4. غزوة بحران:
  5. قال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة، ربيع الأول ثم غزا يريد قريشا.

    قال عبد الملك بن هشام: فبلغ بحران، معدنا بالحجاز، فأقام هناك ربيع الآخر كله، وجمادى الأولى.

  6. وبحران من ناحية الفرع ثم رجع ولم يلق كيدا.

    وقال الواقدي: غزا النبي ﷺ بني سليم ببحران، لست خلون من جمادى الأولى. وبحران من ناحية الفرع بينها وبين المدينة ثمانية برد. فغاب عشر ليال. وكان بلغه أن بها جمعا من بني سليم، فخرج في ثلاثمائة، واستخلف ابن أم مكتوم. الفرع: بضم الفاء وسكون الراء بين مكة والمدينة.

  7. إنك ترى أنا كقومك؟ لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة إنا والله لو حاربتنا لتعلمن أنا نحن الرجال.

    ج ١ ص ٣٨٧
  8. عن ابن عباس، قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢] .

  9. وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا وحاربوا فيما بين بدر وأحد.

    قال: وعن أبي عون، قال: كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوقهم، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فلم تفعل، فعمد الصائغ إلى طف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فأغضب المسلمين ووقع الشر.

  10. وحدثني عاصم، قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مواليَّ. فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "أرسلني" . وغضب، "أرسلني، ويحك" . قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليَّ: أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله ﷺ : "هم لك" .

  11. وحدثني أبي إسحاق، عن عبادة بن الوليد، قال: لما حاربت بنو قنيقاع رسول الله ﷺ ، تشبث بأمرهم ابن سلول وقام دونهم.

    قال: ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان أحد بني عوف، لهم من حلفه مثل الذي لابن سلول، فجعلهم إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، فنزلت فيه وفي ابن سلول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٥] ، وذلك لتولي عبادةُ اللهَ ورسولهَ.

  12. وذكر الواقدي: أن النبي ﷺ حاصرهم خمس عشرة ليلة، إلى هلال ذي القعدة. وكانوا أول من غدر من اليهود، وحاربوا حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكمه، وأن له أموالهم. فأمر ﷺ بهم فكتفوا، واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي، من بني السلم، فكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله ﷺ ، وألح عليه فقال: "خذهم" . وأمر بهم أن يجلوا من المدينة، وولي إخراجهم منها عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات، فما كان أقل من بقائهم فيها. وتولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة، ثم خمست، وأخذ النبي ﷺ من سلاحهم ثلاثة أسياف، ودرعين، وغير ذلك.

  13. [غزوة بني النضير]

    قال معمر، عن الزهري، عن عروة: كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فأنزلت: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] الآيات.

    ج ١ ص ٣٨٨
  14. فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي.

  15. وقوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.

  16. ويرويه عقيل عن الزهري، قوله. وأسنده زيد بن المبارك الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وذكر عائشة فيه غير محفوظ.

  17. وقال ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن يهود بني النضير، وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم، حتى حاربوا بعد ذلك. أخرجه البخاري (١) .

  18. وقال معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بجمعنا حتى نقتل مقاتلكم ونستبيح نساءكم. فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي وأصحابه، اجتمعوا لقتال رسول الله ﷺ ، فبلغه ذلك فلقيهم فقال: "لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما

    ج ١ ص ٣٨٩كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟ فلما سمعوا ذلك تفرقوا. فبلغ ذلك كفار قريش فكتبوا، بعد بدر، إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصن وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء. وهي الخلاخيل.

  19. فلما بلغ كتابهم للنبي ﷺ ، أجمعت بنو النضير بالغدر، وأرسلوا إلى النبي ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرا، حتى نلتقي بمكان المنصف، فيسمعوا منك، فإن صدقوا وآمنوا بك آمنا بك. فقص خبرهم.

  20. فلما كان الغد، غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: "إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه فأبوا أن يعطوه عهدا، فقاتلهم يومهم ذلك" .

  21. ثم غدا على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم.

  22. وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء. فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبوابهم وخشبهم فكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاه الله إياها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ، يقول: بغير قتال. فأعطى النبي ﷺ أكثرها المهاجرين وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانوا ذوي حاجة. وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة، رضي الله عنها .

  23. وذهب موسى بن عقبة، وابن إسحاق إلى أن غزوة بني النضير كانت بعد أحد، وكذلك قال غيرهما. ورواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. وهذا حديث موسى وحديث عروة: إن رسول الله ﷺ خرج إلى بني النضير يستعينهم في عقل الكلابيين. وكانوا -يزعمون- قد دسوا إلى قريش حين نزلوا بأحد لقتال رسول الله ﷺ ، فحضوهم على القتال ودلوهم على العورة. فلما كلمهم رسول الله ﷺ في عقل الكلابيين، قالوا: اجلس يا أبا القاسم حتى تطعم وترجع بحاجتك ونقوم فنتشاور فجلس بأصحابه، فلما خلوا والشيطان معهم، ائتمروا بقتل رسول الله ﷺ وقالوا: لن تجدوه أقرب منه الآن، فاستريحوا منه تأمنوا. فقال رجل: إن شئتم ظهرت فوق البيت الذي هو تحته فدليت عليه حجرا فقتلته. فأوحى الله إليه فأخبره بشأنهم وعصمه، فقام كأنه يقضي حاجة. وانتظره أعداء الله، فراث عليه. فأقبل رجل من المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته قد دخل أزقة المدينة. فقالوا لأصحابه: عجل أبو

    ج ١ ص ٣٩٠القاسم أن نقيم أمرنا في حاجته. ثم قام أصحاب رسول الله ﷺ فرجعوا ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] الآية.

  24. وأمر رسول الله ﷺ بإجلائهم، وأن يسيروا حيث شاءوا. وكان النفاق قد كثر بالمدينة. فقالوا: أين تخرجنا؟ قال: "أخرجكم إلى الحشر" . فلما سمع المنافقون ما يراد بأوليائهم أرسلوا إليهم: إنا معكم محيانا ومماتنا، إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإن أخرجتم لم نتخلف عنكم. وسيد اليهود أبو صفية حيي بن أخطب. فلما وثقوا بأماني المنافقين عظمت غرتهم ومناهم الشيطان الظهور، فنادوا النبي ﷺ وأصحابه: إنا، والله، لا نخرج ولئن قاتلتنا لنقاتلنك.

  25. فمضى النبي ﷺ لأمر الله فيهم، وأمر أصحابه فأخذوا السلاح ثم مضى إليهم، وتحصنت اليهود في دورهم وحصونهم فلما انتهى النبي ﷺ إلى أزقتهم وحصونهم كره أن يمكنهم من القتال في دورهم وحصونهم، وحفظ الله له أمره وعزم له على رشده، فأمر أن يهدم الأدنى فالأدنى من دورهم، وبالنخل أن تحرق وتقطع، وكف الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم، وألقى في قلوب الفريقين الرعب ثم جعلت اليهود كلما خلص رسول الله ﷺ من هدم ما يلي مدينتهم، ألقى الله في قلوبهم الرعب، فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها، ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النبي ﷺ ، وأصحابه يهدمون شيئا فشيئا. فلما كادت اليهود أن يبلغ آخر دورها، وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منوهم، فلما يئسوا مما عندهم، سألوا النبي ﷺ الذي كان عرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يجليهم، ولهم أن يحملوا ما استقلت به الإبل إلا السلاح وطاروا كل مطير، وذهبوا كل مذهب. ولحق بنو أبي الحقيق بخيبر ومعهم آنية كثيرة من فضة، فرآها النبي ﷺ . وعمد حيي بن أخطب حتى قدم مكة على قريش، فاستغواهم على رسول الله ﷺ . وبين الله لرسوله حديث أهل النفاق، وما بينهم وبين اليهود، وكانوا قد عيروا المسلمين حين قطعوا النخل وهدموا. فقالوا: ما ذنب الشجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون؟ فأنزل الله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ سورة الحشر ثم جعلها نفلا لرسوله، فقسمها فيمن أراه الله من المهاجرين. وأعطى منها أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، الأنصاريين، وأعطى -زعموا- سعدَ بن معاذ سيفَ ابنِ أبي الحقيق.

  26. وكان إجلاء بني النضير في المحرم سنة ثلاث.

  27. وأقامت بنو قريظة في المدينة في مساكنهم، لم يؤمر فيهم النبي ﷺ بقتل ولا إخراج حتى فضحهم الله بحيي بن أخطب وبجموع الأحزاب.

  28. هذا لفظ موسى بن عقبة، وحديث عروة بمعناه، إلى إعطاء سعد السيف.

    ج ١ ص ٣٩١
  29. وقال موسى بن عقبة وغيره، عن نافع، عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق، ولها يقول حسان بن ثابت:

    وهان على سراة بني لؤي … حريق بالبويرة مستطير

    وفي ذلك نزلت هذه الآية: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥] ، متفق عليه (١) .

  30. وقال عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر، أن أموال بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله. أخرجاه (٢) .

  31. [سرية زيد بن حارثة إلى القردة]

    قال ابن إسحاق: وسرية زيد التي بعثه رسول الله ﷺ فيها، حين أصاب عير قريش، وفيها أبو سفيان، على القردة، ماء من مياه نجد.

  32. وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام حين جرت وقعة بدر، فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان، واستأجروا رجلا من بني بكر بن وائل يقال له: فرات بن حيان يدلهم، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزهم الرجال، فقدم بها على رسول الله ﷺ .

  33. [غزوة قرقرة الكدر]

    قال الواقدي: إنها في المحرم سنة ثلاث وهي ناحية معدن بني سليم، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم.

    ج ١ ص ٣٩١
  34. وكان ﷺ بلغه أن بهذا الموضع جمعا من سليم وغطفان. فلم يجد في المحال أحدا، ووجد رعاء منهم غلام يقال له: يسار، فانصرف رسول الله ﷺ وقد ظفر بالنعم، فانحدر به

    ج ١ ص ٣٩٢إلى المدينة فاقتسموها بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النعم خمس مائة بعير، وأسلم يسار.

  35. القرقرة أرض ملساء، والكر طير في ألوانها كدرة، ومنهم من يقول: قرارة الكدر، يعني أنها مستقر هذا الطير.

  36. [مقتل كعب بن الأشرف]

    قال ابن إسحاق من طريق يونس بن بكير: حدثني عبد الله بن أبي بكر، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، قالا: بعث رسول الله ﷺ حين فرغ من بدر بشيرين إلى أهل المدينة، فبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، فبشروا ونعوا أبا جهل و عتبة والملأ من قريش، فلما بلغ ذلك كعب بن الأشرف لعنه الله قال: ويلكم، أحق هذا؟ هؤلاء ملوك العرب ومادة الناس، ثم خرج إلى مكة، فنزل على عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، وكانت عند المطلب ابن أبي وداعة، فجعل يبكي علي قتلي قريش، ويحرض على رسول الله ﷺ فقال:

    طحت رحى بدر لمهلك أهلها … ولمثل بذر تستهل وتدمع

    قتلت سراة الناس حول حياضهم … لا تبعدوا إن الملوك تصرع

    كم قد أصيب بها من أبيض ماجد … ذي بهجة تأوي إليه الضيع

    ويقول أقوام أذل بسخطهم … إن ابن الاشرف ظل كعبا يجزع

    صدقوا، فلبت الأرض ساعة قتلوا … ظلت تسوخ بأهلها وصدع

    ثبت أن بني كنانة كلهم … خشعوا لقتل أبي الوليد وجدعوا

    قال ابن إسحاق: ثم رجع إلى المدينة فشبب بأم الفضل بنت الحارث، فقال:

    أراحل أنت لم تحلل بمنقبة … وتارك أنت أم الفضل بالحرم؟

  37. في كلام له. ثم شبب بنساء المسلمين حتى أذاهم.

    وقال موسى بن عقبة: كان ابن الأشرف قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وركب إلى قريش فقدم عليهم فاستغواهم على رسول الله ﷺ ، فقال له أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ قال: أنتم أهدى منهم سبيلا. ثم خرج مقبلا وقد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ معلنا بعداوته و هجائه.

  38. وقال محمد بن يونس الجمال المخرمي - الذي قال فيه ابن عدي: كان عندي ممن يسرق الحديث. قلت: لكن روى عنه مسلم- حدثنا ابن عيينة، قال: حدثنا عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قدم حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش فحالفوهم على قتال رسول الله ﷺ فقالوا لهم: أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء (١) ، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام قالوا: فما محمد؟ قالوا: صنبور (٢) قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار قالوا: لا، بل أنتم خير منه وأهدى سبيلا. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] الآية.

    قال سفيان: كانت غفار سرقة في الجاهلية.

    ج ١ ص ٣٩٣
  39. وقال إبراهيم بن جعفر بن محمود بن مسلمة، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: ولحق كعب بن الأشرف بمكة إلى أن قدم المدينة معلنا بمعاداة النبي ﷺ وهجائه، فكان أول ما خرج منه قوله:

    أذاهب أنت لم تحلل بمنقبة … وتارك أنت أم الفضل بالحرم

    صفراء رادعة لو تعصر انعصرت … من ذي البوارير والحناء والكتم

    إحدى بني عامر هام الفؤاد بها … ولو تشاء شفت كعبا من السقم

    … (٣) لم أر شمسا قبل طلع … حتى تبدت لنا في ليلة الظلم

    وقال:

    طحنت رحى بدر لمهلك أهلها

    الأبيات.

    فقال النبي ﷺ يوما: "من لكعب بن الأشرف؟ فقد آذانا بالشعر وقوى المشركين علينا" . فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله. قال: "فأنت" . فقام فمشى ثم رجع فقال: إني قائل. فقال: قل فأنت في حل. فخرج محمد، بعد يوم أو يومين، حتى أتى كعبا وهو في حائط فقال: يا كعب، جئت لحاجة، الحديث.

    ج ١ ص ٣٩٤وقال ابن عيينة: قال عمرو بن دينار: سمعت جابرا يقول: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" ؟. فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، أعجب إليك أن أقتله؟ قال: "نعم" . قال: فأذن لي أن أقول شيئا. قال: قل. فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وقد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضا لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا. قال: ارهنوني نساءكم. قال: نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قال: كيف نرهنك أبناءنا فيقال رهن بوسق أو وسقين؟ قال: فأي شيء؟ قال: نرهنك اللأمة. فواعده أن يأتيه ليلا، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاه من الحصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ قال: إنما هو أخي أبو نائلة ومحمد بن مسلمة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. قال محمد: إذا ما جاء فإني قائم بشَعْرِه فأشمه ثم أشمكم، فإذا رأيتموني أثبتُّ يدي فدونكم، فنزل إليهم متوشحا، وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال محمد: ما رأيت كاليوم ريحا، أي: أطيب، أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم فشمه ثم شم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ يعني ثانيا. قال: نعم. فلما استمكن منه قال: دونكم. فضربوه فقتلوه وأتوا النبي ﷺ فأخبروه. أخرجه البخاري (١) .

  40. وقال شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره. وكان رسول الله ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، ومنهم عبدة الأوثان، ومنهم اليهود، وهم أهل الحلقة والحصون، وهو حلفاء الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشرك أو أخوه، وكان المشركون واليهود حين قدم رسول الله ﷺ المدينة يؤذونه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر والعفول، فقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] ، وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] .