السنة الرابعة من الهجرة

٥٥ فقرة، ج ١ ص ٤٣٠

الصفحة ١ من ٢

  1. سرية أبي سلمة إلى قطن في أولها:
  2. قال الواقدي: حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد اليربوعي، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد، وغيره، قالوا: شهد أبو سلمة أحدا، وكان نازلا في بني أمية بن زيد بالعالية، حين تحول من قباء فجرح بأحد، وأقام شهرا يداوي جرحه. فلما كان هلال المحرم دعاه رسول الله ﷺ وقال: "اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها" . وعقد له لواء وقال: "سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم" . وكان معه خمسون ومائة، فساروا حتى انتهوا إلى أدنى قطن -ماء من مياههم- فيجدون سرحا لبني أسد، فأغاروا عليه وأخذوا مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم. ثم رجع إلى المدينة فغاب بضع عشرة ليلة.

    قال عمر بن عثمان: فحدثني عبد الملك بن عبيد، قال: لما دخل أبو سلمة المدينة انتقض جرحه، فمات لثلاث بقين من جمادى الآخرة.

  3. [غزوة الرجيع]

  4. وهي في صفر من السنة الرابعة، فيما ورخه الواقدي، وقال: هي على سبعة أميال من عسفان. فحدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، قال: بعث رسول الله ﷺ أصحاب الرجيع عيونا إلى مكة ليخبروه.

    قال إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب: أخبرني عمر بن أسيد بن جارية الثقفي، أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة؛ بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام. فاقتصوا آثارهم، حتى وجدوا مأكلهم التمر، فقالوا: نوى يثرب، فاتبعوا آثارهم. فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى قردد، أي: فدفد من الأرض فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا -فأعطوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا. فقال عاصم: أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة مشرك، اللهم أخبر عنا نبيك. فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة من أصحابه، ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق: خبيب، وزيد بن الدثنة، وآخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة. يريد القتلى فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب، وزيد، حتى

    ج ١ ص ٤٣١باعوهما بمكة بعد وقعة بدر. فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا. وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر.

  5. وفائدة:
  6. قال الدمياطي: هذا وهم، ما شهد خبيب بن عدي الأوسي بدرا ولا قتل الحارث بن عامر، إنما الذي شهدها وقتله هو خبيب بن أساف الخزرجي.

  7. رجعٌ، قال: فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل فأعارته. فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، فقالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد رأيته، أو وجدته، يأكل قطفا من عنب وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم: دعوني أركع ركعتين. فتركوه فركع ركعتين، ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع من القتل لزدت، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، وقال:

    فلست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع

    ثم قال إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله.

  8. وكان خبيب هو سن لكل مسلم، قتل صبرا، الصلاة.

  9. واستجاب الله لعاصم يوم أصيب، فأخبر رسول الله ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم.

  10. وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت ليؤتوا منه بشيء يعرف، وكان قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئا.

  11. أخرجه البخاري (١) .

    ج ١ ص ٤٣٢وقال موسى بن عقبة، وغير واحد: بعث رسول الله ﷺ عاصم بن ثابت وأصحابه عينا له، فسلكوا النجدية، حتى إذا كانوا بالرجيع فذكروا القصة.

    قال موسى: ويقال: كان أصحاب الرجيع ستة منهم: عاصم وخبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق -حليف لبني ظفر- وخالد بن البكير الليثي، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي؛ حليف حمزة. وساق حديثهم.

    وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن نفرا من عضل والقارة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة بعد أحد، فقالوا: إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك ليفقهونا في الدين ويقرئونا القرآن، فبعث رسول الله ﷺ معهم خبيب بن عدي.

    قال ابن إسحاق: بعث معهم ستة، أمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي. وسماهم كما قال موسى.

    قال ابن إسحاق: فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع -ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدء- غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم. فقالوا لهم: والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم. أما مرثد، وعاصم، وابن البكير فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وأرادت هذيل أخذ رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد، لئن قدرت على عاصم لتشربن في قفحه الخمر، فمنعته الدبر، فانتظروا ذهابها عنه، فأرسل الله الوادي فحمل عاصما فذهب به.

  12. وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا تنجسا. وأسروا خبيبا وابن الدثنة وعبد الله بن طارق ثم مضوا بهم إلى مكة ليبيعوهم، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران.

    وقال البكائي، عن ابن إسحاق: حدثني يحيى، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عقبة بن الحارث سمعته يقول: ما أنا والله قتلت خبيبا، لأنا كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة، ثم طعنه بها حتى قتله.

  13. ثم ذكر ابن إسحاق أن خبيبا قال:

    لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا … قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

    وكلهم مبدي العداوة جاهد … علي لأني في وثاق مضيع

    وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم … وقربت من جذع طويل ممنع

    إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي … وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

    فذا العرش صبرني على ما يراد بي … فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع

    وقد خيروني الكفر والموت دونه … وقد هملت عيناي من غير مجزع

    وما بي حذار الموت إني لميت … ولكن حذاري جحم نار ببلقع

    ووالله لم أحفل إذا مت مسلما … على أي جنب كان في الله مصرعي

    فلست بمبد للعدو تخشعا … ولاجزعا إني إلى الله مرجعي

    وقال يونس بن بكير، وجعفر بن عون، عن إبراهيم بن إسماعيل: حدثني جعفر بن عمرو بن أمية أن أباه حدثه عن جده، وكان النبي ﷺ بعثه عينا؛ قال: فجئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون، فأطلقته فوقع بالأرض، ثم اقتحمت فانتبذت قليلا، ثم التفت فلم أر خبيبا، فكأنما ابتلعته الأرض.

    ج ١ ص ٤٣٣
  14. زاد جعفر بن عون: فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة.

  15. [غزوة بئر معونة]

    قال ابن إسحاق: بعث رسول الله ﷺ أصحاب بئر معونة في صفر، على رأس أربعة أشهر من أحد.

    وقال موسى بن عقبة قال الزهري: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم، أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة، قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فأبى أن يسلم، وأهدى لرسول الله ﷺ هدية فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك" . فقال: ابعث معي من شئت من رسلك، فأنا لهم جار، فبعث رهطا، فيهم المنذر بن عمرو الساعدي؛ وهو الذي يقال له: أعنق ليموت، بعثه عينا له في أهل نجد، فسمع بهم عامر بن الطفيل، فاستنفر بني عامر، فأبوا أن يطيعوه، فاستنفر بني سليم فنفروا معه، فقتلوهم ببئر معونة، غير عمرو بن أمية الضمري، فإنه أطلقه عامر بن الطفيل، فقدم على رسول الله ﷺ .

    وقال ابن إسحاق: حدثني والدي، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيرهما، قالوا: قدم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ المدينة، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك.

    قال: أخشى عليهم أهل نجد قال أبو البراء: أنا لهم جار فبعث المنذر بن عمرو في أربعين رجلا، فيهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان؛ أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ورافع بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، في رجال من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، بين أرض بني عامر وحرة بني سليم.

    ج ١ ص ٤٣٤
  16. ثم بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلم ينظر في الكتاب حتى قتل الرجل ثم استصرخ بني سليم فأجابوه وأحاطوا بالقوم فقاتلوهم حتى استشهدوا كلهم إلا كعب بن زيد، من بني النجار تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق.

  17. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ورجل من الأنصار، فلم يخبرهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا فنظرا، فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لأخبر عنه الرجال. وقاتل حتى قتل وأسروا عمرا. فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه. فلما كان بالقرقرة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ وجوار لم يعلم به عمرو. حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما. فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره، فقال: "قد قتلت قتيلين، لأدينهما" . ثم قال رسول الله ﷺ : "هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا" . فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر أبا براء، فحمل ربيعة ولد أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه في فخذه فأشواه، فوقع من فرسه، وقال: هذا عمل أبي براء؛ إن مت فدمي لعمي فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيي.

    وقال موسى بن عقبة: ارتث في القتلى كعب بن زيد، فقتل يوم الخندق.

    ج ١ ص ٤٣٥وقال حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس أن ناسا جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجالا يعلموننا القرآن، والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء، وفيهم خالي حرام بن ملحان، يقرءون القرآن ويتدارسون بالليل ويتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعون ويشترون به الطعام لأهل الصفة، فبعثهم رسول الله ﷺ إليهم، فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان قالوا: اللهم بلغ عنا نبيك أن قد لقيناك فرضيت عنا ورضينا عنك قال: وأتى رجل خالي من خلفه فطعنه بالرمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "إن إخوانكم قد قتلوا وقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أن قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا" . رواه مسلم (١) .

  18. وقال همام وغيره، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني أنس أن رسول الله ﷺ بعث خاله حراما في سبعين رجلا فقتلوا يوم بئر معونة وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، قال: فطعن في بيت امرأة من بني فلان فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان ائتوني بفرسي، فركبه فمات على ظهر فرسه وانطلق حرام ورجلان معه أحدهما أعرج فقال: كونا قريبا مني حتى آتيهم فإن آمنوني كنت كفوا، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فأتاهم حرام فقال: أتؤمنوني أبلغكم رسالة رسول الله ﷺ ؟ فجعل يحدثهم، وأومئوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه، قال همام وأحسبه قال: فزت ورب الكعبة قال: وقتل كلهم إلا الأعرج، كان في رأس الجبل.

    قال أنس: أنزل علنيا، ثم كان من المنسوخ، "إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضيناه" فدعا رسول الله ﷺ ثلاثين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية عصت الله ورسوله.

  19. أخرجه البخاري، وقال: ثلاثين صباحا، وهو الصحيح (٢) .

  20. وروى نحوه قتادة، وثابت وغيرهما، عن أنس. وبعضهم يختصر الحديث، وفي بعض طرقه: سبعين صباحا.

    قال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال: كتب أنس في أهله كتابا فقال: اشهدوا معاشر

    ج ١ ص ٤٣٦القراء فكأني كرهت ذلك فقلت: لو سميتم بأسمائهم وأسماء آبائهم فقال: وما بأس أن أقول لكم معاشر القراء، أفلا أحدثكم عن إخوانكم الذين كنا ندعوهم على عهد رسول الله ﷺ القراء؟ قال: فذكر أنس سبعين من الأنصار كانوا إذا جهم الليل أووا إلى معلم بالمدينة فيبيتون يدرسون، فإذا أصبحوا فمن كانت عنده قوة أصاب من الحطب واستعذب من الماء ومن كانت عنده سعة أصابوا الشاة فأصلحوها، فكان معلقا بحجر رسول الله ﷺ . فلما أصيب خبيب بعثهم رسول الله ﷺ فكان فيهم خالي حرام فأتوا على حي من بني سليم فقال حرام لأميرهم: دعني فلأخبر هؤلاء أنا ليس إياهم نريد فيخلون وجوهنا. فأتاهم فقال ذلك، فاستقبله رجل منهم برمح فأنفذه به. قال: فلما وجد حرام مس الرمح قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة. قال: فانطووا عليهم فما بقي منهم مخبر. قال: فما رأيت رسول الله ﷺ وجد على شيء وجده عليهم. فقال أنس: لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم، فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحة يقول: هل لك في قاتل حرام؟ قلت: ما له، فعل الله به وفعل. فقال: لا تفعل، فقد أسلم.

    وقال أبو أسامة: حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: كان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة، أخي عائشة لأمها؛ وكانت لأبي بكر منحة، فكان يروح بها ويغدو، ويصبح فيدلج إليهما ثم يسرح فلا يفطن به أحد من الرعاء، ثم خرج بهما يعقبانه حتى قدم المدينة معهما. فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة، وأسر عمرو بن أمية. فقال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ وأشار إلى قتيل قال: هذا عامر بن فهيرة فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض. وذكر الحديث. أخرجه البخاري (١) .

    قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي البراء على عامر بن الطفيل:

    بني أم البنين ألم يرعكم … وأنتم من ذوائب أهل نجد

    تهكم عامر بأبي براء … ليخفره وما خطأ كعمد

    ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي … فما أجدثت في الحدثان بعدي

    أبوك أبو الحروب أبو براء … وخالك ماجد حكم بن سعد

    ج ١ ص ٤٣٧ذكر الخلاف في غزوة بني النضير، وقد تقدمت في سنة ثلاث:

    ذهب الزهري إلى أنها كانت قبل أحد وقال غير واحد: كانت بعد أحد، وبعد بئر معونة.

  21. أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا الحسن بن علي بن الحسين بن البن، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا أبو القاسم المصيصي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا علي بن أبي العقب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: خرج رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه إلى بني النضير يستعينهم في عقل الكلابيين. وكانوا -زعموا- قد دسوا إلى قريش حين نزلوا بأحد لقتال رسول الله ﷺ وأصحابه يحضونهم على القتال ودلوهم على العورة فلما كلمهم رسول الله ﷺ في عقل الكلابيين، قالوا: اجلس أبا القاسم، حتى تطعم وترجع بحاجتك. ثم ساق الحديث كله، وتقدم ذكره.

    وقال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه قال: لما خرجت بنو النضير أقبل عمرو بن سعدى فأطاف بمنازلهم، فرأى خرابها وفكر ثم رجع إلى بني قريظة فيجدهم في الكنيسة فينفخ في بوقهم، فاجتمعوا فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم؟ وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية، قال: رأيت اليوم عبرا قد عبرنا بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذل. ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة. فقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزهم، بيته في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم جد يهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم فلم يخرج منهم إنسان رأسه حتى سباهم، وكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم قد رأيتم ما رأيت فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فوالله إنكم لتعلمون أنه نبي، وقد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان وابن جواس، وهما أعلم يهود، جاءانا من بيت المقدس يتوكفان قدومه، أمرا باتباعه، وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما، فأسكت القوم، فأعاد هذا القول ونحوه، وتخوفهم بالحرب والسباء والجلاء. فقال ابن باطا: قد والتوراة قرأت صفته التي أنزلت على موسى، ليس في المثاني التي أحدثنا. فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه؟ قال: أنت. قال كعب: ولم -والتوراة- ما حلت بينك وبينه قط. قال الزبير: أنت صاحب عهدنا وعقدنا فإن اتبعته اتبعناه وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أن قال كعب: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصبر تابعا.

    وقال ابن إسحاق: كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة أربع وحاصرهم النبي ﷺ ست ليال، ونزل تحريم الخمر، والله أعلم.

  22. [غزوة بني لحيان]

    قال ابن إسحاق: خرج رسول الله ﷺ في جمادى الأول، على رأس ستة أشهر من صلح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة.

    ج ١ ص ٤٣٨
  23. وقال يونس، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم، وغيره، قالوا: لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله ﷺ طالبا لدمائهم ليصيب من بني لحيان غرة، فسلك طريق الشام وورَّى على الناس أنه لا يريد بني لحيان، حتى نزل أرضهم -وهم من هذيل- فوجدهم قد حذروا فتمنعوا في رءوس الجبال فقال رسول الله ﷺ : "لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة" . فخرج رسول الله ﷺ في مائتي راكب حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ثم انصرفا إليه. فذكر أبو عياش الزرقي أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف.

    وقال بعض أهل المغازي: إن غزوة بني لحيان كانت بعد قريظة، فالله أعلم.

  24. [غزوة ذات الرقاع]

    قال ابن إسحاق: إنها في جمادى الأولى سنة أربع، وهي غزوة خصفة من بني ثعلبة من غطفان.

    وقال محمد بن إسماعيل رحمه الله : كانت بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، يعني وشهدها قال: وإنما جاء أبو هريرة فأسلم أيام خيبر.

    وقال ابن إسحاق: في هذه الغزوة سار رسول الله ﷺ حتى نزل نخلا، فلقي بها جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب. وقد خاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة الخوف ثم انصرف بالناس.

    وقال الواقدي: إنما سميت ذات الرقاع لأنه جبل كان فيه بقع حمرة وسواد وبياض، فسمي ذات الرقاع. قال: وخرج رسول الله ﷺ لعشر خلون من المحرم، على رأس سبعة وأربعين شهرا، قدم صرارا لخمس بقين من المحرم.

    ج ١ ص ٤٣٨
  25. وذات الرقاع قريبة من النخيل بين السعد والشقرة.

    ج ١ ص ٤٣٩قال الواقدي: فحدثني الضحاك بن عثمان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، وحدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن جابر، قال: وعن مالك، وغيره، عن وهب بن كيسان، عن جابر، قال: قدم قادم بجلب له، فاشترى بسوق النبط، وقالوا: من أين جلبك؟ قال: جئت به من نجد، وقد رأيت أنمارا وثعلبة قد جمعوا لكم جموعا، وأراكم هادين عنهم. فبلغ رسول الله ﷺ قوله، فخرج في أربعمائة من أصحابه -وقيل سبعمائة- وسلك على المضيق ثم أفضى إلى وادي الشقرة، فأقام بها يوما، وبث السرايا، فرجعوا إليه مع الليل وأخبروه أنهم لم يروا أحدا، وقد وطئوا آثارا حديثة. ثم سار النبي ﷺ في أصحابه، حتى أتى محالهم، فإذا ليس فيها أحد، وهربوا إلى الجبال، فهم مطلون على النبي ﷺ . وخاف الناس بعضهم بعضا. وفيها صلى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة الخوف.

    وقال عبد الملك بن هشام: وإنما قيل لها ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم. قال: ويقال ذات الرقاع شجرة هناك والظاهر أنهما غزوتان.

    وقال شعيب، عن الزهري: حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي، وأبو سلمة، عن جابر أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل قفل معه، فأدركته القائلة في واد كثير العِضَاه، فنزل وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، وقال هو تحت شجرة فعلق بها سيفه، فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فأجبناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله. فشام السيف وجلس" . فلم يعاقبه رسول الله ﷺ ، وقد فعل ذلك. متفق عليه. وشام: أغمد.

    قال أبو عوانة، عن أبي بشر: اسم الأعرابي "غورث بن الحارث" .

  26. ثم روى أبو بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب بن خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله" . قال: فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ فقال: "من يمنعك مني" ؟. قال: كن خير آخذ. قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ؟. قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس ثم ذكر صلاة الخوف، وأنه صلى بكل طائفة ركعتين وهذا حديث صحيح إن شاء الله.

    وقال البكائي، عن ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، قال:

    خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلما قف رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله ﷺ فقال: ما لك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: أنخه وساق قصة الجمل.

  27. [غزوة بدر الموعد]

    ج ١ ص ٤٤٠
  28. قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وروى عن عروة: أن رسول الله ﷺ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرا. وكان أهلا للصدق والوفاء ﷺ ، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم، وقالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم مثل الليل من الناس، يرجون أن يوافقوكم فيتنهبوكم، فالحذر الحذر لا تغدوا. فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا لله ولرسوله وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا. وكان بدر متجرا يوافى في كل عام. فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد، فلم يخرج هو ولا أصحابه.

  29. وأقبل رجل من بني ضمرة، بينه وبين المسلمين حلف، فقال: والله إن كنا لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعملكم إلى أهل هذا الموسم؟ فقال رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يبلغ ذلك عدوه من قريش: "أعملنا إليه موعد أبي سفيان وأصحابه وقتالهم، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك حلفهم ثم جالدناكم" . فقال الضمري: معاذ الله.

    قال: وذكروا أن ابن الحمام قدم على قريش، فقال: هذا محمد وأصحابه ينتظرونكم لموعدكم فقال أبو سفيان: قد والله صدق فنفروا وجمعوا الأموال فمن نشط منهم قووه، ولم يقبل من أحد منهم دون أوقية ثم سار حتى أقام بمجنة من عسفان ما شاء الله أن يقيم، ثم ائتمر هو وأصحابه، فقال أبو سفيان: ما يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه السمر وتشربون من اللبن، ثم رجع إلى مكة، وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، وكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السويق. وكانت في شعبان سنة أربع.

    وقال الواقدي: كانت بدر الموعد، وتسمى بدر الصغرى، لهلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرا من مهاجره عليه الصلاة والسلام وأنه خرج في ألف وخمسمائة من أصحابه، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وكان موسم بدر يجتمع فيه العرب لهلال ذي القعدة إلى ثامنه. فأقام بها المسلمون ثمانية أيام وباعوا بضائع، فربح الدرهم درهما، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل.

  30. [غزوة الخندق]

    قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع. وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس. فالله أعلم.

    ج ١ ص ٤٤١
  31. ويقوي الأول قول ابن عمر: إنه عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة، فلم يجزه النبي ﷺ ، وعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه لكن هذه التقوية مردودة بما سنذكره في سنة خمس، إن شاء الله تعالى.

  32. وفيها: توفي عبد الله ابن رقية بنت رسول الله ﷺ وأبو عثمان رضي الله عنه عن ست سنين ونزل أبوه في حفرته.

  33. وفيها: في شعبان ولد الحسين بن علي رضي الله عنهما .

  34. وفيها قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وأصحابه. وقد ذكروا. وكنية عاصم: أبو سليمان، واسم جده أبي الأقلح: قيس بن عصمة من بني عمرو بن عوف، ومن ذريته الأحوص الشاعر ابن عبد لله بن محمد بن عاصم بن ثابت.

  35. وكان عاصم من الرماة المذكورين، ثبت يوم أحد وقتل غير واحد، وشهد بدرا.

  36. وقتل يوم بئر معونة من الصحابة:
  37. عامر بن فهيرة مولى الصديق رضي الله عنه وكان من سادة المهاجرين.

  38. ومن قريش: الحكم بن كيسان المخزومي، ونافع بن بديل بن ورقاء السهمي.

  39. وقتل يومئذ من الأنصار: الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مبذول أبو سعد. فعن محمد بن إبراهيم التيمي، أن النبي ﷺ آخى بين الحارث بن الصمة وصهيب. وقال الواقدي: شهد الحارث أحدا، وثبت مع رسول الله ﷺ وبايعه على الموت، وقتل عثمان بن عبد الله بن المغيرة. وعن المسور بن رفاعة أن الحارث خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، فكسر بالروحاء، فرده رسول الله ﷺ إلى المدينة وضرب له بسهمه وأجره قال ابن سعد: وله ذرية بالمدينة وبغداد.

  40. حرام بن ملحان، واسم ملحان مالك بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، شهد بدرا، وهو أخو أم سليم، قال لما طعن يوم بئر معونة: فزت ورب الكعبة، رحمه الله ورضي عنه.