ومن صغار الصحابة
٩٤٤ فقرة، ج ٤ ص ٣٢٣
الصفحة ٨ من ٢٤
- ج ٤ ص ٣٧١
ومولده: في شعبان، سنة أربع من الهجرة.
-
عبد الحميد بن بهرام، وآخر ثقة، عن شهر بن حوشب، قال: كنت عند أم سلمة زوج النبي ﷺ حين أتاها قتل الحسين، فقالت: قد فعلوها?! ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، ووقعت مغشية عليها، فقمنا.
- ونقل الزبير لسليمان بن قتة يرثي الحسين:
-
وإن قتيل الطف من آل هاشم … أذل رقابًا من قريش فذلت
فإن يتبعوه عائذ البيت يصبحوا … كعاد تعمَّت عن هداها فضلت
مررت على أبيات آل محمد … فألفيتها أمثالها حين حلت
وكانوا لنا غنمًا فعادوا رزية … لقد عظمت تلك الرزايا وجَلَّت
فلا يبعد الله الديار وأهلها … وإن أصبحت منهم برغمي تخلَّت
ألم تر أن الأرض أضحت مريضة … لفقد حسين والبلاد اقشعرت
قوله: أذلّ رقابًا، أي: لا يرعون عن قتل قرشي بعده.
-
أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة: حدثني أبي، عن أبيه قال: أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال: رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهنَّ، يقال لها: ريا؛ حاضنة يزيد، يقال: بلغت مائة سنة، قالت: دخل رجل على يزيد، فقال: أبشر، فقد أمكنك الله من الحسين، وجيء برأسه، قال: فوضع في طست، فأمر الغلام فكشف، فحين رآه خمر وجهه كأنه شمَّ منه، فقلت لها: أقرع ثناياه بقضيب? قالت: إي والله.
ثم قال حمزة: وقد حدثني بعض أهلنا أنه رأى رأس الحسين مصلوبًا بدمشق ثلاثة أيام.
-
وحدثتني ريا أنَّ الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان، فبعث فجيء به، وقد بقي عظمًا أبيض، فجعله، في سفط وطيبه، وكفَّنه ودفنه في مقابر المسلمين، فلما دخلت المسوَّدة سألوا عن موضع الرأس، فنبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صنع به.
-
وذكر باقي الحكاية، وهي قوية الإسناد.
- ج ٤ ص ٣٧٢
يحيى بن بكير: حدثني الليث، قال: أبى الحسين أن يستأسر حتى قتل بالطف، وانطلقوا ببنيه علي وفاطمة وسكينة إلى يزيد، فجعل سكينة خلف سريره لئلَّا ترى رأس أبيها، وعليّ في غل، فضرب على ثنيتي الحسين، وتمثَّل بذاك البيت، فقال علي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢] ، الآية، فثقل على يزيد أن تمثَّل ببيت، وتلا عليّ آية، فقال بل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ [الشورى: ٣٠] . فقال: أما -والله- لو رآنا رسول الله ﷺ لأحبَّ أن يخلينا، قال: صدقت، فخلوهم، قال: ولو وقفنا بين يديه لأحبَّ أن يقربنا، قال: صدقت، قربوهم، فجعلت سكينة وفاطمة تتطاولان لتريا الرأس، وبقي يزيد يتطاول في مجلسه ليستره عنهما، ثم أمر لهم بجهاز، وأصلح آلتهم، وخرجوا إلى المدينة.
-
كثير بن هشام: حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما أُتِيَ يزيد برأس الحسين جعل ينكت سنّه ويقول: ما كنت أظن أبا عبد الله بلغ هذا السن، وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب.
-
وممن قتل مع الحسين إخوته الأربعة: جعفر، وعتيق، ومحمد، والعباس الأكبر، وابنه الكبير علي، وابنه عبد الله، وكان ابنه علي زين العابدين مريضًا فسلم، وكان يزيد يكرمه ويرعاه.
-
وقتل مع الحسين ابن أخيه القاسم بن الحسن، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ومحمد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
-
المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن دينار، حدثنا محمد بن علي، عن أبيه قال: قتل الحسين، وأدخلنا الكوفة، فلقينا رجل، فأدخلنا منزله، فألحفنا، فنمت، فلم أستيقظ إلَّا بحسّ الخيل في الأزقة، فحملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا، وقال: إنه سيكون في قومك أمور، فلا تدخل معهم، فلمَّا كان يوم الحرة ما كان، كتب مع مسلم بن عقبة بأماني، فلما فرغ من القتال مسلم بعث إليّ فجئته، فرمى إلي بالكتاب، وإذا فيه: استوص بعلي بن الحسين خيرًا، وإن دخل معهم في أمرهم، فأمَّنه واعف عنه، وإن لم يكن معهم فقد أصاب وأحسن.
-
فأولاد الحسين هم: علي الأكبر الذي قتل مع أبيه، وعلي زين العابدين، وذريته عدد كثير، وجعفر، وعبد الله، ولم يعقبا.
-
فولد لزين العابدين الحسن، والحسين -ماتا صغيرين، ومحمد الباقر، وعبد الله، وزيد، وعمر، وعلي، ومحمد الأوسط -ولم يعقب، وعبد الرحمن، وحسين الصغير، والقاسم -ولم يعقب.
- ج ٤ ص ٣٧٣
٢٧١ - عبد الله بن حنظلة (١) : " د"
-
الغسيل بن أبي عامر الراهب، عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، أبو عبد الرحمن الأنصاري، الأوسي، المدني، من صغار الصحابة.
-
استشهد أبوه يوم أحد، فغسَّلته الملائكة لكونه جنبًا (٢) ، فلو غسل الشهيد الذي يكون جنبًا استدلالًا بهذا لكان حسنًا.
-
حدَّث عن عبد الله: عبد الله بن يزيد الخطمي -رفيقه، وابن أبي مليكة، وضمضم بن جوس، وأسماء بنت زيد العدوية.
-
قد روى أيضًا عن عمر، وعن كعب الأحبار.
-
وكان رأس الثائرين على يزيد نوبة الحرة (٣) .
-
وقد رأى النبي ﷺ يطوف بالبيت على ناقة. إسناده حسن.
-
وهو ابن جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ بن سلول.
- ج ٤ ص ٣٧٤
وفد في بنيه الثمانية على يزيد، فأعطاهم مائتي ألف وخلعًا، فلمَّا رجع قال له كبراء المدينة: ما وراءك? قال: جئت من عند رجل لو لم أجد إلَّا بني لجاهدته بهم، قالوا: إنه أكرمك وأعطاك، قال: وما قبلت إلَّا لأتقوَّى به عليه، وحضَّ الناس فبايعوه، وأمَّر على الأنصار، وأمَّر على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى باقي المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، ونفوا بني أمية.
-
فجهز يزيد لهم جيشًا، عليهم مسلم بن عقبة -ويدعى مسرفًا المري- في اثني عشر ألفًا، فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة، فقال: دعني أشتفي، لكني آمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقه إلى مكة، فإن هم لم يحاربوه وتركوه فيمضي لحرب ابن الزبير، وإن حاربوه قاتلهم، فإن نصر قتل وأنهب المدينة ثلاثًا، ثم يمضي إلى ابن الزبير.
-
وكتب عبد الله بن جعفر إليهم ليكفوا، فقدم مسلم فحاربوه، ونالوا من يزيد، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثًا، وسار، فمات بالشلل، وعهد إلى حصين بن نمير في أول سنة أربع وستين، وذمَّهم ابن عمر على شق العصا.
قال زيد بن أسلم: دخل ابن مطيع على ابن عمر ليالي الحرة، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزع يدًا من طاعة لم يكن له حجة يوم القيامة" (١) .
قال المدائني: توجه إليهم مسلم بن عقبة في اثني عشر ألفًا، وأنفق فيهم يزيد، في الرجل أربعين دينارًا، فقال له النعمان بن بشير: وجهني أكفك. قال: لا. ليس لهم إلَّا هذا الغشمة، والله لا أقيلهم بعد إحساني إليهم، وعفوي عنهم مرة بعد مرة، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين في عشيرتك، وأنصار رسول الله ﷺ ، وكلمه عبد الله بن جعفر، فقال: إن رجعوا فلا سبيل عليهم، فادعهم يا مسلم ثلاثًا، وامض إلى الملحد ابن الزبير، قال: واستوص بعلي بن الحسين خيرًا.
-
جرير، عن الحسن قال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، لقد قتل ولدا زينب بنت أم سلمة.
قال مغيرة بن مقسم: أنهب مسرف بن عقبة المدينة ثلاثًا، وافتُضَّ بها ألف عذراء.
ج ٤ ص ٣٧٥قال السائب بن خلاد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله" (١) . رواه مسلم بن أبي مريم، وجماعة، عن عطاء بن يسار، عنه.
-
وروى جويرية بن أسماء، عن أشياخه قالوا: خرج أهل المدينة يوم الحرة بجموع وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم عسكر الشام كرهوا قتالهم، فأمر مسرف بسريره فوضع بين الصفين، ونادى مناديه: قاتلوا عني أو دعوا، فشدوا، فسمعوا التكبير خلفهم من المدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة، فانهزم الناس، وعبد الله بن الغسيل متساند إلى ابنه نائم، فنبهه، فلمَّا رأى ما جرى أمر أكبر بنيه فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقدِّمهم واحدًا واحدًا حتى قتلوا، وكسر جفن سيفه، وقاتل حتى قُتِل.
-
وروى الواقدي بإسناد قال: لما وثب أهل الحرة، وأخرجوا بني أمية من المدينة، بايعوا ابن الغسيل على الموت، فقال: يا قوم، والله ما خرجنا حتى خفنا أن نرجم من السماء، رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة.
قال: وكان يبيت تلك الليالي في المسجد، وما يزيد في إفطاره على شربة سويق، ويصوم الدهر ولا يرفع رأسه إلى السماء، فخطب وحرَّض على القتال، وقال: اللهم إنا بك واثقون، فقاتلوا أشد قتال، وكبَّر أهل الشام، ودخلت المدينة من النواحي كلها، وقتل الناس، وبقي لواء ابن الغسيل ما حوله خمسة، فلمَّا رأى ذلك رمى درعه، وقاتلهم حاسرًا حتى قتل، فوقف عليه مروان وهو مادّ إصبعه السبابة، فقال: أما والله لئن نصبتها ميتًا لطالما نصبتها حيًّا.
قال أبو هارون العبدي: رأيت أبا سعيد الخدري ممعط اللحية، فقال: هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام، أخذوا ما في البيت، ثم دخلت طائفة فلم يجدوا شيئًا، فأسفوا، وأضجعوني، فجعل كل واحد منهم يأخد من لحيتي خصلة.
قال خليفة: أصيب من قريش، والأنصار يومئذ ثلاث مائة وستة رجال، ثم سماهم.
-
وعن أبي جعفر الباقر قال: ما خرج فيها أحد من بني عبد المطلب، لزموا بيوتهم، وسأل مسرف، عن أبي، فجاءه ومعه ابنا محمد بن الحنفية، فرحَّب بأبي، وأوسع له، وقال: إن أمير المؤمنين أوصاني بك.
-
كانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وأصيب يومئذ عبد الله بن زيد بن عاصم حاكي وضوء النبي ﷺ ، ومعقل بن سنان، ومحمد بن أُبَيّ بن كعب، وعدة من أولاد كبراء الصحابة، وقتل جماعة صبرًا.
-
وعن مالك بن أنس قال: قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبع مائة.
قلت: فلما جرت هذه الكائنة اشتدَّ بغض الناس ليزيد مع فعله بالحسين وآله، ومع قلة دينه، فخرج عليه أبو بلال مرداس به أدية الحنظلي، وخرج نافع بن الأزرق، وخرج طواف السدوسي، فما أمهله الله، وهلك بعد نيف وسبعين يومًا.
- ج ٤ ص ٣٧٦
٢٧٢ - سلمة بن الأكوع (١) : " ع"
-
هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله أبو عامر، وأبو مسلم، ويقال: أبو إياس الأسلمي الحجازي المدني.
-
قيل: شهد مؤتة، وهو من أهل بيعة الرضوان.
-
روى عدة أحاديث.
-
حدَّث عنه: ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والحسن بن محمد بن الحنفية، ويزيد بن خصيفة.
قال مولاه يزيد: رأيت سلمة يصفّر لحيته، وسمعته يقول: بايعت رسول الله ﷺ على الموت، وغزوت معه سبع غزوات (٢) .
- ج ٤ ص ٣٧٧
ابن مهدي: حدثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: بيَّتَنا هوازن مع أبي بكر الصديق، فقتلت بيدي ليلتئذ سبعة أهل أبيات.
-
عكرمة بن عمار: حدثنا إياس، عن أبيه، قال: خرجت أنا ورباح غلام النبي ﷺ بظهر النبي ﷺ ، وخرجت بفرس لطلحة، فأغار عبد الرحمن بن عيينة على الإبل، فقتل راعيها، وطرد الإبل هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح! اقعد على هذا الفرس، فألحقه بطلحة، وأعلم رسول الله ﷺ ، وقمت على تلٍّ، ثم ناديت ثلاثًا: يا صباحاه! واتبعت القوم، فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إلي فارس قعدت له في أصل شجرة، ثم رميته، وجعلت أرميهم، وأقول:
أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضّع
وأصبت رجلًا بين كتفيه، وكنت إذا تضايقت الثنايا، علوت الجبل، فردأتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم، حتى ما بقي شيء من ظهر النبي ﷺ إلَّا خلفته وراء ظهري، واستنقذته، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا، وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون شيئًا إلَّا جعلت عليه حجارة، وجمعته على طريق رسول الله ﷺ ، حتى إذا امتدَّ الضحى أتاهم عيينة بن بدر مددًا لهم، وهم في ثنية ضيقة، ثم علوت الجبل، فقال عيينة: ما هذا? قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر إلى الآن، وأخذ كل شيء كان في أيدينا، فقال عيينة: لو لا أنه يرى أن وراءه طلبًا، لقد ترككم ليقم إليه نفر منكم، فصعد إليّ أربعة، فلمَّا أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني? قالوا: ومن أنت? قلت: أنا ابن الأكوع، والذي أكرم وجه محمد ﷺ لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم: إني أظن، فما برحت ثَمَّ، حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وأبو قتادة، والمقداد، فولَّى المشركون، فأنزل فأخذت بعنان فرس الأخرم لا آمن أن يقتطعوك، فاتئد حتى يلحقك المسلمون، فقال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنَّ الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، فخليت عنان فرسه، ولحق بعبد الرحمن بن عيينة، فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه، ثم قتله عبد الرحمن، وتحوَّل عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين، [فعقر بأبي قتادة] ، فقتله أبو قتادة، وتحوّل على فرسه.
-
وخرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحابنا شيئًا، ويعرضون قبيل المغيب
ج ٤ ص ٣٧٨إلى شعب فيه ماء، يقال له: "ذو قرد" (١) ، فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية، وغربت الشمس، فألحق رجلًا فأرميه؛ فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضَّع
فقال: يا ثكل أمي، أكوعي بكرة? قلت: نعم يا عدو نفسه، وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته سهمًا آخر، فعلق به سهمان. ويخلفون فرسين، فسقتهما إلى رسول الله ﷺ ، وهو على الماء الذي حليتهم عنه "ذو قرد" ، وهو في خمس مائة، وإذا بلال نحر جزورًا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! خلني، فأنتخب من أصحابك مائة، فآخذ عليهم بالعشوة، فلا يبقى منهم مخبر، قال: "أكنت فاعلًا يا سلمة" ؟ قلت: نعم. فضحك حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، ثم قال: "إنهم يقرون الآن بأرض غطفان" .
قال: فجاء رجل فأخبر أنهم مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورًا، فلمَّا أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فهربوا، فلمَّا أصبحنا، قال رسول الله ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة" ، وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعًا، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة.
-
فلما كان بيننا وبينها قريبًا من ضحوة، وفي القوم رجل كان لا يسبق، جعل ينادي: ألَا رجل يسابق إلى المدينة? فأعاد ذلك مرارًا. فقلت: ما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا? قال: لا، إلَّا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، خلني أسابقه، قال: إن شئت، وقلت: امض، وصبرت عليه شرفًا أو شرفين حتى استبقيت نفسي، ثم إني عدوت حتى ألحقه، فأصك بين كتفيه، وقلت: سبقتك والله، أو كلمة نحوها، فضحك وقال: إن أظنّ حتى قدمنا المدينة.