السنة الخامسة من الهجرة
١٢٦ فقرة، ج ١ ص ٤٤٤
الصفحة ٢ من ٤
- ج ١ ص ٤٥٩
ثم إن النبي ﷺ بعث إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما صلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك.
-
فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى السعدين فاستشارهما، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا منه، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا
ج ١ ص ٤٦٠بك نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال: فأنت وذاك. فأخذ سعد الصحيفة فمحاها، ثم قال: ليجهدوا علينا.
-
وأقام رسول الله ﷺ والأحزاب، فلم يكن بينهم قتال إلا فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيئوا للقتال يا بني كنانة فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تُعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، قال: فتيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه بهم في السبخة بين الخندق وسلع.
-
وخرج علي رضي الله عنه في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، فأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارزني؟ فبرز له علي رضي الله عنه فقال: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتهما منه. قال له: أجل. قال: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال له: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي - كرم الله وجهه: لكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو واقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا، فقتله علي رضي الله عنه وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق.
-
وألقى عكرمة يومئذ رمحه وانهزم وقال علي رضي الله عنه في ذلك:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه … ونصرت دين محمد بضراب
نازلته فتركته متجدلا … كالجذع بين دكادك وروابي
لا تحسبن الله خاذل دينه … ونبيه يا معشر الأحزاب
وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل، أن عائشة رضي الله عنها كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربة يرفل با ويقول:
لبث قليلا يشهد الهيجا حمل … لا بأس بالموت إذا حان الأجل
فقالت له أمه: الحق أي بني فقد أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد لوددت أن
ج ١ ص ٤٦١درع سعد كانت أسبغ مما هي. فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، ورماه ابن العرقة فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إليَّ من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بينهم وبيننا فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
-
وكانت صفية بنت عبد المطلب في فارع -حصن حسان بن ثابت- وكان معها فيه مع النساء والولدان، قالت: فمر بنا يهودي فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة ونقضت وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، والنبي ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا. فقالت: يا حسان! إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. فقال: غفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغت رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال: ما لي بسلبه من حاجة.
-
وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
-
وروى نحوه يونس بن بكير، عن هشام بن عروة عن أبيه.
-
ثم إن نعيم بن مسعود الغطفاني أتى رسول الله ﷺ فأسلم، وقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت يا رسول الله. قال: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة" .
-
فأتى قريظة -وكان نديما لهم في الجاهلية- فقال لهم: قد عرفتم ودي إياكم. قالوا: صدقت. قال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدروا أن تتحولوا عنه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه. فقالوا: لقد أشرت بالرأي.
- ج ١ ص ٤٦٢
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموه عليَّ. قالوا: نفعل. قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا منكم من رجالكم فلا تفعلوا.
-
ثم خرج فأتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليَّ، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عني. قالوا: نفعل.
-
ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
-
فلما كانت ليلة السبت من شوال، وكان من صنع الله لرسول الله ﷺ أن أرسل أبو سفيان ورءوس غطفان، إلى بني قريظة، عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا. فأرسلوا إليهم الجواب أن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك.
-
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله لقد حدثكم نعيم بن مسعود بحق. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله ما ندفع إليكم رجلا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلون، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم. وخذل الله بينهم.
-
فلما أنهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم.
قال: فحدثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة: يا أبا عبد الله! رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يابن أخي.
ج ١ ص ٤٦٣قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال: يابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى هويا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع" -يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة- "أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" . فما قام أحد من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لي من القيام بد حين دعاني. فقال: "يا حذيفة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا" . فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا يقر لهم قرار ولا نار ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش! لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة رضي الله عنه : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت، فقال: فلا بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جملة وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله ﷺ أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم.
قال: فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مراحل -وهو ضرب من وشي اليمن فسره ابن هشام- فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح عليَّ طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر.
-
وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] .
-
وهذا كله من رواية البكائي عن محمد بن إسحاق.
-
وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رجلا قال لحذيفة: صحبتم رسول الله ﷺ وأدركتموه. فذكر الحديث نحو حديث محمد بن كعب، وفي آخره:
فجعلت أخبر رسول الله ﷺ عن أبي سفيان، فجعل يضحك حتى جعلت أنظر إلى أنيابه.
-
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ قاتل يوم بدر في رمضان سنة اثنين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق، وهو يوم الأحزاب وبني
ج ١ ص ٤٦٤قريظة، في شوال سنة أربع. وكذا قال عروة في حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه. كذا قالا: سنة أربع، وقالا: في قصة الخندق إنها كانت بعد أحد بسنتين.
وقال قتادة من رواية شيبان عنه: كان يوم الأحزاب بعد أحد بسنتين، فهذا هو المقطوع به وقول موسى وعروة إنها في سنة أربع وهم بين، ويشبهه قول عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني. فلما كان يوم الخندق عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني" . فيحمل قوله على أنه كان قد شرع في أربع عشرة سنة، وأنه يوم الخندق كان قد استكمل خمس عشرة سنة، وزاد عليها فلم يعد تلك الزيادة. والعرب تفعل هذا في عددها وتواريخها وأعمارها كثيرا، فتارة يعتدون بالكسر ويعدونه سنة، وتارة يسقطونه. وذهب بعض العلماء إلى ظاهر هذا الحديث وعضدوه بقول موسى بن عقبة وعروة أن الأحزاب في شوال سنة أربع، وذلك مخالف لقول الجماعة، ولما اعترف به موسى وعروة من أن بين أحد والخندق سنتين، والله أعلم.
وقال أبو إسحاق الفزاري، عن حميد، عن أنس، قال: خرج رسول الله ﷺ في غداة باردة إلى الخندق، والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق بأيديهم، ولم يكن لهم عبيد: فلما رأى ما بهم من الجوع والنصب قال:
اللهم إن العيش عيش الآخره … فاغفر للأنصار والمهاجره
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا
أخرجه البخاري (١) . ولمسلم نحوه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت.
وقال عبد الوارث: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس نحوه، وزاد، قال: ويؤتون بمثل حفنتين شعيرا يصنع لهم بإهالة سنخة وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منكرة فتوضع بين يدي القوم. أخرجه البخاري (٢) .
وقال شعبة وغيره: حدثنا أبو إسحاق، سمع البراء يقول: كان رسول الله ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، وقد وارى التراب بياض إبطه وهو يقول:
ج ١ ص ٤٦٥اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألي قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا
رفع بها صوته. أخرجه البخاري (١) .
-
وعنده أيضا من وجه آخر: ويمد بها صوته.
-
وقال عبد الواحد بن أيمن المخزومي، عن أبيه، سمع جابرا يقول: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدانة -وهي الجبل- فقلنا: يا رسول الله: إن كدانة قد عرضت. فقال: "رشوا عليها" . ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب، فعادت كثيبا أهيل، فقلت له: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل، فقلت للمرأة: هل عندك من شيء؟ وذكر نحو ما تقدم وما سقناه من مغازي ابن إسحاق. أخرجه البخاري (٢) .
وقال هوذة بن خليفة: حدثنا عوف الأعرابي، عن ميمون بن أستاذ الزهراني، قال: حدثني البراء بن عازب، قال: لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها أخذ المعول وقال: "بسم الله" . وضرب ضربة فكسر ثلثها. فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله" . ثم ضرب الثانية وقطع ثلثا آخر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض" . ثم ضرب الثالثة فقال: "بسم الله" ، فقطع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة" .
وقال الثوري: حدثنا ابن المنكدر، سمعت جابرا يقول: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم" ؟. فقال الزبير: أنا. فقال: "من يأتينا بخبر القوم" ؟. فقال الزبير: أنا. فقال: "إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير" . أخرجه البخاري (٣) .
ج ١ ص ٤٦٦وقال الحسن بن الحسن بن عطية العوفي: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] ، قال: كان ذلك يوم أبي سفيان؛ يوم الأحزاب.
-
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] ، قال: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق.
-
قوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ [الأحزاب: ٢٢] ، قال: لأن الله قال لهم في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ، فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق، تأول المؤمنون ذلك، ولم يزدهم إلا إيمانا وتسليما.
وقال حماد بن سلمة: أخبرنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رجلا من المشركين قتل يوم الأحزاب، فبعث المشركون إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثني عشر ألفا. فقال: "لا خير في جسده ولا في ثمنه" .
وقال الأصمعي: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال: ضرب الزبير بن العوام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره فقدَّه إلى القربوس (١) ، فقالوا: ما أجود سيفك، فغضب، يريد أن العمل ليده لا لسيفه.
-
قال شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي: أن رسول الله ﷺ كان يوم الأحزاب قاعدا على فرضة من فرض الخندق، فقال ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا -أو- بطونهم" . أخرجه مسلم (٢) .
- ج ١ ص ٤٦٧
وقال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، أن عمر يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. فقال رسول الله ﷺ : "وأنا والله ما صليتها بعد" . فنزلت مع رسول الله - أحسبه قال: إلى بطحان- فتوضأ للصلاة وتوضأنا، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى المغرب. متفق عليه.
-
وقال جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: كنا عند حذيفة بن اليمان، فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ لقاتلت معه وأبليت. فقال: أنت كنت تفعل ذاك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة" ؟. فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. ثم قال: "يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم" . فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. فقال: "ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليَّ" . قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهمي في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ : "لا تذعرهم عليَّ" . ولو رميته لأصبته قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله ﷺ ، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله ﷺ : "قم يا نومان" . أخرجه مسلم (١) .
وقال أبو نعيم: حدثنا يوسف بن عبد الله بن أبي بردة عن موسى بن أبي المختار، عن بلال العبسي، عن حذيفة: أن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فأتاني رسول الله ﷺ وأنا جاث من البرد، فقال: "انطلق إلى عسكر الأحزاب" . فقلت: والذي بعثك بالحق ما قمت إليك من البرد إلا حياء منك. قال: "فانطلق يابن اليمان فلا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إليَّ" . فانطلقت إلى عسكرهم، فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، قد تفرق الأحزاب عنه، حتى إذا جلست فيهم، حس
ج ١ ص ٤٦٨أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم، فقال: يأخذ كل رجل منكم بيد جليسه. قال: فضربت بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي إلى الذي عن يساري فأخذت بيده. فكنت فيهم هنية ثم قمت فأتيت رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي، فأومأ إليَّ بيده أن: ادن. فدنوت ثم أومأ إليَّ فدنوت حتى أسبل عليَّ من الثوب الذي عليه وهو يصلي فلما فرغ قال: ما الخبر؟ قلت: تفرق الناس عن أبي سفيان، فلم يبق إلا في عصبة يوقد النار، قد صب الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنا نرجو من الله ما لا يرجو.
-
وقال عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد الحنفي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة، قال: ذكر حذيفة مشاهدهم، فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب. وساق الحديث مطولا.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا ابن أبي أوفى، قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم" (١) . متفق عليه.
وقال الليث: حدثني المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده لا شيء بعده" . متفق عليه (٢) .
-
وقال إسرائيل وغيره عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: قال رسول الله ﷺ حين أجلى عنه الأحزاب: "الآن نغزوهم ولا يغزونا؛ نسير إليهم" . أخرجه البخاري (٣) .
- ج ١ ص ٤٦٩
وقال خارجة بن مصعب، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] ، قال: تزويج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. كذا روى الكلبي وهو متروك.
-
وذهب العلماء في أمهات المؤمنين أن هذا حكم مختص بهن ولا يتعدى التحريم إلى بناتهن ولا إلى إخوتهن ولا أخواتهن.
- واستشهد يوم الأحزاب:
-
عبد الله بن سهل بن رافع الأشهلي، تفرد ابن هشام بأنه شهد بدرا.
-
وأنس بن أوس بن عتيك الأشهلي، والطفيل بن النعمان بن خنساء، وثعلبة بن عنمة؛ كلاهما من بني جشم بن الخزرج.
-
وكعب بن زيد أحد بني النجار، أصابه سهم غرب، وقد شهد هؤلاء الثلاثة بدرا.
-
ذكر ابن إسحاق أن هؤلاء الخمسة قتلوا يوم الأحزاب.
وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: قتل من المشركين يوم الخندق: نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي؛ أقبل على فرس له ليوثبه الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله، وكبر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ : إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه. فرد إليهم رسول الله ﷺ : "إنه خبيث الدية لعنه الله ولعن ديته ولا نمنعكم أن تدفنوه، ولا أرب لنا في ديته" .
- ج ١ ص ٤٧٠
[غزوة بني قريظة]
-
وكانوا قد ظاهروا قريشا وأعانوهم على حرب رسول الله ﷺ . وفيهم نزلت: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: (٢٦) ، ٢٧].
قال هشام، عن أبيه، عن عاشة، قالت: لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل وقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم. قال: "فأين" ؟. قال: ههنا. وأشار إلى بني قريظة. فخرج النبي ﷺ . متفق عليه (١) .
وقال حميد بن هلال، عن أنس: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا من سكة بني غنم، موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة. البخاري (٢) .
وقال جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نادى فينا رسول الله ﷺ يوم انصرف من الأحزاب أن: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" . فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون قريظة. وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت. فما عنف واحدا من الفريقين. متفق عليه (٣) .
-
وعند مسلم في بعض طرقه: الظهر بدل العصر، وكأنه وهم.
وقال بشر بن شعيب، عن أبيه قال: حدثنا الزهري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عمه عبيد الله بن كعب أخبره أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة واغتسل واستجمر، فتبدى له جبريل عليه السلام فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد، فوثب رسول الله ﷺ فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا العصر حتى يأتوا بني قريظة. فلبسوا السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم الناس عند غروبها، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ ، فليس علينا إثم. وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة حتى غربت الشمس فصلوا حين جاءوا بني قريظة. فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين.
-
وروى نحوه عبد الله بن عمر، عن أخيه عبد الله، عن القاسم عن عائشة، وفيه أن رجلا سلم علينا ونحن في البيت، فقام رسول الله ﷺ فزعا، فقمت في إثره فإذا بدحية الكلبي فقال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة" . وقال: وضعتم السلاح لكنا لم نضع السلاح طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد وفيه: فمر رسول الله ﷺ بمجالس بينه وبين بني قريظة، فقال: "هل مر بكم من أحد" ؟. قالوا: مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج قال: "ليس ذاك بدحية الكلبي ولكنه جبريل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب" . فحاصرهم النبي ﷺ ، وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف حتى يسمعهم كلامه فناداهم: "يا إخوة القردة والخنازير" . فقالوا: يا أبا
ج ١ ص ٤٧١القاسم لم تك فحاشا. فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم.