شهداء أحد:
١٢ فقرة، ج ١ ص ٢٧٢
- ج ١ ص ٢٧٢
أخذت قريش طريقها إلى مكة وقد استخفّها النّصر الذي أحرزته.
-
إنها طارت به على عجل، كأنّها غير واثقة مما نالت بعد الهزيمة التي حاقت بها أول القتال!!.
-
وأقبل المسلمون يتحسّسون مصابهم في الرجال، ويجهّزون القتلى لمضاجعهم التي يبرزون منها للقاء الله يوم ينفخ في الصور.
- ج ١ ص ٢٧٣
روى ابن إسحاق «١» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الرّبيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟» فقال رجل من الأنصار: أنا.
- (١)أخرجه من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني مصرحا بسماعه منه، مرفوعا به، كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ١٤٠- ١٤١، وهذا إسناد معضل، وقد رواه الحاكم: ٣/ ٢٠١، من طريق محمد بن إسحاق: أنّ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة حدّثه عن أبيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ... فذكره. وأنا أخشى أن يكون سقط من السند محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن إسحاق، وعبد الله بن عبد الرحمن، فإنّهم لم يذكروا ابن إسحاق في الرواة عن عبد الله بن عبد الرحمن، وعليه يكون الحديث مرسلا، وبه أعلّه الذهبي؛ لأن عبد الله هذا تابعي، وأما أبوه عبد الرحمن ابن أبي صعصعة فصحابي، فلو أنّ سند الحاكم سلم من السقط لكان الحديث متصلا، ولما أعلّه الذهبي بالإرسال، والله أعلم. والحديث رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٢١، عن يحيى بن سعيد معضلا، ونقل السيوطي في (تنوير الحوالك) عن ابن عبد البر قال: «هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه إلا عند أهل السير، فهو عندهم مشهور معروف» قلت: قد رواه الحاكم أيضا من حديث زيد بن ثابت، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع ... وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي، وفي سنده أبو صالح عبد الرحمن بن عبد الله الطويل، ولم أجد الان ترجمته.
-
فنظر، فوجده جريحا في القتلى، وبه رمق، فقال له: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامي! وقل له: إنّ سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمته! وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم إنّ سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيّكم وفيكم عين تطرف ... !.
قال: ثم لم أبرح حتّى مات، وجئت النبيّ عليه الصلاة والسلام فأخبرته خبره.
-
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن الشهداء حيث قتلوا، ورفض أن ينقلوا إلى مقابر أسرهم.
قال جابر بن عبد الله: لمّا كان يوم أحد جاءت عمّتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردّوا القتلى إلى مضاجعهم» «٢» .
- (٢)حديث صحيح، أخرجه أبو داود: ٢/ ٦٣؛ والنسائي: ١/ ٢٨٤؛ وابن ماجه: ١/ ٢٦٤؛ وأحمد: ٣/ ٢٩٧، ٣٠٧، ٣٩٧، ٣٩٨، بسند صحيح عن جابر.
-
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم
ج ١ ص ٢٧٤يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقران؟» فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وقال:
«أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة!» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلهم.. «١» .
- (١)حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٣/ ١٦٣- ١٦٥، ١٦٩، ٧/ ٣٠٠؛ والنسائي: ١/ ٢٧٧؛ والترمذي: ٢/ ١٤٧، وصححه، وابن ماجه: ١/ ٤٦١؛ وأحمد: ٥/ ٤٣١، من حديث جابر أيضا.
-
ولما انصرف عنهم قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إنّه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم، والرّيح ريح مسك» «٢» .
- (٢)حديث صحيح، أخرجه أحمد: ٥/ ٤٣١، ٤٣٢؛ وابن هشام: ٢/ ١٤٢، كلاهما من طريق ابن إسحاق. حدّثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري مرفوعا، وهذا سند صحيح، وابن صعير صحابيّ صغير، فهو مرسل صحابي، وهو حجة. وكذلك أخرجه البيهقي: ٤/ ١١، من طريق ابن عيينة عن الزهري به، وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه به. وإسناده صحيح أيضا.
-
إنّ معركة أحد تركت اثارا غائرة في نفس النبيّ عليه الصلاة والسلام ظلت تلازمه إلى اخر عهده بالدنيا.
-
في هذا الجبل الداكن الجاثم حول يثرب أودع محمد صلى الله عليه وسلم أعزّ الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه، فالصفوة النقية التي حملت أعباء الدعوة، وعادت في سبيل الله الأقربين والأبعدين، واغتربت بعقائدها قبل الهجرة وبعدها، وأنفقت وقاتلت، وصبرت وصابرت، هذه الصفوة اختطّ لها القدر مثواها الأخير في هذا الجبل الأشم، فتوسّدت ثراه راضية مرضية، وكان رسول الله يتذكّر سير أولئك الأبطال ومصائرهم فيقول:
«أحد جبل يحبّنا ونحبّه» «٣» .
- (٣)حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٠٢؛ ومسلم: ٤/ ١٢٤، وغيرهما من حديث أنس وغيره.
-
فلمّا حانت وفاته، جعل اخر عهده بذكريات البطولة أن يزور قتلى أحد وأن يدعو الله لهم، وأن يعظ الناس بهم!!.
-
عن عقبة بن عامر، قال: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني
ج ١ ص ٢٧٥سنين كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: «إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا. وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوها!» .
قال عقبة: فكان اخر نظرة نظرتها إلى رسول الله «١» .
- (١)حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٣/ ١٦٤، ٧/ ٢٧٩- ٢٨٠، ٣٠٢؛ ومسلم: ٧/ ٦٧؛ وأحمد: ٤/ ١٤٩، ١٥٣، ١٥٤؛ والبيهقي: ٤/ ١٤.