[دروس وعبر] :
٢٩ فقرة، ج ١ ص ٢٦٩
- ج ١ ص ٢٦٩
ترفق القران الكريم وهو يعقّب على ما أصاب المسلمين في (أحد) على عكس ما نزل في بدر من ايات، ولا غرو؛ فحساب المنتصر على أخطائه أشدّ من حساب المنكسر.
- ج ١ ص ٢٧٠
في المرة الأولى قال:
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [الأنفال] .
-
أما في أحد فقال:
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ال عمران: ١٥٢] .
-
حسب المخطئين ما لحقهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل درس يذكّر المخطئ بسوء ما وقع فيه.
-
وقد اتجهت الايات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع وتطهير المؤمنين، حتى لا يتحوّل انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفلّ قواهم، وحسرة تشل إنتاجهم:
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) [ال عمران] .
-
ثم مضى الوحي يعلّم المسلمين ما جهلوا من سنن الدين والحياة، أو يذكّرهم بما نسوا من ذلك، فبيّن أنّ المؤمن- مهما عظمت بالله صلته- فلا ينبغي أن يغترّ به، أو يحسب الدنيا دانت له، أو يظنّ قوانينها الثابتة طوع يديه.
-
كلا، كلا؛ فالحذر البالغ والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة، ويوم يحسب المسلم أنّ الأيام كلها كتبت له، وأنّ شيئا منها لن يكون عليه، وأنّ أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفشل الذريع.
-
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ال عمران: ١٤٠] .
-
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [ال عمران] .
-
وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثّمن التافه، وهم يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم لقاء ما ينشدون؛ بيد أن الاستعداد أيام الأمن يجب ألا يزول أيّام الروع.
- ج ١ ص ٢٧١
إنّ الإنسان- في عافيته- قد يتصوّر الأمور سهلة مبسّطة، وقد يتأدّى به ذلك إلى المجازفة والخداع.
-
فليحذر المؤمن هذا الموقف، وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنّوا الموت ثم حادوا عنه لما جاء:
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) [ال عمران] .
-
ثم عاتب الله عز وجلّ من أسقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، لمّا أشيع أن الرسول عليه الصلاة والسلام مات، ما كذلك يسلك أصحاب العقائد! إنهم أتباع مبادئ لا أتباع أشخاص.
-
ولو افترض أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قتل وهو ينافح عن دين الله، فحقّ على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه الذي ورده قائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا.
-
إنّ عمل محمّد عليه الصلاة والسلام ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة من فكر الإنسان وضميره، فإذا أدى رسالته ومضى، فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته فلا يخرج منها!.
-
لقد جمع محمد صلى الله عليه وسلم الناس حوله على أنّه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به عرفوه إماما لهم في الحق، وصلة لهم بالله.
-
فإذا مات عبد الله، ظلّت الصلة الكبرى بالحيّ الذي لا يموت باقية نامية:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [ال عمران] .
-
وقد استطرد النّظم الكريم يبصّر المؤمنين بمواطن العبرة فيما نالهم، ويعلّمهم كيف يتقون في المستقبل هذه المازق، وينتهز هذه الكبوة العارضة ليعزل عن جماعة المسلمين من خالطوهم على دخل، وعاشروهم على نفاق.
-
ولئن أفادت وقعة (بدر) في خذل الكافرين، إن وقعة (أحد) أفادت مثلها في فضح المنافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحّت الأجسام بالعلل.
-
ولعلّ ما ترتّب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة درس عميق يتعلّم منه
ج ١ ص ٢٧٢المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرّف نفسها في حرب أو سلام.
-
والأمم كلّها- مؤمنها وكافرها- تعرف هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة، وعند ما تشتبك أمة في حرب، تجعل أحزابها جبهة واحدة، وأهواءها رغبة واحدة، وتخمد كلّ تمرّد أو شذوذ ينجم في صفوفها.
-
وإحسان الجندية كإحسان القيادة.
-
فكما أنّ إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشؤون تعود على الجماعة بالخير الجزيل.
-
وأسرع الناس إلى الشغب والتمرد من أقصوا عن الرئاسة وهم إليها طامحون.
-
وكان عبد الله بن أبيّ مثلا لهذه الفئة، التي تضحّي بمستقبل الأمة في سبيل أطماعها الخاصة.
-
أمّا الرماة الذين عصوا الأوامر بلزوم أماكنهم مهما كانت أطوار القتال فقد مرّت بهم فترة ضعف وذهول، تيقظت- خلالها- بقية في أنفسهم من حبّ الدنيا، والإقبال على عرضها الزائل، فكان إثر ذلك ما كان!.
-
ولذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور، بيّن الله لهم أنهم هم مصدرها، فما أخلفهم موعدا، ولا ظلمهم حقا.
-
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) [ال عمران] .
-
إن الإسلام يشترط لكمال العمل وقبوله الإيمان، والاحتساب، والتجرّد.