[تعمية أخبار الجيش] :
٨ فقرات، ج ١ ص ٣٧٨
- ج ١ ص ٣٧٨
وسار الجيش يطوي الوهاد والنجاد مسرعا إلى مكة حتى بلغ «مرّ الظهران» قريبا منها في العشاء، فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأوقدت النيران في معسكر يضمّ عشرة الاف، حتى أضاء منها الوادي، وأهل مكة في عماية من أمرهم، لا يدرون عن القضاء النازل بهم شيئا ... وعزّ على العباس أن تجتاح مكة في أعقاب قتال تتنافى فيه، ولا يغنيها فتيلا.
-
فخرج يبحث عن وسيلة تقنع قريشا بمسالمة النبي صلى الله عليه وسلم وتدخلها في أمانه.
-
وصادف ذلك أن ثلاثة من كبراء مكة خرجوا يتعرّفون الأخبار، ويتسمعون ما يقال، فلمّا اقتربوا من الوادي راعهم ما به.
ج ١ ص ٣٧٩قال أبو سفيان زعيم مكة: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا!!.
فقال بديل بن ورقاء: هذه- والله- خزاعة، حمشتها الحرب.
-
فردّ أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
-
وكان المسلمون على خطتهم المرسومة، يبثون العيون حولهم، حتى يأخذوا قريشا على غرّة، فلا ترى من التسليم بدّا، فعثرت خيالتهم على رجال قريش أولئك، ومعهم حكيم بن حزام، فأخذتهم، وعادت بهم مسرعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحق العباس بالأسرى وهو يعلن أنّهم في جواره، فلما دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم حادثهم عامّة الليل، فانشرحت صدورهم بالإسلام، وإن كان أبو سفيان قد تأخّر إسلامه حتى طلع الصبح ...
-
ثم سألوه الأمان لقريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق بابه فهو امن» «١» .
- (١)حديث صحيح، أخرجه ابن هشام: ٢/ ٢٦٨، عن ابن إسحاق معضلا؛ لكن وصله عند ابن جرير: ٢/ ٣٣٠- ٣٣٢، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحسين هذا ضعيف، لكن قال الهيثمي في (المجمع: ٦/ ١٦٥- ١٦٧) : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، فالظاهر أنّه عنده من غير هذا الطريق الضعيف؛ ورواه أبو داود: ٢/ ٤١، عن ابن إسحاق بإسناد اخر له عن ابن عباس وفيه رجل لم يسم، وله عنده إسناد ثالث ورجاله ثقات. لكن لم يصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ثم أخرجه هو ومسلم: ٥/ ١٧٢- ١٧٣، من حديث أبي هريرة، إلا أنه قال: «ومن ألقى السلاح فهو امن» ، بدل: «ومن دخل المسجد فهو امن» .
-
وإنما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحدا، ولا يكلّف جهدا، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستوثق من سير الأمور بعيدا عن الحرب والضرب، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وهو سيد مكة المتبوع، قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي، حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرّت القبائل على راياتها، كلّما مرت قبيلة قال: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: سليم! فيقول:
ما لي ولسليم؟ ثم تمرّ به القبيلة، فيقول: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: مزينة!
- ج ١ ص ٣٨٠
فيقول: ما لي ولمزينة؟! ... حتى نفذت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان؟. حتى مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال:
سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟.
قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار.
قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله با أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!!.
قال العباس: يا أبا سفيان، إنّها النبوة. قال: فنعم إذن «١» .
- (١)حديث صحيح، رواه ابن هشام: ٢/ ٢٦٨- ٢٦٩، عن ابن إسحاق بدون إسناد. لكن رواه عنه ابن جرير والطبراني موصولا عن ابن عباس كما تقدم انفا. وبعضه في صحيح البخاري: ٨/ ٤- ٦؛ وابن جرير: ٢/ ٣٣٢- ٣٣٣، عن عروة مرسلا فهو شاهد قوي.