[دعوة أبي سفيان إلى الاستسلام] :

٧ فقرات، ج ١ ص ٣٨٠

  1. ودخل أبو سفيان مكة مبهورا مذعورا، وهو يحسّ أنّ من ورائه إعصارا، إذا انطلق اجتاح ما أمامه، فما يقف دونه شيء، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيد رويدا رويدا، فاجتمعوا على سادتهم، ينتظرون الأوامر بالقتال، فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق عاليا واضحا: يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن، وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت إليه، وأخذت بشاربه تلويه وصاحت:

    اقتلوا الحميت الدسم الأحمش- أي هذا الزقّ المنتفخ- قبّحت من طليعة قوم.

    ج ١ ص ٣٨٠
  2. ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن.

    قالوا: قاتلك الله؟ وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

  3. وأصبحت (أم القرى) وقد قيّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون.

  4. على حين كان الجيش الزاحف يتقدّم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشّع لله، لقد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجمّ، حتى كاد عثنونه «١» يمسّ واسطة الرحل «٢» .

    1. (١)ما فضل من اللحية بعد العارضين. (ن) .
    2. (٢)ضعيف؛ رواه ابن هشام: ٢/ ٢٦٩، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر مرسلا. ووصله الحاكم: ٣/ ٤٧، وكذا أبو يعلى من حديث أنس بنحوه. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» ، وأقرّه الذهبي! وهو من أوهامهما؛ فإنّ في سنده عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ضعيف، كما قال ابن عدي، ثم ساق له هذا الحديث كما في الميزان، وهذا المقدمي غير عبد الله بن أبي بكر شيخ ابن إسحاق؛ فإن هذا متأخّر من طبقة الإمام أحمد؛ وذاك تابعي صغير، يروي عن أنس رضي الله عنه وهو ثقة.
    ج ١ ص ٣٨١
  5. إنّ الموكب الفخم المهيب الذي ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحفّ به ينتظر إشارة منه، فلا يبقى بمكة شيء امن، إنّ هذا الفتح المبين ليذكّره بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردا؟ وكيف يعود اليوم منصورا مؤيدا..! وأيّ كرامة عظمى حفّه الله بها في هذا الصباح الميمون! وكلّما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعا وانحناء ويبدو أنّ هناك عواطف أخرى كانت تجيش في بعض الصدور.

  6. فإنّ (سعد بن عبادة) زعيم الخزرج ذكر ما فعل أهل مكة، وما فرّطوا في جنب الله، ثم شعر بزمام القوة في يده فصاح: اليوم يوم الملحمة.. اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا.

  7. وبلغت هذه الكلمة مسامع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «بل اليوم يوم تعظّم فيه الكعبة «٣» . اليوم يوم أعزّ الله فيه قريشا» ، وأمر أن ينزع اللواء من سعد، ويدفع إلى ابنه مخافة أن تكون لسعد صولة في الناس.

    1. (٣)ضعيف، أخرجه البخاري وغيره من حديث عروة مرسلا؛ وقد سبق تخريجه قريبا؛ وأمّا باقي الحديث فقد رواه يحيى بن سعيد الأموي، كما في (شرح المواهب) للزرقاني: ٢/ ٣٠٦، ولم يتكلم على سنده بشيء ولا ساقه لينظر فيه؛ وقد أشار ابن كثير في (البداية: ٤/ ٢٩٥) ، لضعفه.