الغنائم:
١٩ فقرة، ج ١ ص ٣٩٢
- ج ١ ص ٣٩٢
وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنّى، يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيحرزوا ما فقدوا.
-
ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد «٢» .
- (٢)صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ٢٦- ٢٧.
-
فشرع يسكت المتطلّعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، وبدأ بقسمة المال، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي، بل أول من حظي بالأنصبة الجزلة.
-
أخذ (أبو سفيان) مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الفضة، فقال: وابني معاوية؟ فمنح مثلها لابنه معاوية، فقال: وابني يزيد؟ فمنح مثلها لابنه يزيد «٣» .
- (٣)ذكره ابن هشام: ٢/ ٣٠٨، نحوه عن ابن إسحاق بدون إسناد؛ ورواه ابن جرير: ٢/ ٢٥٨، عنه عن عبد الله بن أبي بكر مرسلا. وإعطاؤه صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة للمؤلفة قلوبهم ومنهم أبو سفيان ثابت في مسلم: ٣/ ١٠٨.
-
وأقبل رؤساء القبائل وأولو النّهمة يتسابقون إلى أخذ ما يمكن أخذه.
-
وشاع في الناس أنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
-
فازدحموا عليه يبغون المزيد من المال، وأكبّ عليه الأعراب، يقولون: يا رسول الله! اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه! فقال:
«أيّها الناس، ردّوا عليّ ردائي، فو الّذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسّمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» .
- ج ١ ص ٣٩٣
ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال:
«أيها الناس! والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «١» .
- (١)صحيح؛ رواه أحمد، رقم (٦٧٢٩) ، والبيهقي: ٦/ ٣٣٦- ٣٣٧، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو؛ والبخاري: ٦/ ١٩٣- ١٩٤، عن جبير بن مطعم إلى قوله: «كذابا» . والباقي عند الحاكم: ٣/ ٤٩، من حديث عبادة بن الصامت؛ وعند البيهقي: ٦/ ٣٣٩، من حديث عمرو بن عبسة.
-
إنّ أعين القوم تكاد تخرج من المحاجر تطلّعا إلى الدنيا.
-
وهؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء، ما أغنوا عن الإسلام شيئا في مازقه الأولى، بل كانوا هم العقاب الصلدة التي اعترضت مسيله، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الاخرة المؤثرين ما عند الله.
-
ولكنّهم اليوم- بعد ما أعلنوا إسلامهم- يبغون من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفتح عليهم خزائن الدنيا؛ فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئا لشخصه، ولو امتلك ملء هذه الأودية مالا لوزّعه عليهم.
-
والحق أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وسع بحلمه وكرمه مسالك بينة للطيش والجشع في سبيل تألف هؤلاء الناس، وتحبيبهم في الإسلام.
-
ولو عاقبهم على جبنهم في (حنين) لنال منهم أيّ منال.
-
روى الإمام أحمد «٢» أنّ (أبا طلحة) - وهو من فرسان المسلمين المعدودين- لقي زوجته (أمّ سليم) ومعها خنجر، فقال لها: ما هذا؟. قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج بطنه- وذلك في معركة حنين-، فقال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقالت أم سليم: يا رسول الله! أقتل من بعدها الطلقاء ... انهزموا بك! فقال: «إنّ الله قد كفى وأحسن يا أمّ سليم» .
- (٢)في المسند: ٣/ ١٩٠، وسنده صحيح على شرط مسلم.
-
والعجيب أنّ هؤلاء الذين فرّوا عند الفزع، هم الذين كفروا عند الطمع.
-
وشاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يلطف معهم، وينسى ماضيهم تكرما وتأليفا.
- ج ١ ص ٣٩٤
وماذا يصنع؟ إنّ في الدنيا أقواما كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظلّ تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها امنة! فكذلك هذه الأصناف من البشر، تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهشّ له.
-
عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء «١» .. إنّ هذا الأعرابي لا يعجبه المنطق الدقيق، ولا الطبع الرقيق، قدر ما يعجبه من عطاء يملأ جيوبه ويسكّن مطامعه.
- (١)صحيح، أخرجه مسلم: ٣/ ١٠٣؛ وكذا البخاري.
-
ومن هنا قال صفوان بن أمية: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليّ، حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه «٢» .
- (٢)رواه مسلم: ٧/ ٧٥؛ والترمذي: ٢/ ٢٤؛ وأحمد: ٣/ ٤٠١، عن سعيد بن المسيّب: أنّ صفوان بن أمية قال، كذا هو عند مسلم، وظاهره الانقطاع بين سعيد وصفوان؛ وعند أحمد والترمذي عن صفوان، وظاهره الاتصال، ولكنّ الترمذي رجح الأول، وأيده ابن العربي في العارضة فقال: «لأنّ سعيدا لم يسمع من صفوان شيئا» .