وجويرية بنت الحارث

٤٩ فقرة، ج ١ ص ٤٤٠

الصفحة ١ من ٢

  1. ، إنّ أباها زعيم بني المصطلق، وقد انتهت حربه مع المسلمين بهزيمة نكراء، وكادت قبيلته تهون وتذل عقب هذه الهزيمة، فواسى النبي صلى الله عليه وسلم القائد المهزوم، ثم أصهر إليه، حتى يشعر المسلمين بما ينبغي لأتباعه من كرامة ومعونة، وقد وقع ما أحبّه النبي صلى الله عليه وسلم، فعادت الحرية إلى القبيلة رجالا ونساء، إذ تحرج المسلمون أن يسيئوا إلى قوم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتهم.

    وقد يسبق إلى أذهان البعداء عن السيرة أنّ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخاصة قامت على التوسع في المطاعم والمشارب ... والمتاع الاخرى.

    ج ١ ص ٤٤٠
  2. والصورة التي قد ترتسم بادئ الأمر لرجل عنده نساء أنه مغمور بالسعادة المادية، يقوم بيته على الموائد الحافلة باللحوم والفواكه، ويرتوي من الأشربة التي تسري في أوصاله بالنشوة، ثم يتقلب يبن أحضان البيضاوات والشقراوات، ويصبح يستقبل الدنيا بعد ذلك خالي البال!!.

    ج ١ ص ٤٤١
  3. وقد تكون هذه الصورة مساوية أو مقاربة لما يدور في قصور الملوك، لكن حذار أن تسفّه نفسك فتحسب شية من هذا العيش الرخيّ في بيوت محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.

  4. انتقل على عجل إلى لون اخر من الحياة الخشنة؛ لترى فيه رجلا تعلقت همته بالحق واحده، فهو ينتعش بمعرفته، ويجتهد لجمع الناس عليه، وقرة عينه في خطوة تقربه من غايته شبرا، أما أهواء الدنيا فهي تحت قدميه ودبر أذنيه.

  5. إذا استطاعت قذائف المدافع على ظهر الأرض أن تبلغ النجوم البعيدة، ما استطاعت مغريات الحياة أن تقترب من قلب محمد الزكي النقي صلى الله عليه وسلم.

  6. ذاك إنسان اصطفته العناية؛ فهو يحلّق في مدى اخر يقول فيه: «ما لي وللدّنيا؟! إنّما أنا كرجل قال «١» تحت ظلّ الشّجرة ثمّ راح وتركها» «٢» .

    1. (١)قال: من القيلولة: وهي شدة حر الشمس في الظهيرة.
    2. (٢)صحيح، أخرجه الترمذي: ٣/ ٢٧٨؛ وصحّحه ابن ماجه: ٢/ ٥٢٥- ٥٢٦؛ والحاكم: ٤/ ٣١٠، وأحمد، رقم (٣٧٠٩، ٤٢٠٨) عن ابن مسعود، وله شاهد عن ابن عباس، رواه أحمد (٢٧٤٤) وإسناده حسن، وصحّحه الحاكم على شرط البخاري ومسلم؛ ووافقه الذهبي.
  7. يربط همم البشر بالمثل العليا، وما تصير إليه عند الله، فيقول: «موضع سوط في الجنّة خير من الدّنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» «٣» .

    1. (٣)صحيح أخرجه البخاري: ١١/ ١٩٤، بتمامه؛ ومسلم: ٦/ ٣٥، بالشطر الثاني عن سهل بن سعد.
  8. وحياته مع زوجاته نهج من الشظف لا يطيقه أحد.

  9. روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما أعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرقّقا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قطّ!!.

  10. وعن عائشة قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار!.

    فقال لها عروة بن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء.

    وقالت عائشة أيضا: «لقد توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي..» .

    ج ١ ص ٤٤٢
  11. أما الفراش الذي يأوي إليه هذا النبي صلى الله عليه وسلم فهو من أدم- جلد- حشوه ليف «١» يثوي فيه قليلا، فما أن يستدفئ به حتى يسمع الصارخ- الديك- فينهض متأهبا لصلاة الفجر.

    1. (١)صحيح، أخرجه البخاري: ١١/ ٢٤٥، عن عائشة أيضا.
  12. ولا نعني بهذا الوصف أنّ الإسلام يعاف الطّيبات، أو أن نبيّه يسنّ للناس تركها.

  13. كلا، فشريعة الإسلام في هذا بيّنة نيّرة، وإنّما نسرد الواقع من حياة رجل صدفت نفسه عما يقتتل الناس عليه، إنّ الرجل قد يترك لأولاده الصغار لعبة يفرحون بها ويختصمون عليها؛ لأنّ طبيعة رجولته في شغل عن عبث الصبية.

  14. إنّ بعض المخترعين والمفكرين يذهلون عن الطعام المهيأ لهم، لا ازدراء له، ولكن استغراقا فيما ملك عليهم مشاعرهم.

  15. وكأنّي أتخيل النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يرى سواد الناس يتفانون على الحطام الذاهب فيهز رأسه أسفا، ويقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «٢» .

    1. (٢)صحيح، أخرجه البخاري: ١١/ ٢٦٨، من حديث أبي هريرة وأنس.
  16. ثم يضرع إلى الله: «اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا» «٣» .

    1. (٣)صحيح، أخرجه البخاري: ١١/ ٢٤٦؛ ومسلم: ٨/ ٢١٧، واللفظ له من حديث أبي هريرة، وليس هو تمام الحديث الذي قبله كما قد يتبادر من عبارة المؤلف، بل كل من الحديثين مستقل عن الاخر، ولا يدرى المتقدم منهما من المتأخر.
  17. إنّ من الزراية بالعقل، والجور الفاحش على التاريخ، أن يجيء رجل من عرض الطريق، فيرى أو يقال له: إنّ محمدا كان لديه نسوة عديدات. فيظنّ المسكين أنّ ذلك دلالة استكثار من الشهوات وتشبّع من الدنيا.

  18. ولا يحسبنّ أحد هذا الاخشيشان فعل من لا يجد! وأنه لو فتحت إلى بيوت

    ج ١ ص ٤٤٣النبيّ صلى الله عليه وسلم نافذة تطلّ على بحبوحة الحياة الرغدة، لاستمتاع واكتنز، واستمتاع نسوته وابتهجن.

  19. لا، كان قادرا أن يحتجز من المال الذي يمر به ويحكم فيه ما يشاء، لو يشاء، لكنّ هذا النبي السمح صلى الله عليه وسلم كان فوق التطلع إلى اللذات الصغيرة؛ لأن عينيه ترمقان هدفا أسمى، ولو سيقت إليه خزائن الأرض لفكّر- قبل كلّ شيء- في إشباع نهمة الناس منها.

  20. عن أبي ذر: كنت أمشي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: «يا أبا ذر» ، قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: «ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد ذهبا، تمضي عليّ ثالثة وعندي منه دينار- إلا شيئا أرصده لدين- إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا» ، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه.

  21. ثم مشى فقال: «إنّ الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة، إلا من قال، هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم» «١» .

    1. (١)صحيح، أخرجه البخاري: ١١/ ٢٢٠- ٢٢٢؛ ومسلم: ٣/ ٧٥، عن أبي ذر.
  22. إنّ أشهى الطعام في فم الرجل الشبعان الممتلئ لا مذاق له، وقد كان هذا النبيّ صلى الله عليه وسلم شبعان القلب، فما يخفّ إليه غيره من زينة الدينا لا يحرّك منه شعرة، فلا غرو إذا بعثر ما يصل إليه على المحتاجين والمترقبين، أما هو فغناه في قلبه.

  23. ذاك أدب أخذه الله به من قديم، منذ قال له:

    وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) [طه] .

  24. غاية ما يبغيه هذا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينجو من ماسي الدنيا ومظالم البشر، فلا تستذله أو تستذل أهله فاقة!.

  25. إنّه يعيش على قاعدة: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» «٢» ، وفي حدود

    ج ١ ص ٤٤٤هذا القليل الكافي يودّ أن يخلص من عقابيل الخلق، لا له ولا عليه، ولذلك كان يدعو الله:

    «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، والقلّة والذّلّة، وأن أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ» «١» .

    1. (٢)هذا حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، فكان ينبغي التصريح بذلك، أخرجه أحمد: ٥/ ١٩٧، وكذا الطيالسي، رقم (٩٧٩) في حديث لأبي الدرداء. وسنده صحيح على شرط مسلم؛ وعزاه المنذري: ٢/ ٣٩، لابن حبان في صحيحه والحاكم؛ ورواه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري، وكذا الضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) ، والطبراني من حديث أبي أمامة.
    2. (١)صحيح، وهو مركب من حديثين: الأول: عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ... فذكره، دون قوله: «الفاقة» ، وقوله في اخره: «أو أجهل..» ، أخرجه هكذا أبو داود: ١/ ٢٤١؛ والنسائي: ٢/ ٣١٥؛ والحاكم: ١/ ٥٤١؛ وأحمد: ٢/ ٣٠٥، ٣٢٥، ٣٥٤؛ وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. والثاني: عن أم سلمة قالت: ما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: «اللهم إنّي أعوذ بك أن أضل أو أضلّ، أو أزلّ أو أزلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ» . رواه أبو داود: ٢/ ٣٢٨- ٣٢٩، وغيرهما، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ، ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وصحّحه الترمذي.
  26. ويقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتّقى والعافية والغنى» «٢» - الاستغناء-.

    1. (٢)صحيح بلفظ: «والعفاف» بدل «العافية» ، كذلك أخرجه مسلم: ٨/ ٨١؛ والترمذي: ٤/ ٢٥٦، وصحّحه؛ وابن ماجه: ٢/ ٤٣٠؛ وأحمد، رقم (٣٦٩٢، ٣٩٠٤، ٣٩٥٠) عن ابن مسعود.
  27. وهذا المنهج الصارم في المعيشة تقاضى نساءه أن يتحملن شدّة ما كنّ يعرفنها من قبل، لقد جئن إليه من بيوتات كبيرة.

  28. وأكثرهنّ اعتادت في صدر حياتها الزاد الطيب والنعمة الدافقة، إما مع ابائهن وإما مع رجالهن السابقين.

  29. فلا عجب إذا تململن من هذه الحياة الجديدة، وطلبن الرغد والنعومة، واجتمعن- على ما بينهنّ من خلاف- ليسألن الرسول صلى الله عليه وسلم مزيدا من النفقة!.

  30. إنهنّ في بيت أعظم رجل في العرب، فيجب أن تتكافأ معيشتهن مع مكانتهن، وقد تزعّم هذه المطالب عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وتبعهن الباقيات رضي الله عنهن!!.

  31. وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه المظاهرة! إنّه المسلم الأول على ظهر الأرض وأبصار المؤمنين والمؤمنات ترنو إليه من كلّ ناحية، وهو بصدد بناء أمة تشق طريقها وسط ألوف مؤلفة من الخصوم المتربصين.

  32. فإذا لم يعش بيته عيشة المجاهد المحصور، فكيف يواصل الكفاح، ويكلف الرجال والنساء من أمته أن يذهلوا عن كل شيء إلا السير بدينهم حتى يبلغ مأمنه؟!.

    ج ١ ص ٤٤٥
  33. لذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم الاستجابة لرغبات نسائه في توسيع النفقة، وكره منهنّ هذا التطلّع، فقرر مقاطعتهن، حتى شاع بين الناس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم طلّق نساءه جملة!.

  34. وفزع أبو بكر وعمر لهذه الإشاعة فابنة كليهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبا يستأذنان ليدخلا عليه، وليتعرفا جلية الخبر، فلمّا دخلا وجدا النبيّ صلى الله عليه وسلم صامتا، وحوله نساؤه واجمات!! وسأله عمر: أطلّقت نساءك يا رسول الله؟ قال: «لا» .

  35. إلا أنّ جوّ الحزن كان يخيّم على المكان، فقال عمر: لأكلمنّ رسول الله لعلّه يضحك.

    فقال: يا رسول الله! لو رأيت ابنة زيد- يعني زوجته- سألتني النفقة انفا فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه، وقال: «هنّ حولي يسألنني النفقة» . فقام أبو بكر إلى عائشة يؤدّبها، وقام عمر إلى حفصة.

  36. كلاهما يقول: تسألن النبيّ ما ليس عنده؟!.

  37. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الأبوين أن يصنعا ببنتيهما شيئا. وكانت نساؤه- نادمات- يقلن: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده.

  38. وهجرهنّ النبي صلى الله عليه وسلم شهرا، لا يتصل بهن، حتى يشعرن بما فعلن، ونزلت ايات التخيير من عند الله تطلب إليهنّ جميعا إمّا التجرّد للدار الاخرة مع رسول هذه طريقته في حياته، وإما اللحاق بأهلهنّ حيث الملابس الحسنة والماكل الدسمة.

  39. وكان هذا الدرس كافيا ليمحو اخر ما في أنفسهنّ من رغبة لم تتجاوز المباحات المشتهاة، فاخترن- جميعا- البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم على قاعدته العتيدة:

    «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» «١» ، وعشن معه للجهاد والتهجد، والبذل والمواساة، والتواضع والخدمة:

    يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ

    ج ١ ص ٤٤٦أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) [الأحزاب] «١» .

    فاثرن الله ورسوله والدار الاخرة ... وعشن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم معينات على الحق، راغبات في الثواب.

    1. (١)سبق تخريجه، ص ٤٤٣.
    2. (١)رواه مسلم: ٤/ ١٨٧؛ من حديث جابر، وهو والبخاري: ٨/ ٤٢٢، عن عائشة مختصرا.
  40. وبهذا التفاني في خدمة الرسالة، والإهمال لمطالب النفس، رفع الله درجاتهن فلم يصبحن زوجات رجل يطلبن في ظلّه المتاع، بل صرن شريكات في حياة فاضلة غالية، واستحققن قول الله عز وجلّ: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ... [الأحزاب: ٦] .