فاتحة الكتاب
٤٩ فقرة، ج ١ ص ٢٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٣
وهو حسبنا ونعم الوكيل "
-
قال الشيخ أبو الحسن، علي بن الحسين بن علي بن عبد الله الهذلي المسعودي رحمه الله ورضي عنه ".
-
نبتدئ بحمد الله وذكره وشكره، والثناء عليه والشكر له، والصلاة على أنبيائه ورسله وملائكته، ونخص سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى آله
وأزواجه وأصحابه، بأفضل صلواته، وأكمل تحياته، وأزكى بركاته.
-
ثم نذكر ما وقع إلينا من أسرار الطبائع، وأصناف الخلق، مما يكون ذلك (١) مشاكلا لقصدنا، ونصل ذلك بذكر ما يجب ذكره من ملوك
ج ١ ص ٢٤الأرض، وما عملوه من عجائب الأعمال، وشيدوه من عجائب البلدان (١) ووصفوه من الآلات المستطرفة والطلاسمات (٢) المستعملة، وما بنوا من هياكلهم، وأودعوه نواويسهم، وزبروه على أحجارهم.
-
على حسب ما نقل إلينا من ذلك.
-
ونبدأ بما جاء من الآثار الشرعية، والملة الحنيفية، ثم نذكر ما روي عن الحكماء الأول المتقدمين، وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
-
وقد سميت كتابي هذا بكتاب [تاريخ] (أخبار الزمان ومن (٣) أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر (٤) بالماء والعمران) فأنا أقول: " أما بعد " فان الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه من غير
ضرورة كانت منه إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت منه إلى إنشائهم.
-
بل خلقهم ليعبدوه، فيجود عليهم بنعمه ويحمدوه، فيزيدهم من فضله فيشكروه ويمجدوه.
-
كما قال عزوجل (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) فلم يزده خلقه إياهم وإيجادهم مثقال ذرة، ولم ينقصه إفناؤهم وإعدامهم وزن شعرة، لأنه سبحانه لا تغيره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا تتقاضى سلطانه الأيام والليال.
-
بل خصهم بأسماع وأبصار، وعقول وأفكار.
-
يصلون بها إلى الحق والباطل، فيعرفون بذلك المنافع والمضار.
-
وجعل لهم الأرض بساطاً، ليسلكوا منها سبلاً فجاجا، والسماء سقفاً محفوظاً.
-
أنزل منها الغيث المدرار، والأرزاق بمقدار، وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار.
-
يتعاقبان لمصالحهم دائبين.
-
وجعل لهم الليل سكنا،
ج ١ ص ٢٥والنهار معاشاً.
-
ومحا آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة.
-
ليصلوا (١) بذلك العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم.
-
من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وليعلموا عدد السنين والحساب، وحين تحل ديونهم، وتجب حقوقهم.
قال الله عزوجل وعلا: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق) إنعاماً منه وطولا، وإحساناً منه وفضلا.
-
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: " الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضت ستة آلاف ومئون من السنين، وليأتين عليها مئون ليس عليها موحد لله تعالى " .
-
وعن نافع عن ابن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما أجلكم في آجال من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس " .
-
وعن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بالسبابة والوسطى.
-
وفي حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان " .
-
وعن ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم " أول ما خلق الله القلم خلقه من نور طوله خمسمائة عام، وخلق اللوح المحفوظ من درة بيضاء، حافاته من ياقوت أحمر، عرضه مابين السماء والارض، خلقهما قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض.
-
فقال للقلم اكتب، قال وما اكتب؟ قال أكتب علمي
ج ١ ص ٢٦في خلقي الى يوم القيامة، فجرى القلم بما هو كائن الى يوم القيامة، وما هو في علم الله، ينظر الله تعالى في ذلك اللوح كل يوم ثلاثمائة نظرة وستين نظرة، فيخلق ويرزق ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ".
-
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض؟ قال " كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء ".
-
وسئل ابن عباس " على أي شئ كان الماء؟ قال: على متن الريح فلما أراد الباري جل جلاله أن يخلق الخلق سلط الريح العقيم على الماء فطفت أمواجه وارتفع زبده، وعلا دخانه، وصعد فوق الماء وسما عليه، فسماه الله سماء،
وجمد الزبد فصار أرضأً فجعل الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال (ن والقلم وما يسطرون) والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة، والصفاة على متن الريح، فتزلزلت الأرض فأمر الأمواج فأرست عليها جبالاً جامدة، فاستقرت وثبتت فذلك قوله عزوجل (وجعل فيها رواسي من فوقها) ، (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم) .
قال ابن عباس: اتت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ابتداء الخلق فقال (خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال وما فيها من المنافع يوم الثلاثاء وخلق الماء والشجر والمدائن والعمران يوم الأربعاء فذلك قوله جلت قدرته (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله سواء للسائلين) وخلق يوم الخميس السماء والكواكب والنجوم والملائكة) وخلق يوم الجمعة الجنة والنار، وآدم عليه السلام، قالوا: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت، لو أتممت وقلت ثم استراح.
- ج ١ ص ٢٧
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً فأنزل الله عليه (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون وفي رواية أسد بن موسى قال " أمر الله تبارك وتعالى السماء أن ترتفع وتسموا، وأمر الأرض أن تنبسط وتنخفض فانبسطت، فدحاها من موضع بيت الله الحرام " .
-
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدنيا موج مكفوف، ولولا ذلك لأحرقت الشمس والقمر الأرض ومن عليها " وبين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام،
وبين السماء السابعة والعرش مسيرة ألف عام.
-
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو الأول فلا شئ قبله، والآخر فلا شئ بعده " .
-
وعن زرارة بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " قلت لجبريل هل رأيت ربك قط؟ فانتفض، ثم قال يا محمد إن بيني وبينه سبعين (١) ألف حجاب من نور، لو دنوت الى واحد منها لا حترقت " ولما أراد الله عزوجل أن يخلق آدم أمر جبريل ان ينزل الى الأرض ويقبض (٢) القبضة التي خلقه منها، فقالت له الأرض أعوذ بالله منك أن تأخذ مني شيئاً، فرجع الى ربه، وقال يا رب تعوذَت بك مني.
-
فأرسل اسرافيل، فقال مثل ذلك، فارسل ملك الموت فتعوذَت بالله منه، فقال ملك الموت إن ربي أمرني وأنا أعوذ به أن أرجع اليه بغير ما أمرني به.
-
وروى بعض أهل الأثر أن أول ما أجرى الله الروح في آدم أجراه في رأسه وعينيه قبل سائر جسده، فلما رأى ثمار الجنة أراد النهوض اليها قبل أن تبلغ الروح الى رجليه فلم يستطع، فذلك قوله عزوجل (وكان الانسان
ج ١ ص ٢٨عجولا) فلما خلق الله آدم عجبت الملائكة منه فأمرهم بالسجود له كلهم، فسجدوا طاعة لله تعالى إلا إبليس فانه تكبر وامتلأ حسداً ومعصية، فغضب الله عليه ولعنه، وكان ذلك سببَ هبوطه الى الأرض وأما الحكماء المتقدمون (١) فانهم يقولون: إن الله تعالى جمع الدراري في الحمل فجعل الشمس ملكاً، وصير عطارد كالكاتب، والمشتري كالقاضي، والمريخ كالشرطي وكمن يحمل السلاح، والقمر كالخازن، والزهرة كالصاحبة،
وزحل كالشيخ المشاور، والجوزهر (٢) كالمقوم لأمر الفلك وذكرت الأوائل أنه كان في الأرض ثمان وعشرون أمة مخلوقة روحانية ذوات قوة وبطش، وصورمختلفات بحذاء الثمان (٣) والعشرين منزلة لكل منزلة، أمة مفردة ويزعمون أن الأمم الماضية، تعالى الله عن قولهم، إنما كان تدبيرها للكواكب الثابتة وهي ألف كوكب وعشرون كواكبا، يقطع كل كوكب منها البرج في ثلاثة آلاف سنة، وهي التي تعمل الأعمال كلها، وبها يكون جميع الأمور وقال بعض أهل الأثر: إن الله خلق الأفلاك من بخار وإنه لما صعد انعقد وهي سبعة أفلاك، وفوقها البيت المعمور، وله ثلاثمائة وستون بابا، جعلت درجا للفلك، وإن كل رحمة وبركة إنما تنزل من تلك الابواب، مقسومة على البروج والكواكب حتى تصير إلى الأرض.
-
وقالوا إن الله خلق هو ملء (٤) ملكه يسمى الروح، ومن فوقه الحجب وذلك كله داخل في الكرسي.
-
وهو قوله عزوجل (وسع كرسيه السموات
ج ١ ص ٢٩والارض) والكرسي وما حوى داخل في العرش، والعرش وما حوى داخل في علم الله، جلت عظمته.
-
وأعلا الدراري السبعة زحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر.
-
وزعم قوم من الحكماء الأوائل ان الكواكب ملائكة، وانه جعل لها من تدبير العالم ما لم يجعل لغيرها، فلذلك عظموها وعبدوها.
-
وزعم قوم منهم ان الخلق العالية الذين هم الملائكة (١) اثنا عشر صنفاً بحذاء البروج الاثني عشر، وأنهم يتوارثون، جعل الله فيمن شاء منهم حولا وقوة يقدر أحدهم أن يكون في صورة تملا الارض عظما، ويقدر احدهم أن يكون في صورة تدخل من خرق الابرة لطفاً، ويغوص في تخوم الأرض والبحار والجبال، لا يمنعه من ذلك مانع، ومنهم من له من الأجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قال الله عزوجل، يلتحقون اقطار الأرض كلمحة البصر ومنهم مخلوق من النور، ومنهم زرق من نور النار، ومنهم شعاعيون، ومنهم ملائكة الرحمة، ومنهم الحفظة والخزنة.
-
وهؤلاء مخلوقون من رطوبة الماء وهم حسان الوجوه سمر الالوان، ومنهم مشغولون بعبادة الله لا يعرفون غيرها، وهم في صور لا تحصى.
وقال اصحاب الطبيعة: ان الافلاك لما تم خلقها كانت كالاجسام (٢) لكواكبها وكانت الكواكب كالأرواح لها.
-
وقال هرمس لما خلق الله عزوجل البروج قسم لها دوامها في سلطانه، فجعل للحمل اثني عشر ألف سنة، وللثور احد عشر ألف سنة، وللجوزاء عشرة آلاف سنة، وللاسد ثمانية آلاف سنة، وللسنبلة سبعة آلاف سنة، وللميزان ستة آلاف سنة، وللعقرب خمسة آلاف سنة، وللقوس أربعة آلاف
ج ١ ص ٣٠سنة، وللجدي ثلاثة آلاف سنة، وللدلو ألفي سنة، وللحوت ألف سنة
، فصار للدور ثمانية وسبعون ألف سنة، والباقي لسائر الكواكب.
-
ولم يكن في عدد الحمل والثور والجوزاء حيوان، وذلك ثلاثة وثلاثون ألف سنة، ولا في الأرض عالم روحاني (١) .