باب: ما جاء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحبار اليهود وعن الرهبان من النصارى وعن الكهان من العرب على ألسنة الجان وعلى غير ألسنتهم، وما سمع من الهواتف ومن بعض الوحوش ومن بعض الأشجار، وطرد الشياطين من استراق السمع عند مبعثه بكثرة
٢٣٤ فقرة، ج ١ ص ٢٦٥
الصفحة ٣ من ٦
- ج ١ ص ٢٨٦
وفي كلام السهيلي أن عمر رضي الله تعالى عنه مازح سوادا رضي الله تعالى عنه فقال له: ما فعلت كهانتك يا سواد؟ فغضب وقال له سواد رضي الله تعالى عنه:
قد كنت أنا وأنت على شر من هذا من عبادة الأصنام وأكل الميتات، أفتعيرني بأمر قد تبت منه؟ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: اللهم غفرا فليتأمل والله أعلم. ثم قال لسواد: أخبرني ما نبأ رئيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
وفي رواية قال: يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال نعم يا أمير المؤمنين. بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان: إذ أتاني رئيي، فضربني برجله وقال:
قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من لؤي بن غالب يدعو إلى الله عز وجل وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذابها
ج ١ ص ٢٨٧فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قدماها كأذنابها
فقلت: دعني أنام فإني أمسيت ناعسا، فلما كانت الليلة الثانية أتاني، فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله عز وجل وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها
فقلت: دعني أنام فإني أمسيت ناعسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله عز وجل وإلى عبادته ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتحساسها ... وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خيّر الجن كأنحاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... وارم بعينيك إلى رأسها
فقمت فقلت: قد امتحن الله قلبي، فرحلت ناقتي ثم أتيت المدينة. وفي رواية: حتى أتيت مكة وهي كما قال البيهقي أقرب إلى الصحة من الأولى: أي لأن الجن إنما جاءت إليه صلى الله عليه وسلم للإيمان به في مكة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله.
-
وفي لفظ: والناس حوله. وفي لفظ: والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني قال:
مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك. قلت: يا رسول الله، قد قلت شعرا، فاسمع مقالتي يا رسول الله، فقال: هات فأنشأت: أي ابتدأت أقول:
أتاني نجيي بعد هدء ورقدة
وفي لفظ:
أتاني رئيي بعد ليل وهجعة ... ولم يك فيما قد تلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت من ذيل الإزار
وفي لفظ:
عن ساقي الإزار ... ووسطت بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا بن الأكرمين الأطايب
ج ١ ص ٢٨٨فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب
وفي رواية:
وكن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
قال: ففرح النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رئي الفرح في وجوههم: أي وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: أفلحت يا سواد، فرأيت عمر رضي الله تعالى عنه التزمه وقال: لقد كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك، فهل يأتيك رئيك اليوم؟ قال: منذ قرأت القرآن فلا، ونعم العوض كتاب الله تعالى من الجن: أي وهذا السياق يدل على أن سيدنا عمر لم يكن حاضرا عند النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره سواد.
-
ولما مات صلى الله عليه وسلم وخشي سواد على قومه الردة قام فيهم خطيبا فقال: يا معشر دوس، من سعادة القوم أن يتعظوا بغيرهم، ومن شقائهم أن لا يتعظوا إلا بأنفسهم.
-
وإنه من لم تنفعه التجارب ضربه، ومن لم يسعه الحق لم يسعه الباطل، وإنما تسلمون اليوم بما أسلمتم به أمس. ولا ينبغي لأهل البلاء إلا أن يكونوا أذكر من أهل العافية للعافية، ولست أدري لعله يكون للناس جولة، فإن لم تكن فالسلامة منها الأناة، والله يحبها فأحبوها، فأجابه القوم بالسمع والطاعة.
-
أي ومن ذلك أن امرأة كانت كاهنة بالمدينة يقال لها حطيمة، كان لها تابع من الجن فجاءها يوما فوقف على جدارها، فقالت له: ما لك لا تدخل تحدثنا ونحدثك؟
فقال: إنه قد بعث نبي بمكة يحرم الزنا، فحدثت بذلك، فكان أول خبر تحدث به بالمدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
وأما ما سمع من جوف الأصنام فكثير أيضا.
-
فمنها أي غير ما تقدم في ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم خبر عباس بن مرداس قال: كان لمرداس السلمي وثن يعبده يقال له ضمار بكسر الضاد المعجمة وميم مخففة بعدها ألف ثم راء مهملة، فلما حضرت مرداسا الوفاة قال للعباس ولده أي بني اعبد ضمارا فإنه ينفعك ويضرك، فبينا عباس يوما عند ضمار إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول:
من للقبائل من سليم كلها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتد
أودى ضمار وكان يعبد مدة ... قبل الكتاب إلى النبي محمد
ج ١ ص ٢٨٩فحرق عباس ضمارا ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ أن عباس بن مرداس كان في لقاح له نصف النهار، إذ طلع عليه راكب على نعامة بيضاء وعليه ثياب بيض فقال له: يا عباس ألم تر أن السماء قد تعب أحراسها، وأن الحرب قد حرقت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذي نزل عليه البر والتقوى صاحب الناقة القصواء؟ فقال عباس: فراعني ذلك، فجئت وثنا لنا يقال له الضمار كنا نعبده وتكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به، فإذا صائح يصيح من جوفه:
قل للقبائل من قريش كلها ... هلك الضمار وفاز أهل المسجد
هلك الضمار وكان يعبد مدة ... قبل الصلاة على النبي محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال عباس: فخرجت مع قومي بني حارثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فدخلت المسجد، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم وقال: يا عباس كيف إسلامك، فقصصت عليه القصة، فقال: صدقت، وأسلمت أنا وقومي.
-
ومن ذلك خبر مازن بن الغضوبة قال: كنت أسدن: أي أخدم صنما بقرية بعمان: أي بالتخفيف تدعى سمائل، وسمال يقال له بادر. وفي لفظ باحر بالحاء المهملة، فعترنا ذات يوم عنده عتيرة وهي الذبيحة مطلقا. وقيل في رجب خاصة.
-
فسمعنا صوتا من جوف الصنم يقول: يا مازن اسمع تسرّ ظهر خير وبطن شر، بعث نبي من مضر بدين الله الكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حرّ سقر. قال مازن:
ففزعت لذلك وقلت: إن هذا لعجب، ثم عترت بعد أيام عتيرة: أي ذبحت ذبيحة لذلك الصنم، فسمعت صوتا من الصنم يقول:
أقبل إليّ أقبل ... تسمع ما لا تجهل
هذا نبي مرسل ... جاء بحق منزل
آمن به كي تعدل ... عن حر نار تشعل
وقودها بالجندل
فقلت: إن هذا لعجب، وإنه لخير يراد بي.
-
أقول: ورأيت في بعض السير تقديم هذه الأبيات على ما قبلها، وأن مازنا قال: ثم سمعت صوتا أبين من الأول، وهو يقول: يا مازن اسمع إلى آخره، والله أعلم.
قال مازن: فبينا نحن كذلك، إذ قدم رجل من أهل الحجاز قلنا له: ما الخبر وراءك؟ قال: قد ظهر رجل يقال له أحمد، يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله، فقلت
ج ١ ص ٢٩٠هذا نبأ ما سمعته، فنزلت إلى الصنم فكسرته جذاذا، وركبت راحلتي وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح لي الإسلام وأسلمت، وقلت:
كسرت بادر أجذاذا وكان لنا ... ربا نطيف به ضلا بتضلال
بالهاشمي هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه شيئا على بالي
يا راكبا بلغن عمرا وإخوتها ... أني لما قال ربي بادر قالي
عني بعمرو وإخوتها بني خطامة، وهي بطن من طيئ، وهذه الأبيات ساقطة في «أسد الغابة» قال مازن. فقلت: يا رسول الله إني مولع بالطرب: أي مغرم به، وبشرب الخمر وبالهلوك: أي الفاجرة من النساء التي تتمايل وتتثنى عند جماعها:
وقيل الساقطة على الرجال أي لشدة شبقها، وألحت: أي دامت علينا سنون: أي أعوام القحط والجدب فذهبن بالأموال، وهزلن الذراري والعيال، وليس لي ولد فادع الله أن يذهب عني ما أجد، ويأتيني بالحيا، ويهب لي ولدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالخمر ريا لا إثم فيه، وبالعهر أي الزنا عفة الفرج، وأته بالحيا: أي المطر، وهب له ولدا، قال مازن فأذهب الله عني ما كنت أجده، وتعلمت شطر القرآن، وحججت حججا، وأخصبت عمان يعني قريته وما حولها من قرى عمان، وتزوّجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان: يعني ولده وأنشأت أقول:
إليك رسول الله حنت مطيتي ... تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا ... فيغفر لي ذنبي وأرجع بالفلج
- أي بالفوز والظفر بالمطلوب:
-
إلى معشر خالفت في الله دينهم ... ولا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي
أي بالشين والجيم: أي لا شكلهم شكلي، ولا طريقهم طريقي.
وكنت امرأ بالعهر والخمر مولعا ... شبابي حتى آذن الجسم بالنهج
أي البلاء.
فبدلني بالخمر خوفا وخشية ... وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي
فأصبحت همي في الجهاد ونيتي ... فلله ما صومي ولله ما حجي
قال مازن: فلما رجعت إلى قومي أنبوني: أي عنفوني، ولا موني وشتموني وأمروا شاعرهم فهجاني، فقلت: إن هجوتهم فإنما أهجو نفسي، وتنحيت عنهم وأتيت مسجدا أتعبد فيه، وكان لا يأتي هذا المسجد مظلوم فيتعبد فيه ثلاثا ويدعو على من ظلمه إلا استجيب له ولا دعا ذو عاهة من برص أو غيره إلا عوفي. ثم إن
ج ١ ص ٢٩١القوم ندموا وطلبوا مني الرجوع إليهم فأسلموا كلهم، وضعف هذا الحديث.
-
وأما ما سمع من أجواف الذبائح. فمنه ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: كنا يوما في حي من قريش يقال لهم آل ذريح بالحاء المهملة، وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه، إذ سمعنا صوتا من جوف العجل ولا نرى شيئا:
يا آل ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح. يشهد أن لا إله إلا الله: أي والمراد بالذريح: العجل الذي ذبح، لأنه ملطخ بالدم الأحمر، لقولهم: أحمر ذريحيّ: أي شديد الحمرة. والذي في البخاري يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله، والمراد بالجليح: العجل المذبوح أيضا، لأنه قد جلح:
أي كشف عنه جلده.
-
وأما ما سمع من الهواتف، ولم يجىء على ألسنة الكهان، ولا سمع من جوف الأصنام، ولا من جوف الذبائح فكثير. من ذلك ما حدّث به بعضهم وذكره النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، لقد رأيت من قس عجبا، خرجت أطلب بعيرا لي حتى إذا عسعس الليل: أي أدبر، وكاد الصبح أن يتنفس، هتف بي هاتف يقول:
يا أيها الراقد في الليل الأحم
أي بالحاء المهملة يعني الأسود
قد بعث الله نبيا بالحرم ... من هاشم أهل الوفاء والكرم
يجلو دجنات الليالي والبهم
أي الظلمات والأمور المشكلة، فأدرت طرفي فما رأيت شخصا فأنشأت أقول:
يا أيها الهاتف في داجي الظلم ... أهلا وسهلا بك من طيف ألمّ
بين هداك الله في لحن الكلم ... من ذا الذي تدعو إليه يغتنم
فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول: ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحبور: أي السرور، صاحب النجيب الأحمر: أي الكريم من الإبل، والتاج والمغفر، والوجه الأزهر: أي الأبيض المشرب بالحمرة، والحاجب: أي الجبين الأقمر: أي الأبيض، والطرف الأحور: أي شديد سواده، صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله، فذاك محمد المبعوث إلى الأسود والأحمر، أهل المدر والوبر: أي العجم والعرب، ثم أنشأ يقول:
الحمد لله الذي ... لم يخلق الخلق عبث
أرسل فينا أحمدا ... خير نبي قد بعث
صلى عليه الله ما ... حج له ركب وحث
- وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:
-
وتغنت بمدحه الجن حتى ... أطرب الإنس منه ذاك الغناء
أي أظهرت الجن أوصافه صلى الله عليه وسلم الجميلة في صورة الغناء الذي تألفه النفس، ولا تصبر منها عند سماعه، فتسمع لغيره، حتى أطرب الإنس ذاك الغناء: الذي سمعوه من الجن، قال: فلاح الصباح، وإذا بالفنيق يشقشق. والفنيق: بفتح الفاء وكسر النون وسكون المثناة تحت ثم قاف: الفحل الكريم من الإبل، ويشقشق بشينين معجمتين وقافين: أي يهدر إلى النوق، فملكت خطامه، وعلوت سنامه، حتى إذا لغب بالغين المعجمة والموحدة: أي تعب، فنزل في روضة خضراء؟ فإذا أنا بقسّ بن ساعدة في ظل شجرة وبيده قضيب من أراك ينكت به الأرض. والنكت بالمثناة، وهو يقول:
يا ناعي الموت والملحود في جدث ... عليهم من بقايا بزهم خرق
أي (القبر) ، أي (والبز الثياب)
دعهم فإن لهم يوما يصاح به ... فهم إذا انتبهوا من نومهم فرقوا
(أي خافوا)
حتى يعودوا بحال غير حالهم ... خلقا جديدا كما من قبله خلقوا
منهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها المنهج الخلق
والمنهج من الثياب: الذي أخذ في البلى، قال: فدنوت منه، فسلمت عليه فرد عليّ السلام، فإذا بعين خرارة: أي لمائها خرير: أي صوت في الأرض، خوارة: أي ضعيفة، ومسجد بين قبرين وأسدين عظيمين يلوذان به، وإذا بأحدهما قد سبق الآخر إلى الماء فتبعه الآخر يطلب الماء، فضربه بالقضيب الذي في يده وقال: ارجع، ثكلتك أمك: أي فقدتك حتى يشرب الذي قبلك فرجع، ثم ورد بعده، فقلت له: ما هذان القبران؟ قال: هذان قبرا أخوين كانا لي يعبدان الله عز وجل معي في هذا المكان لا يشركان بالله شيئا: أي اسم أحدهما سمعون والآخر سمعان، فأدركهما الموت فقبرتهما، وها أنا بين قبريهما حتى ألحق بهما، ثم نظر إليهما وأنشد أبياتا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله قسا، إني أرجو أن يبعثه الله أمة وحده: أي واحدا يقوم مقام جماعة كما تقدم، وقد أشار إلى ذلك صاحب الأصل بقوله:
وعنه أخبر قس قومه فلقد ... حلى مسامعهم من ذكره شنفا
ولما مات قس قبر عندهما، وتلك القبور الثلاثة بقرية يقال لها روحين، من أعمال حلب، وعليها بناء والناس يزورونهم، وعليهم وقف ولهم خدام.
- ج ١ ص ٢٩٣
ومن ذلك ما ذكره الواقدي بإسناد له قال: كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا، وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم، فبينا الخثعميون عند صنم لهم إذ سمعوا هاتفا يهتف ويقول:
يا أيها الناس ذوو الأجسام ... ومسند والحكم إلى الأصنام
أما ترون ما أرى أمامي ... من ساطع يجلو دجى الظلام
ذاك نبي سيد الأنام ... من هاشم في ذروة السنام
مستعلن بالبلد الحرام ... جاء يهدّ الكفر بالإسلام
أكرمه الرحمن من إمام
قال أبو هريرة: فأمسكوا ساعة حتى حفظوا ذلك ثم تفرقوا، فلم يمض بهم ثالثهم حتى فجأهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد ظهر بمكة، أي جاءهم ذلك بغتة، فما أسلم الخثعميون حتى استأخر إسلامهم ورأوا عبرا عند أصنامهم.
-
وأما خبر زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة، وهي قبيلة من اليمن صنم يقال له خمام بالخاء المعجمة المضمومة وتخفيف الميم وكانوا يعظمونه، وكان في بني هند بن حرام بالحاء المهملة المفتوحة والراء، وكان سادنه: أي خادمه رجلا يقال له طارق، قال في النور: لا أعلم له ترجمة ولا إسلاما، وكانوا يعترون، أي يذبحون الذبائح عنده، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم سمعنا صوتا يقول: يا بني هند بن حرام، ظهر الحق وأودى خمام، أي هلك، ورفع الشرك الإسلام. قال زمل: ففزعنا لذلك، وهالنا أي أفزعنا فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صدعة بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، فوقع الصنم لوجهه.
-
فإن كان ذلك الصوت من جوف الصنم ويرشد إليه قوله: هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، فهو من غير هذا النوع، وإن لم يكن فهو من هذا النوع. قال زمل:
فابتعت أي اشتريت راحلة، ورحلت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومي وأنشدته:
إليك رسول الله أعلمت نصها
النص: هو الغاية في السير.
-
أكلفها حزنا وقوزا من الرمل
والحزن ما ارتفع من الأرض، والقوز بالقاف والزاي: التل الصغير.
-
لأنصر خير الناس نصرا موزرا
(أي قويا) .
- ج ١ ص ٢٩٤
وأعقد حبلا من حبالك في حبلى
والحبل العهد والميثاق.
-
وأشهد أن الله لا شيء غيره
أدين له (أي أخضع وأضيع)
-
ما أثقلت قدمي نعلي
ومن هذا النوع خبر تميم الداري: أي ويكنى أبا رقية اسم ابنة له لم يولد له غيرها روى عنه صلى الله عليه وسلم قصة الجساسة مع الدجال على المنبر، فقال: حدثني تميم الداري، وذكر القصة، قال بعضهم: وهذا أولى ما يخرّجه المحدثون في رواية الكبار عن الصغار.
-
وقد يكون من ذلك ما ذكر أبا بكر رضي الله تعالى عنه مر يوما على ابنته عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء؟ فقالت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء كان يعلمناه، وذكر أن عيسى ابن مريم كان يعلمه أصحابه ويقول: لو كان أحدكم جبل دين ذهبا قضاه الله عنه، قال نعم يقول: «اللهم فارج الهم، كاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمني، فارحمني برحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: «كان عليّ دين وكنت له كارها فقلته، فلم ألبث إلا يسيرا حتى قضيته» .
قال تميم الداري رضي الله تعالى عنه: كنت بالشام حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى بعض حاجاتي فأدركني الليل، فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي، فلما أخذت مضجعي إذا مناد ينادي لا أراه، عذ بالله، فإن الجن لا تجير أحدا على الله، فقلت أيم تقوله؟ وأيم بتشديد الياء وبإسكانها وفتح الميم فيهما: أي أيما شيء تقول؟ فقال: «قد خرج رسول الأميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا خلفه بالحجون: أي وهو مقبرة مكة التي يقال لها المعلاة كما تقدم وأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن، ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأسلم، فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، فسألت راهبة وأخبرته، فقال: صدقوك نجده يخرج من الحرم أي مكة، ومهاجره الحرم: أي المدينة، وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه، قال تميم: فطلبت الشخوص:
أي الذهاب حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت.
-
أقول: وهذا يدل ظاهرا على أن تميما الداري أسلم بمكة قبل الهجرة، فهو مما الكلام فيه، بل رأيت في تتمة الخبر: فسرت إلى مكة، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان مستخفيا فآمنت به.
-
ورأيت بعضهم قال: وهذه الرواية غلط، لأن تميما الداري إنما أسلم سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.
ج ١ ص ٢٩٥قال: ومن ذلك ما حدّث به سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه أن رجلا من بني تميم حدث عن بدء إسلامه قال: إني لأسير برمل عالج ذات ليلة، إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي، وأنختها ونمت وتعوذت قبل نومي، فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي عن الجن، فرأيت في منامي رجلا بيده حربة يريد أن يضعها في نحر ناقتي، فانتبهت فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت: هذا حلم، ثم عدت فتعوذت، فرأيت مثل ذلك وإذا بناقتي ترعد. ثم غفوت، فرأيت مثل ذلك، فانتبهت، فرأيت ناقتي تضطرب، فالتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في منامي بيده حربة ورجل شيخ يمسك بيده يرده عن ناقتي، وبينهما نزاع.
-
فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش، فقال الشيخ للفتى: قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الإنسي، فقام الفتى وأخذ منها ثورا وانصرف، ثم التفت إلى الشيخ وقال: يا فتى إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله، فقل: أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي، ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها، فقلت له: ومن محمد؟ قال: نبي عربي لا شرقي ولا غربي، فقلت: أين مسكنه؟ قال:
يثرب ذات النخل، فركبت ناقتي، وحثثت السير حتى أتيت المدينة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثني قبل أن أذكر له منه شيئا، ودعاني إلى الإسلام فأسلمت، وهذا السياق يدل على أن هذه القصة بعد الهجرة لا عند المبعث الذي الكلام فيه.
-
ونظير هذا ما حدث به بعض الصحابة قال: خرجت في طلب إبل لي وكنا إذا نزلنا بواد قلنا نعوذ بعزيز هذا الوادي، فتوسدت ناقتي، وقلت: أعوذ بعزيز هذا الوادي فإذا هاتف يهتف بي ويقول:
ويحك عذ بالله ذي الجلال ... منزل الحرام والحلال
ووحد الله ولا تبال ... ما كيد ذي الجن من الأهوال
إذ يذكر الله على الأحوال ... وفي سهول الأرض والجبال
وصار كيد الجن في سفال ... إلا النبي وصالح الأعمال
فقلت له:
يا أيها القائل ما تقول ... أرشد عندك أم تضليل
فقال:
هذا رسول الله ذو الخيرات ... جاء بيس وحاميمات
وسور بعد مفصلات ... يأمر بالصلاة والزكاة
ويزجر الأقوام عن هنات ... قد كنّ في الإسلام منكرات
ج ١ ص ٢٩٦فقلت: أما لو كان لي من يؤدي إبلي هذه إلى أهلي لأتيته حتى أسلم فقال: أنا أؤديها فركبت بعيرا منها ثم قدمت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر. وفي رواية: فوافيت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة، فإني أنيخ راحلتي، إذ خرج إلى أبو ذر فقال لي: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل، فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الرجل. وفي لفظ: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدي إبلك، أما إنه قد أداها سالمة، وقد قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما كان عليه الناس قبل بعثته، من أن الإنسان إذا نزل منزلا مخوفا قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه بقوله سبحانه وتعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ [الجنّ: الآية ٦] أي يستعيذون برجال (من الجن) أي حين ينزلون في أسفارهم بمكان مخوف يقول كل رجل أعوذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه فَزادُوهُمْ رَهَقاً [الجنّ: الآية ٦] أي زادوا الجن: أي ساداتهم باستعاذتهم بهم طغيانا، فيقولون: سدنا الإنس والجن.
-
أي ومن ذلك ما حكاه وائل بن حجر الحضرمي، ويكنى أبا هنيدة، كان قيلا من أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم. قال: «وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بشر أصحابه بقدومي، فقال: يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الله عز وجل وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك. قال وائل فما لقيني أحد من الصحابة إلا قال: بشرنا بك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومك بثلاث، فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم رحب بي وأدناني من نفسه وقرب مجلسي وبسط لي رداءه فأجلسني عليه وقال: اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده، ثم صعد المنبر وأقامني بين يديه ثم قال: أيها الناس هذا وائل بن حجر أتاكم من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الإسلام فقلت: يا رسول الله بلغني ظهورك وأنا في ملك عظيم، فمن الله على أن رفضت ذلك كله، وآثرت دين الله قال صدقت، اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده» .
قال: وسبب وفودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لي صنم من العقيق فبينما أنا نائم في الظهيرة إذا سمعت صوتا منكرا من المخدع الذي به الصنم فأتيت الصنم وسجدت بين يديه، وإذا قائل يقول:
وا عجبا لوائل بن حجر ... يخال يدري وهو ليس يدري
ماذا يرجي من نحيت صخر ... ليس بذي نفع ولا ذي ضر
لو كان ذا حجر أطاع أمري
قال: فقلت: أسمعت أيها الهاتف الناصح، فماذا تأمرني؟ فقال:
ارحل إلى يثرب ذات النخل ... تدين دين الصائم المصلي
ج ١ ص ٢٩٧محمد النبي خير الرسل
ثم خر الصنم لوجهه، فاندقت عنقه فقمت إليه فجعلته رفاتا، ثم سرت مسرعا، حتى أتيت المدينة فدخلت المسجد الحديث.
-
وفيه أنه إن كان الصوت من جوف الصنم فهو من غير هذا النوع. ولوائل هذا حديث مع معاوية تركناه لطوله.
-
وأما ما سمع من بعض الوحوش، فمنه ما حدث به أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «بينا راع يرعى بالجزيرة إذ عرض الذئب لشاة من شياهه فحال الراعي بين الذئب وبين الشاة فأقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقي الله تحول بيني وبين رزق ساقه الله إليّ؟ فقال الراعي أعجب من ذئب يكلمني بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب مني؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحرتين» .
-
وفي رواية بيثرب يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، وفي لفظ: يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، فساق الراعي شياهه فأتى المدينة فغدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه بما قال الذئب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الراعي، إن من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم الرجل شراك نعله أي وهو أحد سيورها الذي يكون على وجهها كما تقدم، وعذبة سوطه، أي طرفه وقيل أحد سيوره، ويخبره بما فعل أهله» أي وفي لفظ «فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابي: أخبرهم فأخبرهم» .
-
وفي رواية أن راعي الغنم كان يهوديا. وفي رواية أن الذئب قال له أنت أعجب مني واقفا على غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله قط أعظم منه قدرا وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها وأصحابه ينظرون قتالهم، وما بينك وبينه إلا هذا الشعب، فتصير في جنود الله تعالى، فقال له الراعي: من لي بغنمي، فقال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم إليه غنمه ومضى إليه صلى الله عليه وسلم، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عد إلى غنمك تجدها بوفرها فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها» وفيه أن هذا وما تقدم من خبر سعيد بن جبير كما علمت بعد الهجرة لا عند المبعث الذي الكلام فيه.
-
قال في النور هذا الراعي لا أعرف اسمه. قال وكلم الذئب غير واحد، فانظرهم في تعليقي على البخاري.
-
أقول: ذكر في حياة الحيوان عن ابن عبد البر: كلم الذئب من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثلاثة: رافع بن عميرة، وسلمة بن الأكوع، ووهبان بن أوس.
-
وأما ما سمع من بعض الأشجار، فقد روي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: هل رأيت قبل الإسلام شيئا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم، بينا أنا
ج ١ ص ٢٩٨قاعد في ظل شجرة في الجاهلية، إذ تدلى علي غصن من أغصانها حتى صار على رأسي فجعلت أنظر إليه وأقول: ما هذا؟ فسمعت صوتا من الشجرة: هذا النبي يخرج في وقت كذا وكذا فكن أنت من أسعد الناس به، والله أعلم.
-
وأما تساقط النجوم، وطرد الجن بها عن استراق السمع. فقد قال ابن إسحق لما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد فيها فرموا بالنجوم فعرف الجن أن ذلك لأمر حدث من الله في العباد، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين بعثه يقص عليه خبرهم إذ حجبوا وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [الجنّ: الآية ٨] أي طلبنا استراق السمع منها فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً [الجنّ: الآية ٨] أي ملائكة أقوياء يمنعون عنها وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ [الجنّ: الآية ٩] لخلوها عن الحرس والشهب فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الجنّ:
الآية ٩] أي أرصد له ليرمي به، أي ومن يخطف الخطفة منهم بخفة حركته يتبعه شهاب ثاقب يقتله: أي أو يحرق وجهه أو يخبله قبل أن يلقيها إلى الكاهن، وذلك لئلا يلتبس أمر الوحي بشيء من خبر الشياطين مدة نزوله وبعد انقضائه وموته صلى الله عليه وسلم، لئلا تدخل الشبهة على ضعفاء العقول، فربما توهموا عود الكهانة التي سببها استراق السمع، وأن أمر رسالته صلى الله عليه وسلم تم فاقتضت الحكمة حراسة السماء في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد موته، ومن ثم قال «لا كهانة بعد اليوم» .
-
وقد حدث بعضهم قال: إن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها ثقيف، وإنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية، وكان أدهى العرب، وأنكرها رأيا: أي أدهاها رأيا، وكان ضريرا، وكان يخبرهم بالحوادث فقالوا له: يا عمرو ألم تر: أي تعلم ما حدث في السماء من الرمي بهذه النجوم، فقال: بلى فانظروا فإن كانت معالم النجوم أي النجوم المشهورة التي يهتدي بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء هي التي يرمي بها فهو والله طي هذه الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهو لأمر أراد الله بهذا الخلق: أي والنوء بالنون والهمز هنا: ما يحصل عند سقوط نجم في المغرب وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما. وحقيقة النوء سقوط النجم وطلوع رقيبه في المدة المذكورة.