باب: ما جاء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحبار اليهود وعن الرهبان من النصارى وعن الكهان من العرب على ألسنة الجان وعلى غير ألسنتهم، وما سمع من الهواتف ومن بعض الوحوش ومن بعض الأشجار، وطرد الشياطين من استراق السمع عند مبعثه بكثرة

٢٣٤ فقرة، ج ١ ص ٢٦٥

الصفحة ٤ من ٦

  1. وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع منها، فتقول: مطرنا بنوء كذا، وسيأتي الكلام على ذلك في غزوة الحديبية.

    ج ١ ص ٢٩٨
  2. وفي لفظ: فأمر أراد الله ونبي يبعث في العرب فقد تحدث بذلك. لا يقال: قد رجمت الشياطين بالنجوم قبل ذلك، وذلك عند مولده صلى الله عليه وسلم. لأنا نقول: المراد رجمت الآن بأكثر مما كان قبل ذلك، أو صارت تصيب ولا تخطئ.

  3. ومن ثم حدث بعضهم، قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أي قرب زمن بعثه رجمت الشياطين بنجوم لم تكن ترجم بها قبل، فأتوا عبد يا ليل بن عمرو وهو بمثناتين تحتيتين وكسر اللام الأولى الثقفي وكان أعمى فقالوا: إن الناس قد فزعوا وقد أعتقوا رقيقهم وسيبوا أنعامهم، فقال لهم: لا تعجلوا وانظروا، فإن كانت النجوم التي تعرف أي وهي التي يهتدى بها في البر والبحر، وتعرف بها الأنواء فهي عند فناء الناس، وإن كانت لا تعرف فهي من حديث، فنظروا فإذا نجوم لا تعرف، فقالوا: هذا من حدث.

    ج ١ ص ٢٩٩
  4. أي وقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما يوعدون، وأنا آمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون، فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم» .

  5. وفي لفظ: فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب فقال:

    ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل.

  6. وهذا قد يخالف ما يأتي عن ابن عمر «لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من خبر السماء بالشهب» ولا مانع من تكرر سؤال ثقيف مرة لعمرو ابن أمية ومرة لعبد يا ليل بن عمرو، وأن كلا منهما كان أعمى. ويحتمل اتحاد الواقعة.

  7. ووقع الاختلاف في اسم الذي سألوه، فسماء بعضهم عمرو بن أمية، وبعضهم سماه عبد يا ليل بن عمرو، وهذا كما ترى إنما كان عند المبعث، وبه يعلم ما في قول الماوردي الذي نقله عن شيخ بعض شيوخنا النجم الغيطي في معراجه وأقره.

  8. وسببه أي رمي النجوم أن الله تعالى لما أراد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم رسولا كثر انقضاض الكواكب قبل مولده، ففزع أكثر العرب منها، وفزعوا إلى كاهن لهم ضرير وكان يخبرهم بالحوادث فسألوه عنها، فقال: انظروا البروج الاثني عشر، فإن انقض منها شيء فهو ذهاب الدنيا، وإن لم ينقض منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم، فإنه يقتضي أن المراد ببعثه ولادته فكان يتعين إسقاط قوله قبل مولده، لما علمت أن هذا: أي كثرة تساقط النجوم إنما كان عند بعثه ونبوته لا عند ولادته. ومنه خبر أبي لهب أو لهيب بن مالك أي من بني لهب، فإن بني لهب فزعوا لفزع ثقيف. قال: «حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبي وأمي، نحن أول من عرف حراسة السماء ومنع الجن من استراق السمع، وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن يقال له خطر بالخاء المعجمة والطاء المهملة والراء ابن مالك قال في النور: لا أعرف له ترجمة ولا إسلاما، وكان

    ج ١ ص ٣٠٠شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة، وكان من أعلم كهاننا، فقلنا له يا خطر هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها؟ فإنا قد فزعنا لها وخفنا سوء عاقبتها، فقال ائتوني بسحر أي قبيل الفجر أخبركم الخبر الخير، أم ضرر أم لأمن أو حذر. قال. فانصرفنا عنه يومنا فلما كان من الغد في وجه السحر أتيناه، فإذا هو قائم على قدميه شاخص في السماء بعينيه، فناديناه: يا خطر يا خطر، فأومأ إلينا أن أمسكوا فأمسكنا فانقض نجم عظيم من السماء وصرخ الكاهن رافعا صوته أصابه أصابه، جمع وصب كجمل وجمال، فالهمزة بدل من الواو، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، زايله جوابه: أي زال عنه جوابه، يا ويله ما حاله، بلبله بلباله، البلبال الغم، عاوده خباله، تقطعت حباله، وغيرت أحواله، ثم أمسك طويلا، ثم قال: يا معشر بني قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسم بالكعبة والأركان، والبلد المؤتمن السدان أي الخدام، قد منع السمع عتاة الجان، بثاقب يكون ذا سلطان، من أجل مبعوث عظيم الشأن، يبعث بالتنزيل والفرقان، وبالهدى وفاضل القرآن، تبطل به عبادة الأوثان، قال فقلنا له: ويلك يا خطر إنك لتذكر أمرا عظيما، فماذا ترى لقومك؟ فقال:

    أرى لقومي ما أرى لنفسي ... أن يتبعوا خير نبي الإنس

    برهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث في مكة دار الحمس

    بمحكم التنزيل غير اللبس

    والحمس بضم الحاء المهملة وإسكان الميم والسين المهملة: هم قريش وما ولدت من غيرها فإنهم كانوا لا يزوجون بناتهم لأحد من أشراف العرب إلا على شرط أن يتحمس أولادهم، فإن قريشا من بين قبائل العرب دانوا بالتحمس، ولذلك تركوا الغزو، لما في ذلك من استحلال الأموال والفروج ومالوا للتجارة، ومن ثم يقال: قريش الحمس، سموا بذلك لتشددهم في دينهم، لأن الحماسة هي الشدة، فقلنا له: يا خطر ومن هو؟ فقال والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حكمه طيش. أي عدول عن الحق، من قولهم طاش السهم عن الهدف: إذا عدل عنه، ولا في خلقه هيش. أي ليس في طبيعته وسجيته قول قبيح، يكون في جيش، وأي جيش، من آل قحطان، وآل أيش، وآل قحطان هم الأنصار، قال صلى الله عليه وسلم: «رحى الإيمان دائرة في ولد قحطان» وآل أيش قبيلة من الجن المؤمنين، ينسبون إلى أبيهم أيش، شخص من كبير الجن. وقيل أراد بهم المهاجرين. أي ومن المهاجرين الذي يقال فيهم أيش، لأنه يقال في مقام المدح فلان أيش على معنى أي شيء هو؟ أي شيء عظيم لا يمكن أن يعبر عن عظمته وجلالته. وروي بدل أيش ريش. فقلنا له بين لنا من أي قريش؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، يعني الكعبة، والركن يعني الحجر

    ج ١ ص ٣٠١الأسود والأحائم، يعني بئر زمزم لأن الأحائم جمع أحوام والأحوام جمع أحوم وهو الماء في البئر؟ وأراد بئر زمزم أو أن الأصل الحوائم، ففيه قلب مكاني الأصل فواعل فصار أفاعل، والحوائم: هي الطير التي تحوم على الماء، والمراد حمام مكة لهو نجل أي نسل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم يعني الحروب وقتل كل ظالم، ثم قال هذا هو البيان: أخبرني به رئيس الجان، ثم قال الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر، ثم سكن وأغمي عليه فما أفاق إلا بعد ثلاثة أيام، فقال لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله لقد نطق عن مثل نبوة» أي وحي وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده: أي مقام جماعة كما تقدم في نظيره.

    قال: ومن ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن نفر من الأنصار قالوا: «بينا نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية؟» أي قبل البعث قالوا: يا رسول الله كنا نقول إذا رأينا يرمى بها: مات ملك ولد مولود، مات مولود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك كذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعته حملة العرش فسبحوا فسبح من تحتهم بتسبيحهم فسبح من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا، ثم يقول بعضهم لبعض لم سبحتم؟ فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا له الأمر الذي كان» أي يكون في الأرض «فيهبط به من سماء إلى سماء» أي تقوله أهل كل سماء لمن يليهم «حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاس، ثم يأتون به إلى الكهان، فيحدثونهم فيخطئون بعضا ويصيبون بعضا» .

  9. أي وفي البخاري «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

    قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه» الحديث. وقولهم قال الحق:

    أي ثم يذكرونه، لما تقدم من قولهم قضى الله في خلقه كذا وكذا، ولما يأتي.

  10. وقوله صلى الله عليه وسلم، يرمى بها في الجاهلية صريح في أنه كان يرمى بالنجوم للحراسة في زمن الفترة بينه صلى الله عليه وسلم وبين عيسى عليه الصلاة والسلام قبل مولده صلى الله عليه وسلم. ويخالفه ما يأتي عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه «وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الكهان؟ فقال: إنهم ليسوا بشيء، فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بالشيء يكون حقا، قال: تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة» ثم إنّ الله تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة.

  11. أي وفي البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة تتحدث في العنان- أي الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن، فيزيدونها مائة كذبة» .

    ج ١ ص ٣٠٢
  12. وعن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه «لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بها، فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فزعوا لعبد يا ليل» الحديث.

  13. أقول: وهذا يفيد أنه لم يرم بها قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: أي قبل قربه الشامل لزمن الولادة، فلا يخالف ما تقدم، وأن النجوم كان يرمى بها قبل أن يرفع عيسى عليه الصلاة والسلام وذلك صادق بزمن آدم فمن بعده من الرسل، وهو الموافق لقول الزهري: الحجب وتساقط النجوم كان موجودا قبل البعث في سالف الأزمان: أي في زمن الرسل لا في زمن الفترات بين الرسل، لقول الكشاف: وقول بعضهم: ظاهر الأخبار يدل على أن الرجم للشياطين بالشهب كان في زمن غيره صلى الله عليه وسلم من الرسل وهو كذلك، وعليه أكثر المفسرين- حراسة لما ينزل من الوحي على الرسل. وأما في الزمن الذي ليس فيه رسول: أي وهو زمن الفترات بين الرسل، فكانوا يسترقون السمع في مقاعد لهم، ويلقون ما يسمعون للكهان: أي لأن الله تعالى ذكر فائدتين في خلق النجوم، فقال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: الآية ٥] وقال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) [الصافات: ٦ و ٧] وكونها إنما جعلت رجوما وحفظا ليس إلا عند قرب مبعثه صلى الله عليه وسلم، خاصة دون بقية الرسل من أبعد البعيد.

  14. وحيث كان الغرض من الرمي بالنجوم منع الشياطين من استراق السمع اقتضى ذلك أنه لم يرم بها قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم، ومنه زمن ولادته.

  15. ويوافق ذلك قول ابن إسحق: لما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين، وقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من خبر السماء، رموا بالشهب فذكروا ذلك لإبليس، فقال: بعث أي لعله بعث نبي، عليكم بالأرض المقدسة أي لأنها محل الأنبياء، وهذا يدل على أن عند إبليس أن الرمي بالنجوم علامة على بعث الأنبياء، فذهبوا ثم رجعوا، فقالوا ليس بها أحد، فخرج إبليس يطلبه بمكة: أي لأنها مظنة ذلك بعد محل الأنبياء، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء منحدرا معه جبريل، فرجع إلى أصحابه، فقال: بعث أحمد ومعه جبريل» . وفي رواية «إن إبليس قال لما أخبروه بأنهم منعوا من خبر السماء: إن هذا الحدث حدث في الأرض، فائتوني من تربة كل أرض فأتوه بذلك، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من ههنا الحدث، فمضوا

    ج ١ ص ٣٠٣فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث» .

  16. أقول: قد يقال لا منافاة بين الروايتين، لأنه يجوز أنهم لم يخبروه بمبعثه صلى الله عليه وسلم لما وجدوه، فذهب أو ذهب بعد إخبارهم له بذلك للاستيقان، وهذا يفيد أن الرمي بالنجوم إنما كان عند مبعثه: أي عند تقارب زمنه لا قبل ذلك الذي منه زمن ولادته.

  17. وحينئذ يشكل حصول مثل ذلك لإبليس وجنوده عند مولده صلى الله عليه وسلم. ومن ثم قدمنا أنه يجوز أن يكون من خلط بعض الرواة، وهذه الرواية تدل على أن إبليس لم يكن عنده علم بأن سقوط النجم على الشياطين علامة على مبعث النبي صلى الله عليه وسلم والرواية التي قبلها تدل على ذلك كما علمت. وكلتا الروايتين يدل على أنه لم يعلم عينه ولا محله والله أعلم، وقد أشار صاحب الهمزية إلى أن حجب الشياطين كان عند مبعثه صلى الله عليه وسلم بقوله:

    بعث الله عند مبعثه الشه ... ب حراسا وضاق عنها الفضاء

    تطرد الجن عن مقاعد للسم ... ع كما يطرد الذئاب الرعاء

    فمحت آية الكهانة آيا ... ت من الوحي ما لهن انمحاء

    أي أرسل الله زمن إرساله صلى الله عليه وسلم الشعل من النار على الجن لأجل حراسة السماء منهم، ولكثرة تلك الشعل ضاقت عنها المفازات حال كون تلك الشهب تطرد الجن عن أمكنة قريبة يقاعدون فيها لأجل أن يسمعوا شيئا من الملائكة المتكلمين بما سيقع في الأرض من المغيبات، وطرد تلك الشهب لأولئك الشياطين في الشدة كطرد الرعاة للذئاب عن الغنم إذا أرادت أن تعدو عليها، فبسبب ذلك الطرد البالغ للجن عن خبر السماء محت آيات من الوحي آية الكهانة التي هي الإخبار بالأمور المغيبة، ما لتلك الآيات من الوحي انمحاء: أي ذهاب، بل هي باقية إلى يوم القيامة. وفيه أنه لزم على كون الغرض من الرمي بالنجوم حفظ الوحي أن ذلك لا يكون إلا عند مبعثه صلى الله عليه وسلم ولا يكون قبل ذلك الذي قبل منه وقت ولادته. وأيضا لو كان ذلك موجودا قبل مبعثه واستمر إلى مبعثه لم تفزع العرب منه عند مبعثه.

  18. وأجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون الغرض الأصلي من الرمي بها حفظ الوحي، فلا ينافي وجود ذلك قبل ذلك عند ولادته إرهاصا وتخويفا.

  19. وكان هذا السؤال الثاني هو الحامل لأبيّ بن كعب على دعوى أنه لم يرم بالنجوم منذ رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بها، ومن ثم قال: فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فزعوا لعبد يا ليل. ويجاب بأنه يجوز أن يكون الرمي بالنجوم عند المبعث مخالفا للرمي بها قبله، إما لفرط كثرتها وإما لأن الرمي بها بعد المبعث كان من كل جانب. وقيل كان من جانب واحد، وإما لأن الرمي بها صار لا يخطئ أبدا، وقبل ذلك كان يخطئ تارة ويصيب أخرى، فمنهم

    ج ١ ص ٣٠٤من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله: أي يصيره غولا يضل الناس في البراري، وكان ذلك سبب فزع العرب لأنه كان قبل ذلك لم يكن من كل جانب، ولم يكثر ويخطىء فيعود الشيطان إلى مكانه فيسترق السمع ويلقي ما يسترقه إلى كاهنه أي فلم تنقطع الكهانة قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم بالمرة، بل كانت موجودة إلى زمن مبعثه صلى الله عليه وسلم، وعند مبعثه انقطعت بالمرة ومن ثم قال: «لا كهانة اليوم» وهذا كله على تسليم رواية ابن عباس أن النجوم رمى بها عند ولادته صلى الله عليه وسلم. وحفظ الوحي بالرمي بالشهب لا يخالف ما حكاه في الإتقان عن سعيد بن جبير «ما جاء جبريل بالقرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة» وسيأتي عن الينبوع عن ابن جرير «ما نزل جبريل بوحي قط إلا ونزل معه من الملائكة حفظة يحيطون به وبالنبي الذي يوحى إليه يطردون الشياطين عنهما، لئلا يسمعوا ما يبلغه جبريل إلى ذلك النبي من الغيب الذي يوحيه إليه فيبلغوه إلى أوليائهم» .

  20. وعن بعضهم قال: سافرت عن زوجتي فخلفني عليها شيطان على صورتي وكلامي وسائر حالاتي التي تعرفها مني، فلما قدمت من السفر لم تفرح بي ولم تتهيأ لي، وكانت إذا قدمت من سفر تتهيأ لي كما تتهيأ العروس فقلت لها في ذلك، فقالت: إنك لم تغب، فبينما أنا كذلك، وقد ظهر لي ذلك الشيطان وقال لي أنا رجل من الجن عشقت امرأتك وكنت آتيها في صورتك فلا تنكر ذلك، فاختر إما أن يكون لك الليل ولي النهار، أو لك النهار ولي الليل، فراعني ذلك ثم اخترت النهار، فلما كان في بعض الليالي جاءني وقال: بت الليلة عند أهلك فقد حضرت نوبتي في استراق السمع من السماء فقلت: أنت تسترق السمع؟ فقال: نعم هل لك أن تكون معي؟ قلت: نعم، فلما جاء الليل أتاني، وقال حوّل وجهك فحولت وجهي، فإذا هو في صورة خنزير له جناحان فحملني على ظهره فإذا له معرفة كمعرفة الخنزير، فقال لي: استمسك بها فإنك ترى أمورا وأهوالا فلا تفارقني تهلك، ثم صعد حتى لصق بالسماء فسمعت قائلا يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» فهوى بي ووقع من وراء العمران فحفظت الكلمات فلما أصبحت أتيت أهلي، فلما كان الليل جاء فقلتهن، فاضطرب، فلم أزل أقولهن حتى صار رمادا، وإن لم يحمل وقوع ذلك في زمن الجاهلية وإلا كان كذبا لأنهم أجابوا عن إيراد أن القول بقدرة الجن على التصور يلزمه رفع الثقة بشيء، فإن من رأى نحو ولده وزوجته احتمل أنه جني فيشك بأن الله تكفل لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي إلى ما يترتب عليه ريبة في الدين فليتأمل.

  21. وقد جاء في فضل لا حول ولا قوة إلا بالله «من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، والذي نفسي بيده إن لا حول ولا قوة إلا بالله

    ج ١ ص ٣٠٥شفاء من سبعين داء أدناها الهمّ والغم والحزن» وفرق بين الغم والهم، بأن الغم يعرض منه السهر، والهم يعرض منه النوم.

  22. وفي حكمة آل داود: العافية ملك خفي، وهمّ ساعة هرم سنة. وقال الأطباء:

    الهم يوهن القلب، وفيه ذهاب الحياة، كما أن في الحزن ذهاب البصر. وفي الحديث «من كثر همه سقم بدنه» فعلم أن النجوم على تسليم أنه كان يرمي بها قبل الولادة وبعدها إلى البعثة كانت قبل قرب زمن المبعث تصيب تارة ولا تصيب أخرى مع قلتها، وعند البعثة تصيب ولا بد مع كثرتها، وإن الكثرة هي سبب الفزع لا دوام الإصابة، وإلا فمجرد دوام الإصابة لا يكون حاملا على الفزع لأنه لا يظهر لكل أحد، بخلاف الكثرة، ومجرد الكثرة لا يكون سببا لقطع الكهانة، أو أنها قبل البعث كانت ترمي من جانب دون آخر، وبعد البعثة رميت من جميع الجوانب وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً [الصافات: الآية ٨ و ٩] فكان ذلك سببا للفزع، والمراد وجود ذلك مع دوام الإصابة ليكون سببا لقطع الكهانة، وإلا فمجرد الرمي من كل جانب مع قلة الإصابة لا يكون سببا لقطع الكهانة، ولما انقطعت الكهانة بعدم إخبار الجن قالت العرب هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة حتى أسرعوا في أموالهم أي في إتلافها، فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس والقمر؟ كذا في كلام بعضهم، ولعله لا يخالف ما تقدم من أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم ثقيف، وأنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية، ولرجل آخر يقال له عبد يا ليل، لجواز أن يكون ما ذكر هنا صدر من بعضهم لبعض، ثم اجتمعوا على عمرو وعبد ياليل والله أعلم.

  23. وظاهر القرآن والأخبار أن الذي يرمي به الشياطين المسترقون نفس النجم، وإنه المعبر عنه بالكوكب وبالمصباح وبالشهاب. وقيل الشهاب عبارة عن شعلة نار تنفصل من النجم أي كما قدمنا فأطلق عليها لفظ النجم، ولفظ المصباح، ولفظ الكوكب، ويكون معنى وَجَعَلْناها رُجُوماً [الملك: الآية ٥] جعلنا منها رجوما وهي تلك الشهب، ومعنى كونها حفظا باعتبار ما ينشأ عنها من تلك الشهب.

    وقالت الفلاسفة: إن الشهب إنما هي أجزاء نارية تحصل في الجوّ عند ارتفاع الأبخرة المتصاعدة واتصالها بالنار التي دون الفلك. وقيل السحاب إذا اصطكت أجرامه تخرج نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدّتها سريعة الخمود. فقد حكي أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت قاله في الكشاف.

  24. ومما يؤيد أن الشعل منفصلة من النجوم، ما جاء عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أن النجوم كلها كالقناديل معلقة في السماء الدنيا كتعليق القناديل بالمساجد مخلوقة من نور. وقيل إنها معلقة بأيدي ملائكة، ويعضد هذا القول قوله تعالى:

    إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) [الانفطار: الآية ١ و ٢] إن انتثارها يكون بموت من كان يحملها من الملائكة. وقيل إن هذا ثقب في السماء، وقد وقع في سنة تسع وتسعين من القرن السادس أن النجوم ماجت وتطايرت تطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر وأفزع الخلق، فلجؤوا إلى الله تعالى بالدعاء قال بعضهم: ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ج ١ ص ٣٠٦
  25. أقول: وقد وقع نظير ذلك في سنة إحدى وأربعين من القرن الثالث: ماجت النجوم في السماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل، كان أمرا مزعجا لم ير مثله. ووقع في سنة ثلاثمائة تناثر النجوم تناثرا عجيبا إلى ناحية المشرق، والله أعلم.

  26. وأما ما جاء من ذكره صلى الله عليه وسلم: أي ذكر اسمه وصفته وصفة أمته في الكتب القديمة: أي كالتوراة المنزلة على موسى عليه الصلاة والسلام لست ليال خلون من رمضان اتفاقا. والإنجيل المنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام لثنتي عشرة خلت من رمضان، وقيل لثلاث عشرة، وقيل لثمان عشرة. والزبور المنزل على داود عليه الصلاة والسلام لثنتي عشرة، وقيل لثلاث عشرة، وقيل لثمان عشرة، وقيل في ست خلت من رمضان، وصحف شعياء، ويقال له أشعياء أو مزامير داود. وصحف شيث، فقد أنزلت عليه خمسون صحيفة، وقيل ستون. وصحف إبراهيم، فقد أنزل عليه عشرون صحيفة، وقيل ثلاثون أول ليلة من رمضان اتفاقا. وفي كتاب شعيب:

    ولم يذكر صحف إدريس، وقد أنزلت عليه ثلاثون صحيفة.

  27. وذكر بعضهم أن موسى عليه الصلاة والسلام أنزل عليه قبل التوراة عشرون صحيفة، وقيل عشر صحائف، وهذا كما لا يخفى يزيد على ما اشتهر أن الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب.

  28. وفي كلام بعضهم اتفقوا على أن القرآن أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان. وعن أبي قلابة «أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان» وحينئذ يكون من حكى الاتفاق في التوراة وصحف إبراهيم لم يطلع على هذا أو لم يعتد به، فقد أشار إلى ذكره صلى الله عليه وسلم في جميع الكتب المنزلة الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:

    وفي كل كتب الله نعتك قد أتى ... يقص علينا ملة بعد ملة

    وهذا كما لا يخفى أبلغ من قول بعضهم:

    ج ١ ص ٣٠٧ومن قبل مبعثه جاءت مبشرة ... به زبور وتوراة وإنجيل

    وقد اعترض على هذا القائل بعض الأغبياء بأن التوراة والإنجيل قد صحت بشارتهما به صلى الله عليه وسلم. وأما الزبور فلا ندري ولا نقول إلا ما نعلم. ويرده ما ذكره الإمام السبكي، وسنده قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) [الشّعراء: الآية ١٩٦] أي كتبهم. فقد قال بعض المفسرين إن الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الإضافة حيث لا عهد تحمل على العموم، وسيأتي أيضا التصريح بوجود اسمه في الزبور وقد جاء «إن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء والأرض» كما تقدم.

  29. وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: الآية ١٣٠] أن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسمعيل نبيا اسمه أحمد من آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبي مهاجر، فأنزل الله الآية، وفيها أيضا محمد واسمه فيها أيضا حمياطا، وقيل: حمطايا أي يحمي الحرم من الحرام. واسمه في التوراة أيضا قدمايا: أي الأول السابق، واسمه فيها أيضا ينديند. واسمه أيضا أحيد وقيل أحيد: أي يمنع نار جهنم عن أمته، واسمه فيها أيضا طاب طاب: أي طيب. واسمه فيها أيضا كما في الشفاء محمد حبيب الرحمن، ووصف فيها بالضحوك: أي طيب النفس. وفيها محمد بن عبد الله مولده بمكة، ومهاجره إلى طابة، وملكه بالشام. والتوراة أي على فرض أن تكون اسما عربيا مأخوذة من التوراة وهو كتمان السر بالتعريض، لأن أكثرها معاريض من غير تصريح.

  30. واسمه في الإنجيل المنحمنا، والمنحمنا بالسريانية: محمد.

  31. أي وما جاء عن سهل مولى خيثمة. قال: كنت يتيما في حجر عمي فأخذت الإنجيل فقرأته حتى مرت لي ورقة ملصقة بغراء ففتقتها فوجدت فيها وصف محمد صلى الله عليه وسلم، فجاء عمي، فلما رأى الورقة ضربني. وقال: ما لك وفتح هذه الورقة وقراءتها، فقلت فيها وصف النبي أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد: أي الآن.

  32. أي وفي الإنجيل أيضا اسمه حبنطا: أي يفرق بين الحق والباطل، ووصفه بأنه صاحب المدرعة وهي الدرع، وفيه أيضا وصفه بأنه يركب الحمار والبعير، وسيأتي أن راكب الحمار عيسى عليه الصلاة والسلام، وراكب الجمل محمد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي الجواب. وفي الإنجيل إن أحببتموني فاحفظوا وصيتي، وأنا أطلب إلى ربي فيعطيكم بارقليط، والبارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه ما يسمع يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث والغيوب: أي وما جاء بذلك وأخبر بالحوادث والغيوب إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبارقليط أو الفارقليط: الحكيم والرسول. قيل والإنجيل: أي على

    ج ١ ص ٣٠٨فرض أن يكون اسما عربيا، مأخوذ من النجل: وهو الخروج، ومن ثم سمي الولد نجلا لخروجه، أو مشتق من النجل: وهو الأصل، يقال لعن الله أناجيله: أي أصوله، فسمي هذا الكتاب بهذا الاسم لأنه الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين.

  33. وقيل من النجلة وهي سعة العين لأنه أنزل وسعة لهم: أي لأن فيه تحليل بعض ما حرم عليهم.

  34. ومن ذلك ما جاء من عطاء بن يسار قال: «لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال:

    أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) [الأحزاب: الآية ٤٥] ، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك بالمتوكل، ليس بفظ: أي سيئ الخلق، ولا غليظ: أي شديد القول، ولا صخاب بالسين والصاد في الأسواق: أي لا يصيح فيها» وفي الحديث «أشد الناس عذابا كل جعار نعار سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء. أي ملة إبراهيم التي غيرتها العرب وأخرجتها عن استقامتها، بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» أي لا تفهم كأنها في غلاف. قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه فسألته فما أخطأ في حرف.

  35. أقول: لكن في رواية كعب: وأعطى المفاتيح، ليبصرنّ الله به أعينا عورا، وليسمع به آذانا صما، ويقيم به ألسنة معوجة، يعين المظلوم، ويمنعه من أن يستضعف. وفيها وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما.

  36. وعن بعض أحبار اليهود أنه قال: على جميع ما وصف به صلى الله عليه وسلم في التوراة وقفت إلا هذين الوصفين، وكنت أشتهي الوقوف عليها، فجاءه شخص يطلب منه ما يستعين به، وذكر له أنه لم يكن عنده ما يعينه به، فقلت: هذه دنانير ندفعها له، وتكون على كذا من التمر ليوم كذا ففعل، فجئته قبل الأجل بيومين أو ثلاثة، فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فقال لي عمر: أي عدو الله: تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وهمّ بي، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: «أنا وهو أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة- أي المطالبة- اذهب وأوفه حقه، وزده عشرين صاعا مكان ما رعته أي خفته فأسلم اليهوديّ» وذكر القصة.

  37. وفي التوراة: لا يزال الملك في يهود إلى أن يجيء الذي إياه تنتظر الأمم: أي

    ج ١ ص ٣٠٩لا يزال أمرهم ظاهرا إلى أن يجيء الذي تنتظره الأمم. أي المرسل إليهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه المرسل لجميع الأمم.

  38. وما زعمه اليهود بأنه يوشع رد بنص التوراة في محل آخر: إن الله ربكم يقيم نبيا من إخوتكم مثلي، وقد قال لي: إنه سوف يقيم نبيا مثلك من إخوتهم، وأجعل كلمتي في فيه، وأيما إنسان لم يطع كلامه أنتقم منه، لأن قوله مثلي: أي رسولا بكتاب مشتمل على الأحكام والشرائع، وذكر المبدأ والمعاد، لأن يوشع لم يكن له كتاب، بل كان متابعا لسنة موسى عليه الصلاة والسلام في بني إسرائيل خاصة، وأيضا يوشع منهم لا من إخوتهم، فلو كان يوشع لقال منكم.

  39. وما زعمه النصارى إنه المسيح ردّ عليهم بنصوص الإنجيل التي منها: إن الله يقيم لكم نبيا من إخوتكم، لأن المسيح ليس من إخوتهم بل منهم، لأنه من نسل داود. ففي زبور داود: سيولد لك ولد أدعى له أبا ويدعى لي ابنا، وإخوة بني إسرائيل إنما هم أولاد إسمعيل الذي هو أخو إسحق وبنو إسرائيل منه. وأيضا لو كان المسيح لم يحسن أن يخاطب بهذا اللفظ.

  40. وفي الإنجيل: جاء الله من طور سينا، وظهر بساعير، وأعلن بفاران: أي عرف الله بإرساله موسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم، لأن ظهور نبوّة موسى كان في طور سينا، وتقدم أنه جبل بالشام. قيل هو الذي بين مصر وإيليا، وأنزلت التوراة عليه فيه. وظهور نبوّة عيسى كان في ساعير وهو جبل القدس، لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يسكن بقرية بأرض الخليل يقال لها ناصرة، وباسمها سمي من اتبعه، وأنزل عليه الإنجيل بها. وظهور نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كان في فاران وهي مكة، وأنزل عليه القرآن بها.