غزوة الحديبية
١٣٢ فقرة، ج ٣ ص ١٢
الصفحة ٢ من ٤
- ج ٣ ص ٢٣
فخرج عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة، ودخل مكة من الصحابة عشرة أيضا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ليزوروا أهاليهم لم أقف على أسمائهم، ولم أقف على أنهم هل دخلوا مع عثمان أم لا فلقيه قبل أن يدخل مكة أبان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه فإنه أسلم بعد ذلك قبل خيبر، فأجاره حتى يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله بين يديه، فجاء إلى أبي سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، أي وهم يردّون عليه إن محمدا لا يدخلها علينا أبدا، فلما فرغ عثمان من تبليغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. وفي رواية:
قال له أبان إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ج ٣ ص ٢٤قال: وقال المسلمون: قد خلص عثمان إلى البيت فطاف به دوننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون، وقال: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص إليه، قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف، لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف به حتى أطوف، فلما رجع عثمان وقالوا له في ذلك:
أي قالوا له طفت بالبيت، قال بئسما ظننتم بي، دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت، والذي نفسي بيده لو مكثت بها معتمرا سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيما بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ.
-
وكانت قريش قد احتبست عثمان عندها ثلاثة أيام، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان رضي الله عنه قد قتل، أي وكذا قتل معه العشرة رجال الذين دخلوا مكة أيضا؛ فقال صلى الله عليه وسلم عند بلوغه ذلك: لا نبرح حتى نناجز القوم: أي نقاتلهم، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، أي بعد أن قال لهم: إن الله أمرني بالبيعة. فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: بينما نحن جلوس قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي وهو عمر بن الخطاب: أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس فاخرجوا على اسم الله، فسرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة فبايعناه، أي وبايعه الناس على عدم الفرار، وأنه إما الفتح وإما الشهادة، وهذا هو المراد بما جاء في بعض الروايات، فبايعناه على الموت ولم يتخلف منا أحد إلا الجدّ بن قيس، قال: لكأني أنظر إليه لا صقا بإبط ناقته يستتر بها من الناس. وقد قيل إنه كان يرمي بالنفاق، وقد نزل في حقه في غزوة: أي غزوة تبوك من الآيات ما يدل على ذلك كما سيأتي، وهو ابن عمة البراء بن معرور رضي الله عنه، وكان سيد بني سلمة بكسر اللام في الجاهلية، وقد قال صلى الله عليه وسلم لبني سلمة: «من سيدكم؟ قالوا الجدّ بن قيس: أي على بخل فيه قال: وأيّ داء أدوأ من البخل؛ ثم قال صلى الله عليه وسلم: بل سيدكم عمرو بن الجموح. وقيل قالوا: يا رسول الله من سيدنا؟ قال: سيدكم بشر بن البراء بن معرور وهذا قال ابن عبد البر إن النفس إليه أميل.
-
ومما يدل للأوّل ما أنشده شاعر الأنصار رضي الله عنهم من قوله:
وقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تسموه سيدا
فقالوا له جد بن قيس على التي ... نبخله فيها وإن كان أسودا
فتى ما يخطي خطوة لدنيئة ... ولا مد يوما ما إلى سوأة يدا
فسود عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أن يسودا
إذا جاءه السؤال أنهب ماله ... وقال خذوه إنه عائد غدا
ولو كنت يا جد بن قيس على التي ... على مثلها عمرو لكنت المسوّدا
ج ٣ ص ٢٥أي وبايع صلى الله عليه وسلم عن عثمان فوضع يده على يده: أي وضع يده اليمنى على يده اليسرى، وقال: اللهم إن هذه عن عثمان فإنه في حاجتك وحاجة رسولك. أي وفي لفظ قال: اللهم إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله فأنا أبايع عنه، فضرب بيمينه شماله، وما ذاك إلا أنه صلى الله عليه وسلم علم بعدم صحة القول بأن عثمان قد قتل أو أن ذلك كان بعد مجيء الخبر له صلى الله عليه وسلم بأن القول بقتل عثمان رضي الله عنه باطل.
-
وفيه أنه حيث علم صلى الله عليه وسلم أن عثمان لم يقتل لا معنى للبيعة، لأن سببها كما علمت بلوغه الخبر أن عثمان قد قتل.
-
إلا أن يقال: سببها ما ذكر، وقتل العشرة من الصحابة، ويدل لذلك ما يأتي قريبا أن عثمان رضي الله عنه بايع بعد مجيئه من مكة فليتأمل، أي وبهذا يرد ما تمسك به بعض الشيعة في تفضيل علي كرم الله وجهه على عثمان رضي الله عنه، لأن عليا كان من جملة من بايع تحت الشجرة، وقد خوطبوا بقوله صلى الله عليه وسلم «أنتم خير أهل الأرض» فإنه صريح في تفضيل أهل الشجرة على غيرهم.
-
وأيضا عليّ حضر بدرا دون عثمان، وقد جاء مرفوعا «لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية» .
-
وحاصل الرد أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع عن عثمان مع الاعتذار عنه بأنه في حاجة الله وحاجة رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه عن بدر لتمريض بنته صلى الله عليه وسلم، وأسهم له كما تقدم، فهو في حكم من حضرها، على أنه سيأتي أنه رضي الله عنه بايع تحت تلك الشجرة بعد مجيئه من مكة، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم «أنتم خير أهل الأرض» على عدم حياة الخضر عليه الصلاة والسلام حينئذ، لأنه يلزم أن يكون غير النبي أفضل منه، وقد قامت الأدلة الواضحة على ثبوت نبوته كما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وقد أشار إلى امتناع عثمان رضي الله تعالى عنه من الطواف وإلى عدم صحة القول بأن عثمان قتل وإلى مبايعته صلى الله عليه وسلم عنه صاحب الهمزية بقوله رحمه الله:
وأبى أن يطوف بالبيت إذ لم ... يدن منه إلى النبي فناء
فجزته عنها بيعة رضوا ... ن يد من نبيه بيضاء
أدب عنده تضاعفت الأع ... مال بالترك حبذا الأدباء
أي وامتنع رضي الله عنه أن يطوف بالبيت لأجل أنه لم يقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من البيت جانب، فجزته عن تلك الفعلة، وهي ذهابه إليهم وامتناعه من الطواف يد من نبيه عليه الصلاة والسلام تلك اليد البالغة في الكرم، وذلك في بيعة الرضوان، وذلك أدب عظيم عند عثمان رضي الله تعالى عنه حصل منه أمر عظيم مستغرب هو
ج ٣ ص ٢٦تضاعف ثواب الأعمال التي تركها بسبب تركها، وهي الطواف.
-
وذكر أن قريشا بعثت إلى عبد الله بن أبي ابن سلول إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل، فقال له ابنه عبد الله رضي الله عنه: يا أبت أذكرك الله أن لا تفضحنا في كل موطن، تطوف ولم يطف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى حينئذ، وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله.
-
وفي لفظ قال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم امتناعه رضي الله عنه أثنى عليه بذلك.
-
وكانت البيعة تحت شجرة هناك، أي من أشجار السمر. أي ولما جاء عثمان رضي الله تعالى عنه بايع تحت تلك الشجرة، وقيل لها بيعة الرضوان، أي لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» رواه مسلم وكانوا ألفا وأربعمائة على الصحيح.
-
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال «يا أيها الناس إن الله قد غفر لأهل بدر والحديبية» وتقدم أن الواو بمعنى أو في حديث «لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية» بدليل رواية مسلم هذه.
-
ومن ثم قال ابن عبد البر رحمه الله: ليس في غزواته صلى الله عليه وسلم ما يعدل بدرا أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية. والراجح تقديم غزوة أحد على غزوة الحديبية، وأنها التي تلي بدرا في الفضيلة. وأول من بايعه صلى الله عليه وسلم سنان بن أبي سنان الأسدي، كذا في الأصل أنه الصواب بعد أن حكي أن أول من بايع أبو سنان، أي وهو ما ذهب إليه في الاستيعاب حيث قال: الأكثر الأشهر أن أبا سنان أول من بايع بيعة الرضوان، أي لا ابنه سنان، وأبو سنان هذا هو أخو عكاشة بن محصن رضي الله عنه، وكان أكبر من أخيه عكاشة بعشرين سنة. وضعفه في الأصل بأن أبا سنان رضي الله عنه مات في حصار بني قريظة ودفن بمقبرتهم، أي كما تقدم.
-
ولما بايعه سنان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أبايعك على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، وصار الناس يقولون له صلى الله عليه وسلم: نبايعك على ما بايعك عليه سنان.
-
وقيل أول من بايع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقيل سلمة بن الأكوع.
قال: وذكر أن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه بايع ثلاث مرات: أول الناس، ووسط الناس، وآخر الناس بأمره له صلى الله عليه وسلم في الثانية والثالثة بعد قول سلمة له: قد بايعت، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأيضا، وذلك ليكون له في ذلك فضيلة، أي لأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يؤكد بيعته لعلمه بشجاعته وعنايته بالإسلام وشهرته في الثبات، أي
ج ٣ ص ٢٧بدليل ما وقع له رضي الله عنه في غزوة ذي قرد بناء على تقدمها على ما هنا أو تفرس فيه صلى الله عليه وسلم ذلك بناء على تأخرها وبايع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرتين.
-
أي وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [المائدة: الآية ٢] الآية أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية، مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال المسلمون: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله تعالى الآية: أي لا تصدوا هؤلاء العمار أن صدكم أصحابهم.
قال: وكان محمد بن مسلمة رضي الله عنه على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثت قريش أربعين، وقيل خمسين رجلا عليهم مكرز بن حفص، أي وهو الذي بعثته قريش له صلى الله عليه وسلم ليسأله فيما جاء، وقال صلى الله عليه وسلم في حقه: هذا رجل غادر، وفي لفظ: رجل فاجر، ليطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا رجاء أن يصيبوا منهم أحدا أو يجدوا منهم غرة: أي غفلة، فأخذهم محمد بن مسلمة رضي الله عنه إلا مكرزا فإنه أفلت، وصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم إنه رجل فاجر أو غادر كما تقدم، وأتى بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسوا، وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم حتى رموا المسلمين بالنبل والحجارة، وقتل من المسلمين ابن زنيم رضي الله عنه، رمي بسهم.
-
فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا.
-
وعند ذلك بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعا، منهم سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: سهيل أمركم، فقال سهيل: يا محمد إن الذي كان من حبس أصحابك، أي عثمان والعشرة رجال وما كان من قتال من قاتلك لم يكن من رأي ذوي رأينا، بل كنا كارهين له حين بلغنا ولم نعلم به وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أولا وثانيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي، فقالوا نفعل، فبعث سهيل ومن معه إلى قريش بذلك، فبعثوا بمن كان عندهم وهو عثمان والعشرة رجال، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابهم انتهى.
-
ولما علمت قريش بهذه البيعة خافوا، وأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع ويعود من قابل، فيقيم ثلاثا معه سلاح الراكب السيوف في القرب والقوس، فبعثوا سهيل بن عمرو أي ثانيا ومعه مكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصالحوه على أن يرجع في عامه هذا، لئلا تتحدث العرب بأنه دخل عنوة أي وأنه يعود من قابل، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: أراد القوم الصلح حيث بعثوا هذا الرجل، أي ثانيا فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جثا على ركبتيه بين يديه صلى الله عليه وسلم والمسلمون حوله جلوس وتكلم فأطال، ثم تراجعا، أي ومن جملة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال له سهيل: والله لا تتحدث العرب بنا أنا أخذنا ضغطة بالضم: أي بالشدة
ج ٣ ص ٢٨والإكراه، ولكن ذلك من العام القابل، ثم التأم الأمر بينهما على الصلح على ترك القتال إلى آخر ما يأتي، ولم يبق إلا الكتاب بذلك.
-
وعند ذلك وثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتى أبا بكر رضي الله عنه، فقال له يا أبا بكر أليس هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال بلى؛ قال: فعلام نعطي الدنية بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء: النقيصة والخصلة المذمومة في ديننا؛ فقال له أبو بكر رضي الله عنه: يا عمر الزم غرزة: أي ركابه، وفي رواية أنه قال له: أيها الرجل إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره، استمسك بغرزه حتى تموت، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر رضي الله عنه: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مثل ما قال لأبي بكر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولم يضيعني.
-
ولقي عمر رضي الله عنه من ذلك الشروط الآتي ذكرها أمرا عظيما، وجعل يردّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام حتى قال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: ألا تسمع يا بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما يقول، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فجعل يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر إني رضيت وتأبى؟ فكان عمر رضي الله عنه يقول: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به حين رجوت أن يكون هذا خيرا.
-
هذا، والذي في الإمتاع عكس ما هنا: أي أنه قال ما ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، ثم لأبي بكر ثانيا، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
أي بعد أن كان أمر أوس بن خولة أن يكتب، فقال له سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك عليّ أو عثمان بن عفان، فأمر عليا كرم الله وجهه، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا: أي الرحمن الرحيم، ولكن اكتب باسمك اللهم، فكتبها لأن قريشا كانت تقولها. وأول من كتبها أمية بن أبي الصلت، ومنه تعلموها، وتعلمها هو من رجل من الجن في خبر ذكره المسعودي، أي وإنما كتبها بعد أن قال المسلمون: والله لا يكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فضج المسلمون.
-
وعن الشعبي رحمه الله: كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فكتب النبي أول ما كتب باسمك اللهم، وتقدم أنه كتب ذلك في أربع كتب حتى نزلت بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: الآية ٤١] فكتب بسم الله، ثم نزلت ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: الآية ١١٠] فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) [النّمل: الآية ٣٠] أي فكتبها وهذا السياق يدل على تأخر نزول الفاتحة
ج ٣ ص ٢٩عن هذه الآيات، لأن البسملة نزلت أولها، وتقدم الخلاف في وقت نزولها فليتأمل، ثم قال صلى الله عليه وسلم «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل بن عمرو: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولم أصدك عن البيت، ولكن اكتب باسمك واسم أبيك» أي وفي لفظ «لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه: امحه» وفي لفظ «امح رسول الله، فقال علي كرم الله وجهه: ما أنا بالذي أمحاه، وفي لفظ: لا أمحوك، وفي لفظ: والله لا أمحوك أبدا، فقال: أرنيه، فأراه إياه، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة، وقال اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، وقال: أنا والله رسول الله وإن كذبتموني، وأنا محمد بن عبد الله» وفي لفظ «فجعل عليّ يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا محمد رسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد» :
أي مقهور.
-
وهو إشارة منه صلى الله عليه وسلم لما سيقع بين عليّ ومعاوية رضي الله تعالى عنهما فإنهما في حرب صفين وقعت بينهما المصالحة على ترك القتال إلى رأس الحول. وكان القتال في صفر دام مائة يوم وعشرة أيام، قتل فيه سبعون ألفا خمسة وعشرون ألفا من جيش علي كرم الله وجهه من جملة تسعين ألفا وخمسة وأربعون ألفا من جيش معاوية من جملة مائة وعشرين ألفا.
-
فلما كتب الكاتب في الصلح: هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، قال عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي هو أحد الحكمين: اكتب اسمه واسم أبيه، وأرسل معاوية يقول لعمرو: لا تكتب أن عليا أمير المؤمنين، لو كنت أعلم أنه أمير المؤمنين ما قاتلته، فبئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم أقاتله، ولكن اكتب عليّ بن أبي طالب وامح أمير المؤمنين، فقيل له: يا أمير المؤمنين لا تمح إمارة اسم أمير المؤمنين، فإنك إن محوتها لا تعود إليك، فلما سمع علي كرم الله وجهه ذلك، وأمره بمحوها، وقال امحها تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم له في الحديبية ما تقدم، ومن ثم قال: الله أكبر مثلا بمثل، والله إني لكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ قالوا لست برسول الله ولا نشهد لك بذلك، اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله، فقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: سبحان الله أتتشبه بالكفار؟ فقال له علي كرم الله وجهه: يا بن النابغة: أي العاهرة، ومتى كنت عدوا للمسلمين هل تشبه إلا أمك التي وقعت بك، فقال عمرو: لا يجمع بيني وبينك مجلس أبدا، فقال عليّ كرم الله وجهه: إني لأرجو الله أن يطهر مجلسي منك ومن أشباهك.
-
وذكر أن أسيد بن حضير وسعد بن عبادة رضي الله عنهما أخذا بيد عليّ كرم
ج ٣ ص ٣٠الله وجهه، ومنعاه أن يكتب إلا محمد رسول الله وإلا فالسيف بيننا وبينهم، وضجت المسلمون وارتفعت الأصوات، وجعلوا يقولون: لم نعط هذه الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم ويومىء بيده إليهم أن اسكتوا، ثم قال: أرنيه الحديث، وكان الصلح على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وقيل سنتين، وقيل أربع سنين، أي وصححه الحاكم- تأمن فيه الناس ويكفّ بعضهم عن بعض. أي ويقال لهذا العقد هدنة ومهادنة وموادعة ومسالمة. وقال زيادة على اشتراط الكف عن الحرب على أنه من أتى محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش ممن هو على دين محمد بغير إذن وليه رده إليه ذكرا كان أو أنثى.
قال السهيلي رحمه الله: وفي رد المسلم إلى مكة عمارة للبيت وزيادة خير له في الصلاة بالمسجد الحرام والطواف بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات الله، هذا كلامه. ومن أتى قريشا ممن كان مع محمد: أي مرتدا ذكرا كان أو أنثى لم نردّه إليه.
-
وهذا الثاني يوافق قول أئمتنا معاشر الشافعية يجوز شرط أن لا يردوا من جاءهم مرتدا والأول يخالف قولهم: لا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم، فإن شرط فسد الشرط والعقد، إلا أن يقال هذا ما وقع عليه الأمر أولا ثم نسخ كما سيأتي، وشرطوا أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وأن بيننا وبينكم عيبة مكفوفة: أي صدورا منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة؛ وقيل صدورا نقية من الغلّ والخداع منطوية على الوفاء بالصلح؛ وأنه لا إسلال ولا إغلال: أي لا سرقة ولا خيانة، قال سهيل: وأنك ترجع عامك هذا فلا تدخل مكة؛ وأنه إذا كان عام قابل خرج منها قريش فتدخلها بأصحابك فأقمت بها ثلاثة؛ أي ثلاثة أيام معك سلاح الراكب، السيوف في القرب والقوس لا تدخلها بغيرها.
-
ويقال إنه صلى الله عليه وسلم هو الذي كتب الكتاب بيده الشريفة، وهو ما وقع في البخاري أي أطلق الله يده صلى الله عليه وسلم بالكتابة في تلك الساعة خاصة وعد معجزة له.
قال بعضهم: لم يعتبره أي القول بذلك أهل العلم، ومعنى كتب أمر بالكتابة.
-
وفي النور: وفي كون هذا أي أنه كتب بيده في البخاري فيه نظر، والذي في البخاري: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ليكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد الحديث، أي فلفظة بيده ليست في البخاري، ومع إسقاطها التأويل ممكن. وتمسك بظاهر قوله: فكتب أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله على أنه صلى الله عليه وسلم كتب بيده، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه، بأن هذا مخالف للقرآن، فناظرهم واستظهر عليهم بأن هذا لا ينافي القرآن وهو قوله تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا
ج ٣ ص ٣١تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: الآية ٤٨] لأن هذا النفي مقيد بما قبل ورود القرآن، وبعد أن تحققت أمنيته صلى الله عليه وسلم وتقررت بذلك معجزته، لا مانع من أن يعرف الكتابة من غير معلم فتكون معجزة أخرى ولا يخرجه ذلك عن كونه أميا.
-
أي ويقال إن الذي كتب هذا الكتاب محمد بن مسلمة رضي الله عنه، وعده الحافظ ابن حجر رحمه الله من الأوهام.
-
وجمع بأن أصل هذا الكتاب كتبه علي كرم الله وجهه، ونسخ مثله محمد بن مسلمة رضي الله عنه لسهيل بن عمرو، أي فإن سهيلا قال: يكون هذا الكتاب عندي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل عندي، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كتب لسهيل نسخة أخذها عنده. وعند كتابته اشترط أن يردّ إليهم من جاء مسلما، قال المسلمون: سبحان الله كيف نردّ للمشركين من جاء مسلما؟ وعسر عليهم شرط ذلك وقالوا: يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا. وفي لفظ قال عمر: يا رسول الله أترضى بهذا؟ فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: من جاءنا منهم فرددناه إليهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا، ومن أعرض عنا وذهب إليهم فلسنا منه في شيء، وليس منا بل هو أولى بهم.
-
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وسهيل بن عمرو يكتبان الكتاب بالشروط المذكورة، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى المسلمين يرسف في الحديد: أي يمشي في قيوده متوشحا سيفه، قد أفلت إلى أن جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فجعل المسلمون يرحبون به ويهنئونه، فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، وفي لفظ: أخذ غصنا من شجرة به شوك وضرب به وجه أبي جندل ضربا شديدا حتى رق عليه المسلمون وبكوا وأخذ بتلبيبته، وقال: يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، لقد لجت القضية بيني وبينك، أي وجبت وتمت قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، فجعل ينثره بتلبيبته ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل رضي الله عنه يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني؟ ألا ترون ما لقيت، فإنه رضي الله عنه كان عذب عذابا شديدا على أن يرجع عن الإسلام فزاد الناس ذلك إلى ما بهم، أي فإنهم كانوا لا يشكون في دخولهم مكة وطوافهم بالبيت للرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما رأوا الصلح وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه داخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، خصوصا من اشترط أن يردّ إلى المشركين من جاء مسلما منهم، أي وردّ أبي جندل إليهم بعد ضربه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا
ج ٣ ص ٣٢وبين القوم صالحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله أن لا نغدر بهم.
-
وبهذا استدل أئمتنا على أنه يجوز شرط ردّ من جاءنا منهم مسلما إليهم ولا نرده إليهم إلا إذا كان حرا ذكرا غير صبيّ ومجنون وطلبته عشيرته.
-
وفي لفظ آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهيل: إنا لم نفضّ الكتاب بعد، فقال: بلى لقد لجت القضية بيني وبينك، أي تمّ العقد فرده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأجره لي؛ فقال:
ما أنا مجير ذلك لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، فقال مكرز وحويطب:
قد أجرناه لك لا نعذبه.
-
أي وهذا وما تقدم يخالف قول ابن حجر الهيتمي رحمه الله أن مجيء أبي جندل كان قبل عقد الهدنة معهم رواه البخاري. وعند ذلك قال حويطب لمكرز: ما رأيت قوما قط أشدّ حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد، أما إني أقول لك: لا تأخذ من محمد نصفا أبدا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة، فقال مكرز: وأنا أرى ذلك.
-
وعند ذلك وثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومشى إلى جنب أبي جندل، أي وأبوه سهيل بجنبه يدفعه، وصار عمر رضي الله عنه يقول لأبي جندل: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب، أي ومعك السيف، يعرض له بقتل أبيه، أي وفي رواية إن دم الكافر عند الله كدم الكلب ويدني قائم السيف منه، أي وفي لفظ: وجعل يقول: يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في الله، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله، فقال له أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت، فقال عمر: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله وقتل غيره، فقال أبو جندل رضي الله عنه ما أنت أحق بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، فقال عمر رضي الله عنه: وددت أن يأخذ السيف فيضرب أباه فضنّ الرجل بأبيه.
-
وفيه كيف يظن عمر حينئذ جواز قتله لأبيه حتى يعرض له به، إلا أن يقال ظن ذلك لكونه يريد أن يفتنه عن دينه ويرجع إلى الكفر وإن كان صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا جندل اصبر واحتسب.
-
ورجع أبو جندل إلى مكة في جوار مكرز بن حفص أي وحويطب، فأدخلاه مكانا وكف عنه أبوه.
-
وأبو جندل اسمه العاص، وهو أخو عبد الله بن سهيل بن عمرو، وإسلام عبد الله سابق على إسلام أبي جندل، لأن عبد الله شهد بدرا، أي فإنه خرج مع المشركين لبدر، ثم انحاز من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه بدرا والمشاهد كلها وأبو جندل رضي الله عنه أول مشاهده الفتح.
- ج ٣ ص ٣٣
ودخلت خزاعة في عقده صلى الله عليه وسلم وعهده، أي وفي لفظ: ووثب من هناك من خزاعة. فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ونحن على من وراءنا من قومنا، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم.
-
ويذكر أن حويطبا قال لسهيل: بادأنا أخوالك يعني خزاعة بالعداوة، وكانوا يستترون منا فدخلوا في عهد محمد وعقده، فقال له سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا ولحمتنا قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرا فما نصنع بهم، قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر، قال سهيل إياك أن تسمع هذا منك بنو بكر فإنهم أهل شؤم فيسبوا خزاعة، فيغضب محمد لحلفائه فينقض العهد بيننا وبينه.