غزوة الحديبية
١٣٢ فقرة، ج ٣ ص ١٢
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٣ ص ٣٣
ومن هذا التقرير يعلم أن بيعة الرضوان كانت قبل الصلح، وأنها السبب الباعث لقريش عليه.
-
ووقع في المواهب ما يقتضي أن البيعة كانت بعد الصلح، وأن الكتاب الذي ذهب به عثمان كان متضمنا للصلح الذي وقع بينه صلى الله عليه وسلم وبين سهيل بن عمرو، فحبست قريش عثمان، فحبس صلى الله عليه وسلم سهيلا، ولا يخفى عليك ما فيه.
-
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلح وأشهد عليه رجالا من المسلمين: أي أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة، أي ورجالا من قريش حويطبا ومكرزا قام إلى هديه فنحره، ومن جملته جمل لأبي جهل وكان نجيبا مهريا، وكان يضرب في لقاحه صلى الله عليه وسلم في رأسه برة، أي حلقة من فضة، وقيل من ذهب ليغيظ بذلك المشركين، غنمه صلى الله عليه وسلم يوم بدر كما تقدم.
قال: وقد كان فر من الحديبية ودخل مكة وانتهى إلى دار أبي جهل، وخرج في أثره عمرو بن غنمة الأنصاري، فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه، ودفعوا فيه عدة ثياب، فقال رسول الله: لولا أنا سميناه في الهدي فعلنا انتهى.
-
وفي لفظ قال لهم سهيل بن عمرو: إن تريدوه فاعرضوا على محمد مائة من الإبل، فإن قبلها فأمسكوا هذا الجمل وإلا فلا تتعرضوا له: أي فعرضوا عليه صلى الله عليه وسلم ذلك فأبى، وقال: لو لم يكن هذا الجمل للهدي لقبلت المائة، وفرق صلى الله عليه وسلم لحم الهدي على الفقراء الذين حضروا الحديبية.
-
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى مكة عشرين بدنة مع ناجية حتى نحرت بالمروة وقسموا لحمها على فقراء مكة، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه وكان الحالق
ج ٣ ص ٣٤لرأسه خراش بن أمية الخزاعي الذي بعثه إلى قريش فعقروا جمله وأرادوا قتله كما تقدم.
-
فلما رأى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون، وقصر بعضهم كعثمان وأبي قتادة.
-
وفي كلام بعضهم أي وهو السهيلي أنه لم يقصر غيرهما، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة فقال «اللهم ارحم المحلقين» وفي لفظ «يرحم الله المحلقين» وفي لفظ «اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين؟ فقال: يرحم الله المحلقين أو قال: اللهم ارحم المحلقين أو اللهم اغفر للمحلقين قالوا: والمقصرين فقال: يرحم الله المحلقين والمقصرين» وفي رواية قال «والمقصرين في الرابعة، وقد قالوا له يا رسول الله لم ظاهرت؟ أي أظهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال لأنهم لم يشكوا: أي لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت، بخلاف المقصرين» أي لأن الظاهر من حالهم أنهم أخروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوها بعد طوافهم بالبيت.
-
وأرسل الله سبحانه وتعالى ريحا عاصفة احتملت شعورهم فألقتها في الحرم، وفيه أنه تقدم أن الحديبية أكثرها في الحرم، فاستبشروا بقبول عمرتهم.
-
وفي رواية «أنه صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الكتاب أمرهم بالنحر والحلق قال ذلك ثلاث مرات، فلم يقم منهم أحد، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها، أي وهو شديد الغضب فاضطجع. فقالت ما لك يا رسول الله مرارا وهو لا يجيبها، ثم ذكر لها ما لقي من الناس وقال لها: هلك المسلمون؛ أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا، وفي لفظ قال: عجبا يا أم سلمة، ألا ترين إلى الناس؟ آمرهم بالأمر فلا يفعلونه، قلت لهم: انحروا واحلقوا وحلوا مرارا فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي، فقالت: يا رسول الله لا تلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، ثم أشارت عليه صلى الله عليه وسلم أن يخرج ولا يكلم أحدا منهم وينحر بدنه ويحلق رأسه، ففعل كذلك: أي أخذ الحربة وقصد هديه وأهوى بالحربة إلى البدن رافعا صوته:
بسم الله والله أكبر، ثم دخل صلى الله عليه وسلم قبة له من أدم أحمر ودعا بخراش فحلق رأسه ورمى شعره على شجرة فأخذه الناس وتحاصوه، وأخذت أم عمارة رضي الله عنها طاقات منه، فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا ثم انصرف صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة أي بعد أن أقام بالحديبية تسعة عشر يوما؛ وقيل عشرين يوما.
-
فلما كان صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة أي بكراع الغميم أنزلت عليه سورة الفتح أي وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت
ج ٣ ص ٣٥عليه الشمس، وحصل للناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله جهدنا: أي أصابنا الجهد وهو المشقة من الجوع وفي الناس ظهر: أي إبل فانحره لنأكل من لحمه، ولندهن من شحمه، ولنحتذي من جلوده، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل، كيف بنا إذا لاقينا العدو غدا جياعا رجالا، أي ثم قال: ولكن إن رأيت أن تدعو الناس إلى أن يجمعوا بقايا أزوادهم ثم تدعو فيها بالبركة، فإن الله سيبلغها بدعوتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ابسطوا أنطاعكم وعبائكم ففعلوا، ثم قال: من كان عنده بقية من زاد أو طعام فلينثره، ودعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم، فأخذوا ما شاء الله، أي وحشوا أوعيتهم وأكلوا حتى شبعوا وبقي مثله حتى شبعوا وبقي مثله.
-
وفي مسلم «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فأخذنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم فجمعنا من أزوادنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع، فكان كربضة العنز» أي كقدر العنز وهي رابضة أي باركة «وكنا أربع عشرة مائة» وقال الراوي «فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جربنا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، والله لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجب من النار، وقال صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه:
هل من وضوء» بفتح الواو: وهو ما يتوضأ به «فجاء رجل باداوة» وهي الركوة «فيها نطفة من ماء» أي قليل من ماء، وقيل للماء نطفة لأنه ينطف أي يصب «فأفرغها في قدح، أي ووضع راحته الشريفة في ذلك الماء» قال الراوي «فتوضأنا كلنا، أي الأربع عشرة مائة ندغفقه دغفقة» أي نصبه صبا شديدا «ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرغ الوضوء» وإلى تكثير الطعام والماء أشار صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله في وصف راحته الشريفة:
أحييت المرملين من موت جهد ... أعوز القوم فيه زاد وماء
أي حفظت على المحتاجين للزاد والماء حياتهم، فسلموا من موت قحط شديد، أعوز القوم في ذلك القحط زاد وماء. وقال الإمام السبكي في تائيته في تكثير الماء:
وعندي يمين لا يمين يأنّ في ... يمينك وكفا حيثما السحب ضنت
ولما أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم سورة الفتح، قال له جبريل عليه السلام يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون وتكلم بعض الصحابة وقال: ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت وصدّ هدينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ذلك: بئس الكلام بل هو أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم، وسألوكم القضية
ج ٣ ص ٣٦ويربحوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظفركم الله عليهم، وردكم الله تعالى سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [آل عمران: الآية ١٥٣] وأنا أدعوكم في أخراكم ونسيتم يوم الأحزاب إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) [الأحزاب: الآية ١٠] فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، فهو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا، وقال له بعض الصحابة: أي وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله ألم تقل إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا لا، قال: فهو كما قال جبريل عليه السلام، فإنكم تأتونه وتطوفون به.
-
أقول: فيه أنه تقدم أن ذلك كان عن رؤيا لا عن وحي، إلا أن يقال: يجوز أن يكون جاءه صلى الله عليه وسلم الوحي بمثل ما رأى ثم أخبرهم بذلك والله أعلم.
-
وفي لفظ: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين وأخبرهم بذلك؛ فلما صدوا قالوا له: أين رؤياك يا رسول الله؟ فأنزل الله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [الفتح: الآية ٢٧] الآية.
-
أقول: ولا يخالف هذا ما تقدّم أن الرؤيا المذكورة كانت بالمدينة، وأنها السبب الحامل على الإحرام بالعمرة، لجواز تكرر الرؤيا، وأن الأولى اقترن بها الوحي.
-
وذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام القضية وحلق رأسه، قال: هذا الذي وعدتكم، فلما كان يوم الفتح وأخذ المفتاح قال: ادعو لي عمر بن الخطاب فقال:
هذا الذي قلت لكم.
-
ولما كان في حجة الوداع ووقف صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هذا الذي قلت لكم، وفيه أنه لم يتقدم في الرؤيا أنه صلى الله عليه وسلم يأخذ المفتاح، ولا أن يقف بعرفة. إلا أن يقال: يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك بعد الرؤيا، وأن المراد من ذلك مجرد دخول مكة؛ والله أعلم.
-
وأصابهم مطر في الحديبية لم يبلّ أسفل نعالهم، أي ليلا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن صلوا في رحالكم.
-
أي ووقع مثل ذلك في حنين أنه أصابهم مثله، فأمر صلى الله عليه وسلم مناديه، أن ينادي: ألا صلوا في رحالكم.
-
وقال صلى الله عليه وسلم صبيحة ليلة الحديبية لما صلى بهم «أتدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله
ج ٣ ص ٣٧ورسوله أعلم، قال: قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا برحمة الله وفضله فهو مؤمن بالله وكافر بالكواكب، ومن قال مطرنا بنجم كذا؛ وفي رواية: بنوء كذا وكذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي» وهذا عند أئمتنا مكروه لا حرام، أي لأن المراد بالإيمان شكر نعمة الله حيث نسبها إلى الله، والكفر كفران النعمة حيث نسبها لغيره، فإن اعتقد أن النجم هو الفاعل كان الكفر فيه على حقيقته وهو ضد الإيمان، والأوّل إنما نهي عنه لأنه كان من أمر الجاهلية، وإلا فهذا التركيب لا يقتضي أن يكون نوء كذا فاعلا، ومن ثم لو قال مطرنا في نوء كذا: أي في وقت نوء كذا لم يكره. وكان ابن أبي ابن سلول قال: هذا نوء الخريف، مطرنا بالشعرى، أي وسمي الخريف خريفا، لأنه تخترف فيها الثمار: أي تقطع. والنوء:
سقوط نجم ينزل في الغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق من أنجم المنازل، وذلك يحصل في كل ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة النجم المعروف، فإن لها أربعة عشر يوما، قال بعضهم: والأنواء ثمانية وعشرون نوآ: أي نجما، كان العرب يعتقدون أن من ذلك يحدث المطر أو الريح.
-
وفي الحديث «لو حبس الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله أصبح طائفة منهم به كافرين، يقولون مطرنا بنوء المجرّة» بكسر الميم: نجم يقال هو الدبران.
-
وعن أبي هريرة رضي الله عنه «إن الله ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها، فتصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا» .
-
ونقل عن عمر رضي الله عنه «أنه قال: مطرنا بنوء كذا» ولعله لم يبلغه النهي عن ذلك حيث قال.
قال العارف بالله ابن عطاء الله: لعل هذا يكون ناهيا لك أيها المؤمن عن التعرّض إلى علم الكواكب واقتراناتها، ومانعا لك أن تدّعي وجود تأثيراتها. واعلم أن الله فيك قضاء لا بد أن ينفذه وحكما لا بدّ أن يظهره، فما فائدة التجسس على غيب علام الغيوب، وقد نهانا سبحانه أن نتجسس على غيبه.
-
وصارت تلك الشجرة التي وقعت عندها البيعة يقال لها شجرة الرضوان، وبلغ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أي في خلافته أن ناسا يصلون عندها، فتوعدهم وأمر بها فقطعت: أي خوف ظهور البدعة.
-
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة هاجرت إليه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدّة، وكانت أسلمت بمكة وبايعت قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أوّل من هاجر من النساء بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وإنها خرجت من مكة وحدها وصاحبت رجلا من خزاعة حتى قدمت المدينة.
- ج ٣ ص ٣٨
وفي الاستيعاب: يقولون إنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة ولا يعرف لها اسم إلا هذه الكنية، وهي أخت عثمان بن عفان رضي الله عنه لأمه.
-
ولما قدمت المدينة دخلت أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة وتخوّفت أن يردها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل صلى الله عليه وسلم على أم سلمة أعلمته بها، فرحب بأم كلثوم رضي الله تعالى عنها، فخرج أخواها عمارة والوليد في ردها بالعهد، فقالا: يا محمد أوف لنا بما عاهدتنا عليه. فلم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، أي بعد أن قالت له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا امرأة وحال النساء إلى الضعف، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي، فنزل القرآن بنقض ذلك العهد بالنسبة للنساء لمن جاء منهم مؤمنا لكن بشرط امتحانهن بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ [الممتحنة: الآية ١٠] أي في مدة هذا العهد والصلح مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة: الآية ١٠] قال السهيلي رحمه الله: وكان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزة، ولا هاجرت إلا لله ولرسوله، وفي لفظ: كانت المرأة إذا جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر رضي الله عنه بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت لالتماس دنيا ولا لرجل من المسلمين، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله، فإذا حلفت لم ترد ورد صداقها إلى بعلها.
-
أي ولما قدم الوليد وعمارة مكة أخبرا قريشا بذلك، فرضوا أن تحبس النساء، ولم يكن لأم كلثوم رضي الله عنها زوج بمكة، فلما قدمت المدينة زوّجها زيد بن حارثة.
-
وفي رواية: لما كان صلى الله عليه وسلم بالحديبية جاءته جماعة من النساء المؤمنات مهاجرات من مكة، من جملتهنّ سبيعة بنت الحارث، فأقبل زوجها وهو مسافر المخزومي طالبا لها، وأراد، مشركو مكة أن يردّوهن إلى مكة، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة: الآية ١٠] فاستحلف صلى الله عليه وسلم وسبيعة فحلفت، فأعطى صلى الله عليه وسلم زوجها مسافرا ما أنفق عليها، فتزوّجها عمر رضي الله عنه. وهذا السياق يدل على أن الآية الكريمة نزلت بالحديبية، وما قبله يدل على أنها نزلت بالمدينة. وقد يقال: لا مانع من تكرر نزول الآية.
-
وأما في غير مدة هذا العهد، أي بعد نسخة بفتح مكة فلم تستحلف امرأة جاءت إلى المدينة ولا يرد صداقها إلى بعلها، ومن ثم ذهب أئمتنا إلى أنه إذا شرط رد المسلمة إليهم فسدت الهدنة كما تقدم، ولا يجب دفع المهر للزوج لو جاءت مسلمة، وقوله تعالى وَآتُوهُمْ [النّور: الآية ٣٣] أي الأزواج ما أَنْفَقُوا [البقرة: الآية ٢٦٢] أي من المهور محمول على الندب، والصارف له عن الوجوب كون الأصل براءة الذمة، لأن البضع ليس بمال للكافر.
- ج ٣ ص ٣٩
وفيه أن طلب رد المهور للأزواج كان واجبا في مدة العهد خاصة كما علمت، وأنزل الله تعالى وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: الآية ١٠] أي نهى المؤمنين عن البقاء على نكاح المشركات فطلق الصحابة رضي الله عنهم كل امرأة كافرة في نكاحهم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له امرأتان فطلقهما يومئذ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، فكان صلى الله عليه وسلم في مدة العهد يرد الرجال ولا يرد النساء، أي بعد امتحانهنّ. فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة أبو بصير رضي الله عنه، وكان ممن حبس بمكة، وكتب في رده أزهر بن عوف رضي الله عنه فإنه أسلم بعد ذلك وهو من الطلقاء، وهو عم عبد الرحمن بن عوف والأخنس بن شريق رضي الله عنه فإنه أسلم بعد ذلك كتابا، وبعث به رجلا من بني عامر يقال له خنيس ومعه مولى يهديه الطريق، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب، فقرأه أبيّ رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك، قال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني، قال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن حولك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق معهما، أي وصار المسلمون رضي الله عنهم يقولون له: الرجل يكون خيرا من ألف رجل يغرونه بالذين معه حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلس رضي الله عنه إلى جدار ومعه صاحباه، فقال أبو بصير رضي الله عنه لأحد صاحبيه ومعه سيفه: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم انظر إليه إن شئت، فاستله أبو بصير رضي الله عنه، ثم علاه به حتى قتله.
-
وفي لفظ: إن الرجل هو الذي سل سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوما إلى الليل؛ فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم فقال: ناولنيه أنظر إليه فناوله؛ فلما قبض عليه ضربه به حتى برد؛ وقيل تناوله بفيه وصاحبه نائم فقطع إساره أي كتافه؛ ثم ضربه به حتى برد؛ فطلب المولى فخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم والحصى يطنّ تحت قدميه. وفي لفظ: والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه، أي وأبو بصير في أثره حتى أزعجه؛ قال صلى الله عليه وسلم: إن هذا الرجل قد رأى فزعا؛ وفي لفظ قد رأى هذا ذعرا؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، قال له: ويحك ما لك؟ قال قتل صاحبكم صاحبي وأفلت منه ولم أكد وإني لمقتول واستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه؛ فإذا أبو بصير رضي الله عنه أناخ بعير العامري بباب المسجد؛ ودخل متوشحا السيف، ووثب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو
ج ٣ ص ٤٠يفتن بي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب حيث شئت، فقال: يا رسول الله هذا سلب العامري: أي الذي قتلته رحله وسيفه فخمسه، فقال له صلى الله عليه وسلم: إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، ومن ثم قال فقهاؤنا:
يجوز رد المسلم إلى الطالب له من غير عشيرته إذا قدر على قهر الطالب والهرب منه.
-
وعند ذلك ذهب أبو بصير رضي الله عنه إلى محل من طريق الشام تمر به عيرات قريش؛ واجتمع إليه جمع من المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة؛ أي إنهم لما بلغهم خبره رضي الله عنه؛ أي وأنه صلى الله عليه وسلم قال في حقه: ويل أمه مسعر حرب؛ أي لو كان معه رجال صاروا يتسللون إليه وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنهما الذي رده يوم الحديبية وخرج من مكة في سبعين فارسا أسلموا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المدة التي هي زمن الهدنة أي خوف أن يردهم إلى أهليهم، وانضم إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة وطوائف من العرب ممن أسلم حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، فقطعوا مادة قريش لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا أخذوها، حتى كتبت قريش له صلى الله عليه وسلم تسأله بالأرحام إلا آواهم ولا حاجة لهم بهم.
-
وفي رواية أن قريشا أرسلت أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه في ذلك وأن قريشا قالوا إنا أسقطنا هذا الشرط من الشروط، من جاء منهم إليك فأمسكه في غير حرج، أي وفي لفظ: من أتاه فهو آمن، فإنا أسقطنا هذا الشرط، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وإلى أبي بصير رضي الله عنهما أن يقدما عليه وأن من معهما من المسلمين يلحقوا ببلادهم وأهليهم، ولا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش ولا لعيراتهم، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وأبو بصير رضي الله عنه يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل رضي الله عنه مكانه، وجعل عند قبره مسجدا.
-
وقدم أبو جندل رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ناس من أصحابه، ورجع باقيهم إلى أهليهم. وأمنت قريش على عيراتهم وعلمت أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم الذين عسر عليهم رد أبي جندل إلى قريش مع أبيه سهيل بن عمرو أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مما أحبوه وأن رأيه صلى الله عليه وسلم أفضل من رأيهم، وعلموا بعد ذلك أن مصالحته صلى الله عليه وسلم كانت أولى، لأنها كانت سببا لكثرة المسلمين، فإن الكفار لما أمنوا القتال اختلطوا بالمسلمين فأثر فيهم الإسلام، فأسلم كثير منهم.
-
وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين أسلموا في سنتي الفتح بناء على أن المدة كانت سنتين أو المعنى سنتين من الصلح: أي من مدته يعدلون الذين أسلموا قبلهما.
ج ٣ ص ٤١قال: وعن بعضهم: أي وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول: ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية، ولكن الناس قصر رأيهم عما كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وربه، والعباد يعجلون والله لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. لقد رأيت سهيل بن عمرو رضي الله عنه بعد إسلامه في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينحرها بيده، ودعا الحلاق لحلق رأسه فانظر إلى سهيل كلما يلفظ من شعره صلى الله عليه وسلم يضعه على عينيه، وأذكر امتناعه أن يقرّ يوم الحديبية بأن يكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم أي وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمدت الله وشكرته الذي هداه للإسلام.
-
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون قد حصرنا المشركون، وكان لي وفرة فجعلت الهوام: أي القمّل تتساقط على وجهي، فمرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم» وفي رواية «ملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمّل يتناثر على وجهي» وفي رواية «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادنه، فدنوت يقول ذلك مرتين أو ثلاثا» وفي رواية «أتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وأنا أوقد تحت برمة» وفي لفظ «قدر لي، فقال: يؤذيك تؤذيك هوامّ رأسك؟ قال أجل، قال: احلق واهد هديا، فقال: ما أجد هديا، فقال صم ثلاثة أيام» وفي لفظ «فقال: أيؤذيك هوّام رأسك» وفي لفظ «لعلك آذاك هوامّ رأسك، قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، فأمرني أن أحلق» أي وفي رواية «أصابتني هوامّ في رأسي وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، حتى تخوّفت على بصري، وأنزل الله تعالى هذه الآية فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ [البقرة: الآية ١٩٦] أي فحلق فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: الآية ١٩٦] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق» أي زاد في رواية «من زبيب بين ستة مساكين» والفرق بفتح الفاء والراء:
ثلاثة آصع، أي زاد في رواية «من تمر، لكل مسكين نصف صاع، أو انسك» أي اذبح «ما تيسر لك» انتهى. زاد في رواية: «أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك فحلقت، ثم نسكت» .
-
أي وفي رواية الشيخين «انسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقا من الطعام على ستة مساكين» .
-
قال ابن عبد البر عامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وما ورد من الترتيب في بعض الأحاديث لو صح كان معناه الاختيار أولا فأولا.
قال الزمخشري في «سفر السعادة» : أمر صلى الله عليه وسلم في علاج القمّل بحلق الرأس لتنفتح المسام، وتتصاعد الأبخرة، وتضعف المادة الفاسدة التي يتولد القمل منها.
-
وذكر في الهدى أن أصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، والاستفراغ،
ج ٣ ص ٤٢فإلى الأول شرع التيمم خوفا من استعمال الماء. وإلى الثاني شرع الفطر في رمضان في السفر لئلا تتوالى مشقة السفر ومشقة الصوم. وإلى الثالث بحلق رأس المحرم إذا كان به أذى من قمل ليستفرغ المادة الفاسدة والأبخرة الرديئة.
-
وعند أئمتنا لا بد أن يكون ما يذبحه مجزئا في الأضحية وبعد الحديبية قبل خيبر، وقيل بعد خيبر نزلت آية الظهار قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: الآية ١] .