فتح مكة شرفها الله تعالى
٢٠٤ فقرة، ج ٣ ص ١٠٢
الصفحة ٢ من ٦
- ج ٣ ص ١١٦
ثم مرت بنو غفار بكسر الغين المعجمة، ثم أسلم، ثم بنو كعب، ثم مزينة، ثم جهينة ثم كنانة، ثم أشجع.
-
ولما مرت أشجع قال أبو سفيان للعباس: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد، قال العباس: أدخل الله الإسلام قلوبهم، فهذا فضل الله حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء للبسهم الحديد. والعرب تطلق الخضرة على السواد كما تطلق السواد على الخضرة، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد: أي فيها ألفا دارع وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: رويدا حتى يلحق أوّلكم آخركم. قال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، فقال أبو سفيان: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، فقلت: يا أبا سفيان إنها النبوّة،
ج ٣ ص ١١٧فقال: نعم إذن، ثم قلت له: النجاء بالفتح والمد إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة أم معاوية رضي الله تعالى عنهم، فأخذت بشاربه وقالت كلاما: معناه اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم.
-
أي وفي رواية أنها أخذت بلحيته ونادت: يا آل غالب اقتلوا الشيخ الأحمق، هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم؟ فقال لها: ويحك اسكتي وادخلي بيتك.
وقال: ويحكم، لا تغرّنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا قبحك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، أي وبهذا استدل على أن مكة فتحت صالحا لا عنوة. وبه قال إمامنا الشافعي رحمه الله. وقال غيره: فتحت عنوة.
-
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه حكيم بن حزام مع أبي سفيان بعد إسلامهما إلى مكة، وقال: من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن وكانت بأسفل مكة، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن وكانت بأعلى مكة، واستثنى صلى الله عليه وسلم جماعة أمر بقتلهم، وهم أحد عشر رجلا، أي وفي الإمتاع: ستة نفر، وأربع نسوة وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة: منهم عبد الله بن أبي سرح، وهو أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، وكان فارس بني عامر، وكان أحد النجباء الكرام من قريش رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك، وعبد الله بن خطل وقينتاه، وعكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، والحويرث بن نفيل، ومقبس بن حبابة، وهبار بن الأسود رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وكعب بن زهير رضي الله عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وهو صاحب بانت سعاد، والحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وهو أخو أبي جهل لأبويه، وزهير بن أمية رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وسارّة مولاة لبعض بني عبد المطلب رضي الله تعالى عنها فإنها أسلمت بعد ذلك وعاشت إلى خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وتقدم أنها كانت حاملة لكتاب حاطب بن أبي بلتعة، وصفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وزهير بن أبي سلمى: أي وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، ووحشي بن حرب رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك.
-
وفي رواية أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه كان معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أي على الأنصار.
- ج ٣ ص ١١٨
ولما مر على أبي سفيان وهو واقف بمضيق الوادي، قال أبو سفيان: من هذه؟
قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فلما حاذاه سعد قال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة: أي الحرب والقتال: اليوم تستحل الحرمة. وفي لفظ:
الكعبة، اليوم أذلّ الله قريشا، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: ورأيته مع الزبير رضي الله تعالى عنه، فلما مر بأبي سفيان وحاذاه أبو سفيان ناداه: يا رسول الله أمرت بقتل قومك، فإنه زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا أنه قاتلنا، فإنه قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا، أنشدك الله في قومك فأنت أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما: يا رسول الله فإنا لا نأمن من سعد أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا سفيان كذب سعد، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله فيه قريشا. أي وفي رواية: اليوم يعظم الله فيه الكعبة، اليوم تكسى فيه الكعبة، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة: أي أرسل عليا كرم الله وجهه أن ينزع اللواء منه ويدفعه لابنه قيس رضي الله تعالى عنهما. وقيل أعطاه للزبير، وقيل لعليّ كرم الله وجهه خشية أن يقع من ابنه قيس ما لا يرضاه صلى الله عليه وسلم، أي لأن قيسا رضي الله تعالى عنه كان من دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والبسالة والشجاعة. من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لما ولاه سيدنا عليّ كرّم الله وجهه بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه مصر لرأي العجب من وفور عقله، ومع ذلك كان له من الكرم ما لا مزيد عليه. وقفت له رضي الله تعالى عنه عجوز: وقالت له: أشكو إليك قلة الجرذان ببيتي. والجرذان بالذال المعجمة: نوع من الفئران، فقال: ما أحسن هذا السؤال وقال لها: لأكثرنّ الجرذان ببيتك، فملأ بيتها طعاما وأدما. وقيل قالت له:
مشت جرذان بيتي على العصيّ، فقال لها: لأدعهن يثبن وثبة الأسود، ثم ملأ بيتها طعاما، ولا مانع من تعدد الواقعة.
-
ومن هذا الوادي ما كتب به بعضهم إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين أشكو إليك الشرف. فقال له: ما أحسن ما استمنحت، وأعطاه عشرة آلاف درهم، فقيل له في ذلك؟ فقال: يسأل ما لا يقدر عليه، ويعتذر فلا يعذر.
-
ولما أشرف أبوه سعد رضي الله تعالى عنهما على الموت قسم ماله في أولاده، وكان له حمل لم يشعر به، فلما مات سعد وولد له ذلك الحمل كلمه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في أن ينقض ما صنع أبوه من تلك القسمة، فقال: نصيبي للمولود، ولا أغير ما صنع أبي، ولم يكن في وجه قيس رضي الله تعالى عنه شعر، وكان مع ذلك جميلا، وكانت الأنصار رضي الله تعالى عنهم تقول: وددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا. وكان له ديون على الناس كثيرة فلما مرض رضي الله
ج ٣ ص ١١٩تعالى عنه استبطأ عواده، فقيل له إنهم مستحيون من أجل دينك، فأمر مناديا ينادي:
كل من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجة كان يصعد عليها إليه.
-
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عن سعد إذ صار لابنه قيس رضي الله تعالى عنهما. قال: وروي أن سعدا أبى أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل صلى الله عليه وسلم إليه بعمامته. فدفع اللواء لابنه قيس رضي الله تعالى عنهما انتهى.
-
وفي صحيح البخاري أن كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه ومعه الراية ولم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة وهي أقل. وفي رواية الحميدي وهي أجلّ الكتائب بالجيم. قال في الأصل: وهي أظهر من رواية أقل، لأنها كانت خاصة المهاجرين، فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم والراية مع الزبير رضي الله تعالى عنه.
-
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل مع جملة من قبائل العرب من أسفل مكة، أي وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت. وقال: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو رضي الله عنهم، فإنهم أسلموا بعد ذلك قد جمعوا ناسا بالخندمة: وهو جبل بمكة ليقاتلوا، وكان من جملتهم رجل كان يعدّ سلاحا، ويصلح من شأنه، فتقول له زوجته، أي وقد كانت أسلمت سرا لماذا تعدّ ما أرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه، فتقول له: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم.
-
وفي تاريخ مكة للأزرقي قال رجل من قريش لامرأته وهي تبري نبالا له، وكانت أسلمت سرا، فقالت له: لم تبري هذا النبل؟ قال: بلغني أن محمدا يريد أن يفتح مكة ويغزوها، فلئن كان لأخدمنك خادما من بعض من أستأسره، فقالت له:
والله لكأني بك وقد رجعت تطلب مخبأ أخبئك فيه لو رأيت خيل محمد، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أقبل ذلك الرجل إليها، فقال: ويحك هل من مخبأة، فقالت له: فأين الخادم؟ فقال لها: دعي عنك، وأنشد الأبيات الآتية، هذا كلامه.
-
وسبب ذلك أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لما لقيهم بالمحل المذكور منعوه الدخول ورموه بالنبل، وقالوا له: لا تدخلها عنوة، فصاح خالد في أصحابه، فقتل من قتل وانهزم من لم يقتل، وكان من جملة من انهزم ذلك الرجل.
-
وفي رواية أنه لما دخل بيته قال لامرأته: أغلقي عليّ بابي، قالت: وأين ما كنت تقول؟ أين الخادم الذي كنت وعدتني، تسخر به؟ فقال:
- إنك لو شهدت يوم الخندمه
- عبارة الأزرقي:
- ج ٣ ص ١٢٠
وأنت لو أبصرتنا بالخندمه ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه
واستقبلتنا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضربا فلا تسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت حولنا وهمهمه
لا تنطقي في اللوم أدنى كلمه
والغمغة: الصوت الذي لا يفهم. والنهيت بالمثناة تحت وفوق: الزحير.
-
والهمهمة: صوت في الصدر.
-
أي واستمر خالد رضي الله تعالى عنه يدفعهم إلى أن وصل الحزورة إلى باب المسجد أي وصعدت طائفة منهم الجبل فتبعهم المسلمون، فرأى صلى الله عليه وسلم وهو على العقبة بارقة السيوف، فقال: ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ فقيل له: لعل خالدا قوتل وبدىء بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من يقاتله، وما كان يا رسول الله ليخالف أمرك، فقتل من المشركين أربعة وعشرون من قريش، وأربعة من هذيل.
-
وفي رواية جعل صلى الله عليه وسلم الزبير رضي الله تعالى عنه على إحدى المجنبتين: أي وهما الكتيبتان، تأخذ أحداهما اليمين والأخرى اليسار والقلب بينهما، وخالدا على الأخرى، وأبا عبيدة على الرجالة.
-
وفي لفظ: على الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد السين المهملة: أي الذين لا دروع لهم. قال في شرح مسلم: فهم رجالة لا دروع عليهم، وقد أخذوا بطن الوادي، ولعل ذلك كان قبل الدخول إلى مكة، فلا ينافي ما سيأتي أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير رضي الله تعالى عنه راية، وأمره أن يغرزها بالحجون، لا يبرح حتى يأتيه في ذلك المحل وفي ذلك المحل بني مسجد يقال له مسجد الراية.
-
وقد بوّشت قريش أبواشا: أي جمعوها من قبائل شتى، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وقال له. اهتف: أي صح لي بالأنصار، فهتف بهم، فجاؤوا وطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم بيديه إحداهما على الأخرى: احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا: أي ودخلوا من أعلى مكة. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء وما أحد يوجه إلينا منهم شيئا. وفي لفظ: فما نشاء أن نقتل أحدا منهم إلا قتلناه: أي لا يقدر أن يدفع عن نفسه، فجاء أبو سفيان رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش: أي لا جماعة لقريش بعد اليوم، لأن الجماعة المجتمعة يعبر عنها بالسواد الأعظم، فيقال السواد الأعظم، ويعبر عنها بالخضرة كما هنا، فالمراد جماعة قريش، وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من أغلق بابه فهو آمن» .
ج ٣ ص ١٢١قال: ووجه صلى الله عليه وسلم اللوم على خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه. وقال له: لم قاتلت وقد نهيت عن القتال؟ قال: هم يا رسول الله بدؤونا بالقتال ورمونا بالنبل، ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت ما استطعت، ودعوتهم إلى الإسلام فأبوا، حتى إذا لم أجد بدا من أن أقاتلهم فظفرنا الله بهم فهربوا من كل وجه.
-
وفي لفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الأنصار عنده: يا فلان، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ائت خالد بن الوليد وقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن لا تقتل بمكة أحدا، فجاء الأنصاري فقال: يا خالد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن لا تقتل من لقيت من الناس، فاندفع خالد فقتل سبعين رجلا بمكة. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من قريش فقال: يا رسول الله هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم. قال: ولم؟ قال: هذا خالد بن الوليد لا يلقى أحدا من الناس إلا قتله، قال: ادع لي خالدا، فدعاه له، فقال: يا خالد ألم أرسل إليك أن لا تقتل أحدا؟ قال: بل أرسلت إن اقتل من قدرت عليه. قال صلى الله عليه وسلم: ادع لي الأنصاري، فدعاه له، فقال: أما أمرتك أن تأمر خالدا أن لا يقتل أحدا، قال: بلى ولكنك أردت أمرا وأراد الله غيره، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل للأنصاري شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كف عن الطلب، قال: قد فعلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضى الله أمرا، ثم قال: كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر، وهي الساعة التي أحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
أي وهذه المقاتلة التي وقعت لخالد رضي الله تعالى عنه لا تنافي كون مكة فتحت صالحا كما تقدم، أي لأنه صلى الله عليه وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة.
-
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن» فهو من زيادة الاحتياط لهم في الأمان.
-
وقوله احصدوهم حصدا محمول على من أظهر من الكفار القتال ولم يقع قتال، ومن ثم قتل خالد رضي الله تعالى عنه من قاتل من الكفار، وإرادة علي كرم وجهه قتل الرجلين اللذين أمنتهما أخته أم هانىء كما سيأتي لعله تأول فيهما شيئا أو جرى منهما قتال له وتأمين أم هانىء لهما من تأكيد الأمان الذي وقع للعموم، فلا حجة في كل ما ذكر على أن مكة فتحت عنوة كما قاله الجمهور.
-
وقيل أعلاها فتح صالحا: أي الذي سلكه أبو هريرة والأنصار لعدم وجود المقاتلة فيه، وأسلفها الذي سلكه خالد رضي الله عنه فتح عنوة لوجود المقاتلة فيه كما تقدم.
- ج ٣ ص ١٢٢
ودخل صلى الله عليه وسلم مكة وهو راكب على ناقته القصواء: أي مردفا أسامة بن زيد بكرة يوم الجمعة معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، واضعا رأسه الشريف على رحله تواضعا لله تعالى، حين رأى ما رأى من فتح الله تعالى مكة وكثرة المسلمين، ثم قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة» .
-
وقيل دخل صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه المغفر، وقيل وعليه عمامة سوداء حرقانية قد أرخى طرفيها بين كتفيه بغير إحرام، ورايته سوداء ولواؤه أسود.
-
وعن جابر رضي الله تعالى عنه: «كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة أبيض» وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «كان لواؤه يوم الفتح أبيض. ورايته سوداء تسمى العقاب» أي وهي التي كانت بخيبر، وتقدم أنها كانت من برد عائشة.
-
وعنها رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من كداء» بفتح الكاف والمد والتنوين «من أعلى مكة» وهذا هو المعروف خلافا لمن قال إنه دخل من أسفل مكة، وهي ثنية كدى بضم الكاف والقصر والتنوين، وسيأتي أنه عند الخروج خرج صلى الله عليه وسلم من هذه، وبهذا استدل أئمتنا على أنه يستحب دخول مكة من الأولى، والخروج منها من الثانية، أي واغتسل صلى الله عليه وسلم لدخول مكة كما حكاه إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم، وبه استدل على استحباب الغسل لداخل مكة ولو حلالا أي وسيأتي ذلك عن أم هانىء رضي الله تعالى عنها، أي وكان شعار المهاجرين «يا بني عبد الرحمن» وشعار الخزرج «يا بني عبد الله» وشعار الأوس «يا بني عبيد الله» أي شعارهم الذي يعرف به بعضهم بعضا في ظلمة الليل، وعند اختلاط الحرب لو وجد.
-
ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة واطمأن الناس، قال وذلك بالحجون: موضع ما غرز الزبير رضي الله تعالى عنه رايته صلى الله عليه وسلم عند شعب أبي طالب الذي حصرت فيه بنو هاشم، أي وبنو المطلب قبل الهجرة، بقبة من أدم نصبت له هناك ومعه صلى الله عليه وسلم فيها أم سلمة وميمونة زوجتاه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهما.
-
فعن جابر رضي الله تعالى عنه: «لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوت مكة وقف، فحمد الله وأثنى عليه ونظر إلى موضع قبته، وقال: هذا منزلنا يا جابر حيث تقاسمت قريش علينا، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فذكرت حديثا كنت سمعته منه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بالمدينة: «منزلنا إذا فتح الله تعالى علينا مكة في خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» : أي لأنّ قريشا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما تقدم في قصة الصحيفة انتهى، وفيه أنه سيأتي في حجة الوداع أنهم تحالفوا بالمحصب.
- ج ٣ ص ١٢٣
ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم، قال يوم النحر وهو بمنى: «نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» يعني بالمحصب. وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. قال: «يا رسول الله أين تنزل غدا؟ أتنزل في دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من دار؟» وتقدم ما يغني عن إعادته هنا، فكان صلى الله عليه وسلم يأتي المسجد من الحجون لكل صلاة، وكان دخوله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الاثنين.
-
فقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، ووضع الحجر يوم الاثنين، وخرج من مكة: أي مهاجرا يوم الاثنين، أي ودخل المدينة يوم الاثنين، ونزلت عليه سورة المائدة يوم الاثنين.
-
ثم سار صلى الله عليه وسلم وإلى جانبه أبو بكر رضي الله تعالى عنه يحادثه ويقرأ سورة الفتح حتى جاء البيت وطاف به سبعا على راحلته، أي ومحمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه آخذ بزمامها ليستلم الحجر بمحجن في يده.
-
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنما لكل حي من أحياء العرب صنم قد شد إبليس أقدامها بالرصاص، فجاء صلى الله عليه وسلم ومعه قضيب، فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه» وفي لفظ «لقفاه» وفي لفظ فما أشار لصنم من ناحية وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع على وجهه من غير أن يمسه بما في يده، يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: الآية ٨١] حتى مر عليها كلها» .
-
وفي رواية: «فأقبل صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت وفي يده قوس أخذ بسيته» والسية: ما انعطف من طرف القوس «فأتى صلى الله عليه وسلم في طوافه على صنم إلى جنب البيت: أي من جهة بابه يعبدونه وهو هبل وكان أعظم الأصنام فجعل يطعن بها في عينيه، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: الآية ٨١] أي فأمر به صلى الله عليه وسلم فكسر، فقال الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه لأبي سفيان: قد كسر هبل، أما إنك قد كنت في يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم، فقال أبو سفيان رضي الله تعالى عنه: دع هذا عنك يا ابن العوام، فقد أرى لو كان مع إله محمد صلى الله عليه وسلم غيره لكان غير ما كان، أي وانتهى صلى الله عليه وسلم إلى المقام وهو يؤمئذ لاصق بالكعبة» .
قال: وعن علي كرم الله وجهه، قال: «انطلق بي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا حتى أتى الكعبة، فقال: اجلس، فجلست إلى جنب الكعبة، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكبي، ثم قال: انهض فنهضت، فلما رأى ضعفي تحته، قال اجلس. فجلست، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا علي اصعد على منكبي، ففعلت» أي وفي رواية: «أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله وجهه اصعد على منكبي واهدم الصنم، فقال، يا رسول الله، بل اصعد أنت فإني
ج ٣ ص ١٢٤أكرمك أن أعلوك، فقال: إنك لا تستطيع حمل ثقل النبوة فاصعد أنت، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فصعد علي كرم الله وجهه على كاهله ثم نهض به» قال علي: فلما نهض بي، فصعدت فوق ظهر الكعبة، وتنحى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي وخيل لي حين نهض بي أني لو شئت لنلت أفق السماء أي وفي رواية: قيل لعلي كرم الله وجهه: كيف كان حالك، وكيف وجدت نفسك حين كنت على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان من حالي أني لو شئت أن أتناول الثريا لفعلت، وعند صعوده كرم الله وجهه، قال له صلى الله عليه وسلم: ألق صنمهم الأكبر وكان من نحاس، أي وقيل من قوارير أي زجاج.
-
وفي رواية: «لما ألقى الأصنام لم يبق إلا صنم خزاعة موتدا بأوتاد من الحديد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عالجه فعالجته وهو يقول: إيه إيه جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: الآية ٨١] فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه فقذفته فتكسر.
-
أقول: وهذا السياق يدل على أن الصنم غير هبل وأن هبل ليس أكبر أصنامهم، بل هذا أكبر منه ولم أقف على اسمه.