فتح مكة شرفها الله تعالى
٢٠٤ فقرة، ج ٣ ص ١٠٢
الصفحة ٣ من ٦
- ج ٣ ص ١٢٤
ومما يدل على أن الذي كسر هو هبل قول الزبير رضي الله تعالى عنه كما تقدم لأبي سفيان أن هبل الذي كنت تفتخر به يوم أحد قد كسر، قال: دعني ولا توبخني، لو كان مع إله محمد إله آخر لكان الأمر غير ذلك.
-
وفي الكشاف: ألقاها جميعها وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من قوارير صفر، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا علي ارم به، فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا أسحر من محمد» .
-
وفي خصائص العشرة لصاحب الكشاف زيادة، وهي: ونزلت من فوق الكعبة وانطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم نسعى، وخشينا أن يرانا أحد من قريش هذا كلامه، وهذا يدل على أن ذلك لم يكن يوم فتح مكة فليتأمل.
-
وفي الكشاف أيضا: كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، لكل قوم صنم بحيالهم.
-
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «كانت لقبائل العرب أصنام يحجون إليها وينحرون لها، فشكا البيت إلى ربه عز وجل، فقال: يا رب إلى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك؟ فأوحى الله تعالى إلى البيت: إني سأحدث لك نوبة جديدة، فلأملؤك خدودا سجدا يدفون إليك دفيف النسور، ويحنون إليك حنين الطير إلى بيضها، لهم عجيج حولك بالبيت» هذا كلامه.
-
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة، أي بعد أن أرسل بلالا رضي الله تعالى عنه إلى
ج ٣ ص ١٢٥عثمان بن أبي طلحة يأتي بمفتاح الكعبة إلى آخر ما سيأتي، وبعد أن محيت منها الصور، أي فإنه صلى الله عليه وسلم أمر عمر رضي الله تعالى عنه وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، وكان عمر رضي الله تعالى عنه قد ترك صورة إبراهيم، فقال صلى الله عليه وسلم: يا عمر ألم آمرك أن لا تترك فيها صورة؟ قاتلهم الله حيث جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) [آل عمران: الآية ٦٧] هذا.
-
وفي كلام سبط ابن الجوزي، قال الواقدي رحمه الله: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما أن يقدما إلى البيت، وقال لعمر: لا تدع صورة حتى تمحوها إلا صورة إبراهيم هذا كلامه، فليتأمل.
-
وفي رواية، عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، قال: «دخلت على صلى الله عليه وسلم في الكعبة فرأى صورا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمحوها» أي وتلك الصور هي صور الملائكة وصور إبراهيم وإسمعيل في أيديهما الأزلام يستقسمان بها، أي وإسحاق وبقية الأنبياء كما تقدم في بنيان قريش الكعبة وصورة مريم، فقال: «قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون، قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بالأزلام قط» أي ولا منافاة لأنه يجوز أن يكون عمر رضي الله تعالى عنه ترك مع صورة إبراهيم إسمعيل ومريم وصور الملائكة، ووجد صورة حمامة من عيدان بفتح العين المهملة وكسرها بيده ثم طرحها، ودعا بزعفران فلطخه بتلك التماثيل: أي بموضعها، وصلى بها ركعتين بين اسطوانتين، وفي لفظ: بين العمودين اليمانيين، وفي لفظ: المقدمين، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع انتهى.
-
أي وفي الترمذي: «دخل صلى الله عليه وسلم البيت وكبر في نواحيه ولم يصل» وفي رواية لمسلم: «دخل صلى الله عليه وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن أبي طلحة» زاد في رواية «والفضل بن العباس» قال الحافط ابن حجر: وفي رواية شاذة: «فأغلقوا عليهم الباب» وفي لفظ آخر «فأغلقا» أي عثمان وبلال فأجاف: «أي أغلق عليهم عثمان الباب» وجمع بأن عثمان هو المباشر لذلك، لأنه من وظيفته، وبلال رضي الله تعالى عنه كان مساعدا له في الغلق.
-
أي ولما دخلوا كان خالد بن الوليد يدب الناس وهو واقف على باب الكعبة.
قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالا فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، وذهب عني أن أسأله كم صلى؟
-
وهذا يدل على أن قول بلال رضي الله تعالى عنه إنه صلى الله عليه وسلم صلى أتى بالصلاة المعهودة لا الدعاء كما ادعاه بعضهم.
-
وفي كلام السهيلي في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلى فيها
ج ٣ ص ١٢٦ركعتين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين» أي بين الباب والحجر الذي هو الملتزم، وقال: هذه القبلة، فبلال رضي الله تعالى عنه مثبت للصلاة في الكعبة، وأسامة رضي الله تعالى عنه ناف، والمثبت مقدم على النافي، على أنه جاء أن أسامة رضي الله تعالى عنه أخبر أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم في الكعبة.
-
وأجيب بأن أسامة حيث أثبت اعتمد قول بلال، وحيث نفى اعتمد ما عنده، أي وفي مجمع الزوائد للحافظ الهيتمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فصلى بين الساريتين ركعتين، ثم خرج فصلى بين الباب والحجر ركعتين، ثم قال: هذه القبلة، ثم دخل صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقام يدعو ولم يصلّ» فالنقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اختلف. وسبب الاختلاف تعدد دخوله صلى الله عليه وسلم، ففي المرة الأولى دخل وصلى، وفي المرة الثانية دخل ولم يصلّ، وهذا السياق يدل على أن ذلك كان يوم الفتح.
-
وفي كلام بعضهم: رواية ابن عباس ورواية بلال رضي الله تعالى صحيحتان، لأنه صلى الله عليه وسلم دخلها يوم النحر فلم يصلّ، ودخلها من الغد فصلى، وذلك في حجة الوداع هذا كلامه فليتأمل. أي ثم إنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى مقام إبراهيم وكان لاصقا بالكعبة فصلى ركعتين، ثم أخره على ما تقدم ودعا صلى الله عليه وسلم بماء فشرب منه وتوضأ.
-
وفي لفظ: «ثم انصرف صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فاطلع فيها وقال: لولا أن تغلب بنو عبد المطلب» أي يغلبهم الناس على وظيفتهم وهي النزع من زمزم «لنزعت منها دلوا» أي فإن الناس يقتدون به صلى الله عليه وسلم في ذلك مع أن النزع من وظيفته بني عبد المطلب، وانتزع له العباس رضي الله تعالى عنه دلوا فشرب منه وتوضأ، فابتدر المسلمون يصبون على وجوههم.
-
وفي لفظ لا تسقط قطرة إلا في يد إنسان إن كان قدر ما يشربها شربها وإلا مسح بها جلده، والمشركون يقولون: ما رأينا ولا سمعنا ملكا قط بلغ هذا.
-
ولما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد أي والناس حوله خرج أبو بكر وجاء بأبيه رضي الله تعالى عنهما يقوده، وقد كان كف بصره، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه؟ وفي لفظ: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه تكرمة لأبي بكر، فقال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، فأجلسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: أسلم تسلم، فأسلم رضي الله تعالى عنه، وهنأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بإسلام أبيه رضي الله تعالى عنهما، أي وعند ذلك قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: والذي
ج ٣ ص ١٢٧بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه، يعني أباه أبا قحافة، وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك كذا في الشفاء، وكان رأس أبي قحافة ولحيته بيضاء كالثغامة، فقال: غيروهما، وجنبوهما السواد. أي وفي رواية:
«واجتنبوا السواد» وجاء: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود والنصارى» وفي رواية:
«اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» وجاء: «إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم» وعن أنس رضي الله تعالى عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خضب بالحناء والكتم» قال ابن عبد البر رحمه الله: والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم لم يخضب، ولم يبلغ من الشيب ما يخضب له. وقد اختصب أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالحناء والكتم.
-
واختضب عمر رضي الله تعالى عنه بالحناء. وجاء: «يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا وخالفوا أهل الكتاب» وكان عثمان رضي الله تعالى عنه يصفر. وعن أنس رضي الله تعالى عنه «دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبيض الرأس واللحية، فقال ألست مؤمنا؟ قال بلى، قال: فاختضب» لكن قيل إنه حديث منكر. وجاء «من اختضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة» قيل إنه حديث منكر. وجاء «يكون آخر الزمان رجال من أمتي يغيرون بالسواد لا ينظر الله إليهم يوم القيامة» قيل هو غريب جدا.
قال بعضهم: ولعل من خضب بالسواد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كسعد بن أبي وقاص والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم، أي وعقبة بن عامر المدفون بمصر قال بعضهم: ليس بمصر قبر صحابي متفق عليه إلا قبر عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، فإنه كان يخضب بالسواد وهو القائل في ذلك:
تسوّد أعلاها وتأبى أصولها ... ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل
وكان واليا على مصر من جهة معاوية رضي الله تعالى عنه، فعزله بمسلمة بن مخلد وأمره بالغزو في البحر.
-
وكان عقبة رضي الله تعالى عنه يقول: ما أنصفنا معاوية، عزلنا وغرّبنا لم يبلغهم النهي أو فهموا أن النهي للكراهة.
-
وقد جاء: «أول من جزع من الشيب إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين رآه فى عارضه، فقال عليه الصلاة والسلام: يا رب ما هذه الشوهة التى شوهت بخليلك؟
-
فأوحى الله إليه: هذا سربال الوقار، ونور الإسلام، وعزتي وجلالي ما ألبسته أحدا من خلقي يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي إلا استحيت منه يوم القيامة، أن أنصب له ميزانا، وأنشر له ديوانا أو أعذبه بالنار، فقال: يا رب زدني، فأصبح رأسه مثل الثغامة البيضاء» وفي المشكاة قال صلى الله عليه وسلم: «يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد لا يجدون رائحة الجنة» رواه أبو داود والنسائي، أي وفي
ج ٣ ص ١٢٨الكلام ابن الجوزي رحمه الله: أول من خضب بالسواد فرعون، ومن أهل مكة أي من العرب عبد المطلب بن هاشم. وعن عمر رضي الله تعالى عنه: «اخضبوا بالسواد، فإنه أنكى للعدوّ وأحب للنساء» فليتأمل.
-
وكان لأبي بكر رضي الله تعالى عنه أخت صغيرة في عنقها طوق من فضة اقتلعه إنسان من عنقها، فأخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه بيد أخته وقال: أنشدتكم بالله وبالإسلام طوق أختي، فما أجابه أحد، ثم قال الثانية والثالثة، فما أجابه أحد، فقال رضي الله تعالى عنه: يا أختاه احتسبي طوقك، فو الله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل. قال بعضهم: ولم يعش لأبي قحافة رضي الله تعالى عنه ولد ذكر إلا أبو بكر، ولا يعرف له بنت إلا أم فروة التي أنكحها أبو بكر من الأشعث بن قيس، وكانت قبله تحت تميم الداري، وهي هذه المذكورة هنا.
-
وقيل كانت له بنت أخرى تسمى عريبة. وعليه فيحتمل أن تكون هي المذكورة هنا وتقدم إسلام أبي بكر رضي الله تعالى عنهما لما كان المسلمون في دار الأرقم، وأمه بنت عم أبيه. قال بعضهم: لم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالده وجميع أبنائه وبناته غير أبي بكر. وبنوه ثلاثة: عبد الله وهو أكبرهم، مات أول خلافة والده. وعبد الرحمن ومحمد رضي الله تعالى عنهم. ولد محمد في حجة الوداع وهو المقتول بمصر، وبناته ثلاثة أيضا: أسماء، وهي أكبرهن، وهي شقيقة عبد الله وعائشة، وهي شقيقة عبد الرحمن. وأم كلثوم رضي الله تعالى عنهم وعنهن.
-
مات أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهي ببطن أمها، وقد أنزل الله تعالى في حقه رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف: الآية ١٥] الآيات. قال بعضهم: لا يعرف في الصحابة أربعة أسلموا وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد أبو الذي بعده إلا في بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أبو قحافة وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن، وابن عبد الرحمن محمد، ويكنى بأبي عتيق.
-
أي وقد قيل: إن قيل: هل تعرفون أربعة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في نسق: أي من الذكور كلّ ابن الذي قبله؟ أجيب بأنهم هؤلاء الأربعة: أبو قحافة، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن، وابن عبد الرحمن محمد، وبقولنا من الذكور لا يردّ ما أورد على ذلك أن هذا يصدق على أبي قحافة وابنه أبي بكر وبنته أسماء وابنها عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم، نعم يرد على ذلك حارثة أبو زيد فإنه أسلم على ما ذكره الحافظ المنذري، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه وابنه زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد، وجاء أسامة بولد في حياته صلى الله عليه وسلم، أي ويحتاج إلى إثبات كونه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك المولود إلا أن يقال كان من شأنهم إذا ولد لأحدهم مولود جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ج ٣ ص ١٢٩فيحنكه ويسميه، خصوصا وهذا المولود ابن حب الحب، ولم أقف على اسم هذا المولود، فليراجع في أسماء الصحابة.
-
وحينئذ يقال لأجل عدم ورود من ذكر ليس لنا أربعة ذكور معروفة أسماؤهم، وبعد الوقوف على اسم ذلك المولود يقال لأجل عدم الورود: ليس لنا أربعة ليسوا من الموالي إلا أبو قحافة وابنه أبو بكر وابن أبي بكر عبد الرحمن وابن عبد الرحمن محمد أبو عتيق فليتأمل.
-
لا يقال: هذا موجود في غير بيت الصديق، فقد ذكروا في الصحابة أربعة كذلك: أي ذكور، كل واحد أبو الذي بعده، عرفت أسماؤهم وليس فيهم مولى، وهم إياس بن سلمة بن عمرو بن لال.
-
لأنا نقول: المراد المتفق على صحبتهم، وهؤلاء لم يقع الاتفاق على صحبتهم.
-
ومن الفوائد المستحسنة أنه ليس في الصحابة، قال بعضهم: بل ولا في التابعين من اسمه عبد الرحيم، وثلاثة ذكور أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم على نسق، وهم السائب والد إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه، وأبوه عبيد، وجده عبد يزيد.
-
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، والأنصار تحته. قال بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، فنزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم بما ذكر القوم، فلما قضي الوحي رفع صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: يا معشر الأنصار قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: فما اسمي إذن، أي إن فعلت ذلك كيف اسمي؟ وأوصف بأني عبد الله ورسوله، كلا لا أفعل ذلك إني عبد الله ورسوله، أي ومن كان هذا وصفه لا يفعل ذلك، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا إليه صلى الله عليه وسلم يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنّ: أي البخل بالله وبرسوله: أي لا نسمح أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير بلدتنا، يعنون المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم.
-
وفي رواية أن الأنصار رضي الله تعالى عنهم قالوا فيما بينهم: أترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله أرضه وبلده يقيم بهما، فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من دعائه قال: ماذا قلتم؟
-
قالوا لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم» .
-
أي وتقدم له صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة نظير ذلك، وهو أن الأنصار قالوا: يا رسول
ج ٣ ص ١٣٠الله هل عسيت إن نحن نصرناك وأظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم والهدم.
-
وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتل عبد الله بن أبي سرح، لأنه كان أسلم قبل الفتح، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أملى عليه سميعا بصيرا كتب عليما حكيما، وإذا أملى عليه حكيما كتب غفورا رحيما، وكان يفعل مثل هذه الخيانات حتى صدر عنه أنه قال: إن محمدا لا يعلم ما يقول، فلما ظهرت خيانته لم يستطع أن يقيم بالمدينة فارتدّ وهرب إلى مكة. وقيل إنه لما كتب: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) [المؤمنون: الآية ١٢] إلى قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون:
الآية ١٤] تعجب من تفصيل خلق الإنسان فنطق بقوله: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: الآية ١٤] قبل إملائه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب ذلك، هكذا أنزلت، فقال عبد الله: إن محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ، فارتد ولحق بمكة، فقال لقريش:
إني كنت أصرف محمدا كيف شئت كان يملي عليّ عزيز حكيم. فأقول أو عليم حكيم، فيقول نعم كل صواب، وكل ما أقوله يقول اكتب، هكذا نزلت، فلما كان يوم الفتح وعلم بإهدار النبي صلى الله عليه وسلم دمه لجأ إلى عثمان بن عفان أخيه من الرضاعة، فقال له: يا أخي استأمن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يضرب عنقي، فغيبه عثمان رضي الله عنه حتى هدأ الناس واطمأنوا، فاستأمن له، ثم أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فصار عثمان رضي الله عنه يقول: يا رسول الله أمنته والنبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ثم قال: نعم، فبسط يده فبايعه، فلما خرج عثمان وعبد الله قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: أعرضت عنه مرارا، ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، وقال صلى الله عليه وسلم لعباد بن بشر وكان نذر إن رأى عبد الله قتله، أي وقد أخذ بقائم السيف ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه أن يقتله، فقال له صلى الله عليه وسلم: «انتظرتك أن تفي بنذرك» ، قال: يا رسول الله خفتك، أفلا أومضت إليّ، فقال «إنه ليس لنبي أن يومض» . وفي رواية: «الإيماء خيانة ليس لنبي أن يومي» . وفي رواية: «لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» أي وهذا يدل على أن خائنة الأعين الإيماء بالعيون: أي أن يومي بطرفه خلاف ما يظهره بكلامه وهو اللمز هذا.
-
وقيل إنه أسلم وبايع والنبي صلى الله عليه وسلم بمرّ الظهران، وصار يستحي من مقابلته صلى الله عليه وسلم فقال لعثمان: أما بايعته وأمنته؟ قال بلى، ولكن يذكر جرمه القديم فيستحي منك، قال: «الإسلام يجبّ ما قبله» وأخبره عثمان رضي الله عنه بذلك، ومع ذلك فصار إذا جاء جماعة للنبي صلى الله عليه وسلم يجيء معهم ولا يجيء إليه منفردا.
-
وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل لأنه كان ممن أسلم: أي قدم المدينة قبل فتح مكة وأسلم، وكان اسمه عبد العزى، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ الصدقة، وأرسل معه رجلا من الأنصار يخدمه. وفي لفظ: كان معه مولى
ج ٣ ص ١٣١يخدمه، وكان مسلما فنزل منزلا وأمره أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما ونام ثم استيقظ فلم يجده صنع له شيئا وهو نائم فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان شاعرا يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعره، وكانت له قينتان تغنيانه بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى يصنعه.
-
وقد قيل إنه ركب فرسه لابسا للحديد، وأخذ بيده قناة وصار يقسم لا يدخلها محمد عنوة، فلما رأى خيل الله دخله الرعب، فانطلق إلى الكعبة فنزل عن فرسه وألقى سلاحه ودخل تحت أستارها فأخذ رجل سلاحه، وركب فرسه، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون، وأخبره خبره، فأمر بقتله.
-
وقيل لما طاف صلى الله عليه وسلم بالكعبة قيل هذا ابن خطل معلقا بأستار الكعبة، فقال:
«اقتلوه فإن الكعبة لا تعيذ عاصيا، ولا تمنع من إقامة حد واجب» أي فقتله سعد بن حريث وأبو برزة.
-
وقيل قتلة الزبير رضي الله عنه، وقيل سعد بن ذؤيب، وقيل سعد بن زيد. قال في النور: والظاهر اشتراكهم فيه جميعا جمعا بين الأقوال.
-
وأمر صلى الله عليه وسلم بقتل قينتيه، فقتلت إحداهما واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم للأخرى فأمنها وأسلمت.