فتح مكة شرفها الله تعالى

٢٠٤ فقرة، ج ٣ ص ١٠٢

الصفحة ٥ من ٦

  1. وابن أخ كريم، وقد قدرت» أي وفي لفظ: «لما خرج صلى الله عليه وسلم من الكعبة يوم الفتح وضع يده على عضادتي الباب ثم قال: ماذا تقولون؟ ماذا تظنون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرا ونظن خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، فقال: أقول كما قال أخي يوسف لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف: الآية ٩٢] وفي لفظ «فإني أقول كما قال أخي يوسف لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: الآية ٩٢] اذهبوا فأنتم الطلقاء» أي الذين أطلقوا فلم يسترقوا ولم يؤسروا. والطليق في الأصل، الأسير إذا أطلق؟ فخرجوا فكأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام.

    قال: وذكر أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه أرسل بلالا رضي الله تعالى عنه إلى عثمان بن طلحة يأتي بمفتاح الكعبة، فجاء إلى عثمان فأخبره، فقال إنه عند أمي، فرجع بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن المفتاح عند أمه، فبعث إليها رسولا، فقالت: لا واللات والعزى لا أدفعه أبدا، فقال عثمان: يا رسول الله أرسلني أخلصه لك منها، فأرسله، فجاء إليها فطلبه منها، فقالت: لا واللات والعزى لا أوصله إليك أبدا، فقال: يا أمه ادفعيه إليّ فإنه قد جاء أمر غير ما كنا عليه، إن لم تفعلي قتلت أنا وأخي ويأخذه منك غيري، فأدخلته حجرتها وقالت: أي رجل يدخل يده ههنا، أي وقالت له: أنشدك الله أن لا يكون ذهاب مأثرة قومك على يديك، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم ينتظر حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، فبينما هو يكلمها إذ سمعت صوت أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الدار، وعمر رضي الله عنه رافعا صوته وهو يقول: يا عثمان اخرج، فقالت: يا بني خذ المفتاح، فإن تأخذه أحب إليّ من أن تأخذه تيم وعدي: أي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فأخذه عثمان، فخرج يمشي حتى إذا كان قريبا من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عثر عثمان فسقط منه المفتاح، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المفتاح فحنى عليه وتناوله، أي وفي رواية:

    فاستقبلته ببشر، واستقبلني ببشر فأخذه مني وفتح الكعبة. وفي رواية أنه قال له: هاك المفتاح بأمانة الله. وفي لفظ: لما أبت أمه أن تعطيه المفتاح، قال: والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من منكبي، فلما رأت ذلك أعطته إياه، فجاء به ففتح عثمان له الباب.

    ج ٣ ص ١٤١
  2. ويحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها، وقد أشار صاحب الهمزية رحمه الله تعالى إلى بعض هذه القصة بقوله:

    صرعت قومه حبائل بغي ... مدها المكر منهم والدهاء

    فأتتهم خيل إلى الحرب تختا ... ل وللخيل في الوغى خيلاء

    ج ٣ ص ١٤٢قصدت منهم القنا فقوافي الطع ... ن منها ما شأنها الايطاء

    وأثارت بأرض مكة نقعا ... ظن أن الغدو منها عشاء

    أحجمت عنده الحجون وأكدى ... دون إعطائه القليل كداء

    ودهت أوجها بها وبيوتا ... ملّ منها الإقواء والإكفاء

    فدعوا أحلم البرية والعف ... وجواب الحليم والإغضاء

    ناشدوه القربى التي من قريش ... قطعتها الترات والشحناء

    فعفا عفو قادر لم ينغص ... هـ عليهم بما مضى إغراء

    وإذا كان القطع والوصل ... لله تساوى التقريب والإقصاء

    وسواء عليه فيما أتاه ... من سواه الملام والإطراء

    ولو إن انتقامه لهوى النف ... س لدامت قطيعة وجفاء

    قام لله في الأمور فأرضى ... الله عنه تباين ووفاء

    فعله كله جميل وهل ين ... ضح إلا بما حواه الإناء

    أي ألقت قومه الذين لم يؤمنوا به بين يديه حبائل بغيهم التي مدها المكر والدهاء حالة كون ذلك منهم، فبسبب مكرهم أتتهم من قبله خيل تتبختر بها راكبوها إلى الحرب والخيل عليها الشجعان كبر وترفع في الحرب، قصدت في أبدانهم الرماح، فبسبب قصدها بهم كانت الطعنات المشبهة بالقوافي في تتابعها حالة كون ذلك الطعن من تلك الرماح، ما عابها الإيطاء: أي لم يعدم وجوده فيها. والإيطاء في القافية: تكريرها متحدة اللفظ والمعنى وهو معيب على الشاعر، لأنه يدل على قصوره. والطعنات المتوالية في محل واحد تدل على قصر ساعد الشجاع. ورفعت تلك الخيل غبارا أظلم الجو حتى ظن أن وقت الغدو من تلك الغبرة وقت العشاء، وذلك بأرض مكة عند فتحها، أمسكت عند ذلك الغبار لكثرته الحجون، وهو كداء بالفتح والمد: أعلى مكة لكثرة ما أعطاه صلى الله عليه وسلم الناس، وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم القليل من الناس كداء بالضم والمد: وهو أسفل مكة، وهذه لغة فيه قليلة، وعند ذلك قلّ غباره، وأهلكت تلك الخيول أوجها من الناس بمكة ممن أباح دمه ومن قاتل، وأهلكت بيوتا كان أهل مكة يرجعون إليها. ملّ من تلك البيوت: خلوّها عن أنس بها والرجوع إليها، وعند ذلك طلبوا منه العفو عما مضى منهم، وجواب الحليم لمن سأله العفو عنه العفو. وإرخاء الجفون من الحياء، وحلفوه بالقربى التي وصلت إليه من بطون قريش، وهم ولد النضر بن كنانة التي قطعتها المقاتلة والتباغض والتحاسد، فبسبب ذلك عفا صلى الله عليه وسلم عفو قادر، لم يكدر ذلك العفو عنهم إغراء سفهائهم به حالة

    ج ٣ ص ١٤٣كون ذلك الإغراء منهم فيما مضى، وإذا كان القطع والوصل لله تساوى عند فاعل ذلك التقريب للأقارب والبعداء والإبعاد للأقارب والبعداء، والذي تقريبه وإبعاده لله لا لغيره يستوي عنده سبه والمبالغة في مدحه إذا أتاه ذلك من غيره، ومن ثم لو كان انتقامه لهوى النفس الأمارة بالسوء لاستمرت قطيعه الرحم ودام إبعاده لها. كيف وقد قام لله في أموره كلها، فبسبب ذلك أرضى الله تباين منه صلى الله عليه وسلم لأعدائه ووفاء لأوليائه، فعله صلى الله عليه وسلم كله جميل. ولا بدع في ذلك، إذ ما يسيل مما في الإناء على ظاهره إلا ما كان في تلك الإناء ممن امتلأ قلبه خيرا كانت أفعاله كلها خيرا ومن امتلأ قلبه شرا كانت أفعاله كلها شرا.

  3. ثم جلس صلى الله عليه وسلم في المسجد ومفتاح الكعبة في يده في كمه، فقام إليه علي كرم الله وجهه، فقال: يا رسول الله اجمع لنا. وفي لفظ: اجمع لي الحجابة مع السقاية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أعطيكم ما تبذلون فيه أموالكم للناس: أي وهو السقاية، لا ما تأخذون فيه من الناس أموالهم، وهي الحجابة لشرفكم وعلو مقامكم.

  4. وفي رواية: أن العباس رضي الله عنه تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم أي منهم علي كرم الله وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين عثمان بن طلحة فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء» .

  5. وقيل نزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النّساء: الآية ٥٨] في شأن عثمان بن طلحة رضي الله عنه، ودفع المفتاح له: أي لما أخذه عليّ كرم الله وجهه، وقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: «أكرهت وآذيت» ، وأمره صلى الله عليه وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، فقد أنزل الله في شأنك: أي أنزل الله عليه ذلك في جوف الكعبة، وقرأ عليه الآية، ففعل عليّ كرم الله وجهه ذلك.

  6. وسياق هذه الرواية يدل على أن عليا كرم الله وجهه أخذ المفتاح على أن لا يرده لعثمان، فلما نزلت الآية أمره صلى الله عليه وسلم أن يرد المفتاح لعثمان.

  7. والسقاية كما تقدم كانت أحواضا من أدم يوضع فيها الماء العذب لسقاية الحاج، ويطرح فيها التمر والزبيب في بعض الأوقات.

  8. وفي كلام الأزرقي: كان لزمزم حوضان: حوض بينها وبين الركن يشرب منه، وحوض من ورائه للوضوء، أي ولعل هذا كان بعد الفتح.

  9. والسقاية قام بها العباس رضي الله عنه بعد موت أبيه عبد المطلب، وقام بها بعده ولده عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وقد تكلم فيها محمد ابن الحنفية مع ابن عباس، فقال له ابن عباس: ما لك ولها؟ نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام، قام بها العباس بعد موت أبيه عبد المطلب، وأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس يوم

    ج ٣ ص ١٤٤الفتح، واستمر المفتاح مع عثمان رضي الله عنه إلى أن أشرف على الموت ولم يعقب، دفعه إلى أخيه شيبة، ومن ثم عرفت ذريته بالشيبيين، أي وفي رواية: «دفع صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة إلى عثمان وإلى شيبة ابن عمه، وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم» .

  10. أي وكون شيبة ابن عم عثمان هو الموافق لقول الحافظ ابن حجر: الشيبيون نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة.

  11. فأبو طلحة له ولدان عثمان وطلحة، أتى عثمان بشيبة، وأتى طلحة بعثمان.

  12. وفي كلام ابن الجوزي ما يوافقه، وهو أن عثمان لما هاجر إلى المدينة وأسلم سنة ثمان لم يزل مقيما بالمدينة حتى خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة. أي وقد تقدم «ثم رجع إلى المدينة، ولم يزل مقيما بها حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى مكة واستمر مقيما بها حتى مات بها في أول خلافة معاوية رضي الله عنه، فلم يزل عثمان رضي الله عنه يلي فتح البيت إلى أن أشرف على الموت دفع المفتاح إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عمه، فبقيت الحجابة في ولد شيبة، وكان عثمان بن طلحة هذا خياطا وهي صناعة نبي الله إدريس عليه الصلاة والسلام.

  13. وفي رواية: «أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا عثمان بن طلحة، وقال له: أرني المفتاح، فأتاه به: فلما بسط يده إليه قام العباس فقال: يا رسول الله اجعله لي مع السقاية فكف عثمان يده، فقال صلى الله عليه وسلم: أرني المفتاح، فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى فكف عثمان يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله» ولعل هذا كان قبل دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة، فيكون طلب العباس رضي الله عنه أن يكون المفتاح له تكرر قبل دخوله الكعبة وبعده. وفي رواية: «أنه قال ائتني بالمفتاح، قال: فأتيته به، فأخذه ثم دفعه إليّ وقال: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» .

  14. وفي لفظ غيره: «أن الله رضي لكم بها في الجاهلية والإسلام، إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم لا ينزعها منكم إلا ظالم» وفي رواية: «لا يظلمكموها إلا كافر» ولا مانع أن يكون ذلك بعد أن دفعه علي كرم الله وجهه له بأمره صلى الله عليه وسلم، وكأنه صلى الله عليه وسلم أحب أن يؤدي الأمانة بيده الشريفة من غير واسطة. وقال له: «يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف، فقال عثمان رضي الله عنه: فلما وليت ناداني، فرجعت إليه، فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟ قال رضي الله عنه: فذكرت قوله صلى الله عليه وسلم لي بمكة قبل الهجرة» .

  15. وقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يدخل الكعبة مع الناس وكنا نفتحها في الجاهلية يوم الاثنين

    ج ٣ ص ١٤٥والخميس، فلما أقبل ليدخلها أغلقت عليه ونلت منه وحلم عليّ. ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت، فقلت: قد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال صلى الله عليه وسلم: بل عمرت وعزت يومئذ، فوقعت كلمته صلى الله عليه وسلم مني موقعا وظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال صلى الله عليه وسلم. قال: فلما قال لي يوم الفتح ذلك، قلت: بلى أشهد أنك رسول الله.

  16. وفي رواية: «أنه صلى الله عليه وسلم دخل يومئذ الكعبة ومعه بلال، فأمره أن يؤذن: أي للظهر على ظهر الكعبة وأبو سفيان وعتاب بن أسيد. وفي لفظ: خالد بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد أي أو خالد بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون يسمع هذا العبد فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لا تبعته. أي وفي رواية أنه قال ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا، ولا مانع من وجود الأمرين منه، أي وتقدم في عمرة القضاء وقوع مثل ذلك من جماعة لما أذن بلال رضي الله عنه على ظهر الكعبة أيضا، أي وقال غير هؤلاء من كفار قريش لقد أكرم الله فلانا يعني أباه إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة. وفي لفظ: والله، الحدث العظيم أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بيته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال: أما أنت يا فلان فقد قلت كذا، وأما أنت يا فلان فقد قلت كذا، وأما أنت يا فلان فقد قلت كذا، فقال أبو سفيان؟ أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئا، فضحك رسول الله فقالوا نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد معنا فنقول أخبرك.

  17. وجاء: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أبي سفيان وهو في المسجد، فلما نظر إليه أبو سفيان قال في نفسه ليت شعري بأيّ شيء غلبني؟ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حتى ضرب يده بين كتفيه، فقال: بالله غلبتك يا أبا سفيان: فقال أبو سفيان: أشهد أنك رسول الله، وصار بعض قريش يستهزئون ويحكون صوت بطلال غيظا، وكان من جملتهم أبو محذورة رضي الله عنه، وكان من أحسنهم صوتا، فلما رفع صوته بالأذامن مستهزئا سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به فمثل بين يديه وهو يظن أنه مقتول، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته وصدره بيده الشريفة، قال: فامتلأ قلبي والله إيمانا ويقينا، فعلمت أنه رسول الله، فألقى عليه صلى الله عليه وسلم الأذان وعلمه إياه، وأمره أن يؤذن لأهل مكة، وكان سنة ست عشرة سنة وعقبة بعده يتوارثون الأذان بمكة، وتقدم أن أذان أبي محذورة وتعليمه صلى الله عليه وسلم الأذان كان مرجعه من حنين، وتقدم طلب تأمل الجمع بينهما.

  18. وفي تاريخ الأزرقي: أن جويرية بنت أبي جهل قالت عند أذان بلال على ظهر

    ج ٣ ص ١٤٦الكعبة: والله لا نحب من قتل الأحبة، ولقد جاء لأبي الذي جاء لمحمد من النبوة فردها، ولم يرد خلاف قومه.

  19. وعن الحارث بن هشام قال: «لما أجارتني أم هانىء، وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم جوارها فصار لا أحد يتعرض لي، وكنت أخشى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فمر عليّ وأنا جالس، فلم يتعرض لي، وكنت أستحي أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أذكر برؤيته إياي في كل موطن مع المشركين، فلقيته وهو داخل المسجد، فلقيني بالبشر، فوقف حتى جئته فسلمت عليه وشهدت شهادة الحق، فقال: الحمد لله الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإسلام» .

  20. وجاءه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح السائب بن عبد الله المخزومي، أي وقيل عبد الله بن السائب بن أبي السائب، وقيل السائب بن عويمر، وقيل قيس بن السائب بن عويمر.

    قال في الاستيعاب: وهذا أصح ما قيل في ذلك إن شاء الله تعالى، وكان شريكا له صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، فقال: فأخذ عثمان وغيره يثنون عليّ، فقال صلى الله عليه وسلم لهم: لا تعلموني به، كان صاحبي. وفي لفظ: لما أقبلت عليه قال: مرحبا بأخي وشريكي. كان لا يداري، ولا يماري، قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تتقبل منك: أي لتوقف صحتها على الإسلام، وهي الأعمال المتوقفة على النية التي شرطها الإسلام وهي اليوم تتقبل منك، أي لوجود الإسلام.

  21. وأرسل سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه ولده عبد الله ليأخذ له أمانا منه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أبي تؤمنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم هو آمن بالله فليظهر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: «من لقي سهيل بن عمرو فلا يحد إليه النظر، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهل الإسلام» فخرج ابنه عبد الله إليه فأخبره بقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال سهيل: كان والله برا صغيرا برا كبيرا، فكان سهيل رضي الله تعالى عنه يقبل ويدبر، وخرج إلى حنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على شركه حتى أسلم بالجعرّانة.

  22. وذكر أن فضالة بن عمير بن الملوح حدّث نفسه بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح. قال: فلما دنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال يا فضالة، قال فضالة: نعم يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده الشريفة على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة رضي الله تعالى عنه يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إليّ منه.

    قال: ولما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بعد الظهر مسندا ظهره الشريف إلى الكعبة.

  23. وقيل كان على راحلته، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أيها الناس إن الله تعالى قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرة، ولم تحل لأحد كان قبلي، ولم تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة» أي من صبيحة يوم الفتح إلى العصر غضبا على أهلها «ألا قد رجعت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها فقولوا له: إن الله قد أحلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحلها لكم» .

    ج ٣ ص ١٤٧
  24. وقد جاء في صحيح مسلم: «لا يحل أن يحمل السلاح بمكة، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله، ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة» وهو ابن الأقرع الهذلي من بني بكر فإنه دخل مكة وهو على شركه فعرفته خزاعة فأحاطوا به، فطعنه منهم خراش بمشقص في بطنه حتى قتله، فلامه صلى الله عليه وسلم وقال «لو كنت قاتلا مسلما بكافر لقتلت خراشا» أي والمشقص ما طال من النصال وعرض. قال ابن هشام: وبلغني أنه أول قتيل وداه النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه أنه تقدم في خيبر أنه ودى قتيلا. وقال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: «لا نغزي مكة بعد اليوم إلى يوم القيامة» قال العلماء: أي على الكفر: أي لا يقاتلوا على أن يسلموا، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره» .

  25. ولما أسلمت هند رضي الله تعالى عنها عمدت إلى صنم كان في بيتها وجعلت تضربه بالقدوم وتقول: كنا منك في غرور.

  26. ثم بعث صلى الله عليه وسلم السرايا إلى كسر الأصنام التي حول مكة، أي لأنهم كانوا اتخذوا مع الكعبة أصناما جعلوا لها بيوتا يعظمونها كتعظيم الكعبة، وكانوا يهدون لها كما يهدون للكعبة، ويطوفون بها كما يطوفون بالكعبة، فكان في كل حي صنم، من ذلك كما تقدم: العزى، وسواع، ومناة، وسيأتي الكلام على ذلك في السرايا إن شاء الله تعالى.

  27. أي وفي هذا العام الذي هو عام الفتح كانت غزوة أوطاس، وأوطاس: هي هوازن. وحلل صلى الله عليه وسلم المتعة ثم بعد ثلاثة أيام حرمها. ففي صحيح مسلم عن بعض الصحابة «لما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتعة خرجت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة غيطاء» وفي لفظ «مثل البكرة الغطنطية، فعرضنا عليها أنفسنا. فقلنا لها:

    هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ فقالت: ما تدفعان؟ قلنا بردينا» وفي لفظ: «رداءينا،

    ج ٣ ص ١٤٨فجعلت تنظر فتراني أجمل من صاحبي وترى برد صاحبي أحسن من بردي، فإذا نظرت إليّ أعجبتها، وإذا نظرت إلى برد صاحبي أعجبها، فقالت: أنت وبردك تكفيني فكنت معها ثلاثا» .

  28. والحاصل أن نكاح المتعة كان مباحا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى يوم القيامة. وكان فيه خلاف في الصدر الأول ثم ارتفع، وأجمعوا على تحريمه وعدم جوازه.

    قال بعض الصحابة: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما بين الركن والباب وهو يقول:

    أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» أي لكن في مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي وعمر» . وفي رواية عنه: حتى نهى عنه عمر رضي الله تعالى عنه. وقد تقدم في غزاة خيبر عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة، وهو يدل على أن إباحتها عام الفتح كانت بعد تحريمها بخيبر ثم حرمت به، وهذا يعارض ما تقدم أن الصحيح أنها حرمت في حجة الوداع.

  29. إلا أن يقال: يجوز أن تحريمها في حجة الوداع تأكيدا لتحريمها عام الفتح، فلا يلزم أن تكون أبيحت بعد تحريمها أكثر من مرة كما يدل عليه كلام إمامنا الشافعي، لكن يخالفه ما في مسلم عن بعض الصحابة «رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهى عنها» .

  30. وقد يقال: مراد هذا القائل بعام أوطاس عام الفتح، لأن غزاة أوطاس كانت في عام الفتح كما تقدم، وما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من جوازها رجع عنه. فقد قال بعضهم: والله ما فارق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الدنيا حتى رجع إلى قول الصحابة في تحريم المتعة، ونقل عنه رضي الله تعالى عنه أنه قام خطيبا يوم عرفة فقال: أيها الناس إن المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير.

  31. والحاصل أن المتعة من الأمور الثلاثة التي نسخت مرتين. الثاني لحوم الحمر الأهلية. الثالث القبلة كذا في «حياة الحيوان» .

    قال: واستقرض صلى الله عليه وسلم من ثلاثة نفر من قريش: أخذ من صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه خمسين ألف درهم. ومن عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم. ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فرقها صلى الله عليه وسلم في أصحابه من أهل الضعف ثم وفاها مما غنمه من هوازن وقال: «إنما جزاء السلف الحمد والأداء» اهـ.

  32. أي «وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة أي بعد فتحها تسعة عشر، وقيل ثمانية عشر يوما» واعتمده البخاري «يقصر الصلاة في مدة إقامته» . وبهذا الثاني قال أئمتنا إن من أقام بمحل لحاجة يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يوما غير يومي الدخول والخروج، ولعل سبب إقامته المدة المذكورة أنه كان يترجى حصول المال الذي فرقه في أهل الضعف من أصحابه، فلما لم يتم له ذلك خرج من مكة إلى حنين لحرب هوازن.

    ج ٣ ص ١٤٩
  33. وجاء إليه صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص، وقد أخذ بيد ابن وليدة زمعة ومعه عبد بن زمعة، فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إليّ أنه ابنه:

    أي قال إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه مني فاقبضه إليك، فقال عبد بن زمعة: يا رسول الله هذا أخي ابن وليدة أبي زمعة ولدته على فراشه: أي مع كونها فراشا له، فنظر صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الولد فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال لعبد بن زمعة: هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراش أبيك زمعة «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وقال لزوجته سودة بنت زمعة «احتجبي منه يا سودة لما رأى عليه من شبه عتبة: أي فخشي أن يكون ابن خاله فأمرها بالاحتجاب ندبا واحتياطا، فلم يرها حتى لقي الله. وفي بعض الروايات «احتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ» .

  34. وسرقت امرأة فأراد صلى الله عليه وسلم قطعها ففزع قومها إلى أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهم يستشفعون به، فلما كلمه أسامة فيها تلون وجهه صلى الله عليه وسلم وقال: «أتكلمني في حد من حدود الله تعالى؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، ثم قام صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه» وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها» . وفي كلام بعضهم: كانت العرب في الجاهلية يقطعون يد السارق اليمنى.

  35. وولى صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه وعمره إحدى وعشرون سنة أمر مكة، وأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس، وهو أول أمير صلى بمكة بعد الفتح جماعة، وترك صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه بمكة معه معلما للناس السنن والفقه.

  36. في الكشاف، وعنه صلى الله عليه وسلم: «أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال:

    انطلق فقد استعملتك على أهل الله، أي وقال ذلك ثلاثا» فكان رضي الله عنه شديدا على المريب لينا على المؤمن، وقال: والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة: يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا، فقال صلى الله عليه وسلم: «إني

    ج ٣ ص ١٥٠رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها فأعز الله به الإسلام فنصرته للمسلمين على من يريد ظلمهم» هذا.

  37. وفي تاريخ الأزرقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد رأيت أسيدا في الجنة وأني أي كيف يدخل أسيد الجنة فعرض له عتاب بن أسيد، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا الذي رأيت، ادعوه لي، فدعى له. فاستعمله يومئذ على مكة، ثم قال: يا عتاب أتدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل الله فاستوص بهم خيرا يقولها ثلاثا» .

  38. فإن قيل: كيف يقول صلى الله عليه وسلم عن أسيد إنه رآه في الجنة ثم يقول عن ولد أسيد إنه الذي رآه في الجنة، قلنا لعل عتابا كان شديد الشبه بأبيه أسيد، فظن صلى الله عليه وسلم عتابا أباه، فلما رآه عرف أنه عتاب لا أسيد.

  39. وفي كلام سبط ابن الجوزي: عتاب بن أسيد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة لما خرج إلى حنين وعمره ثماني عشرة سنة. وفي كلام غيره ما يفيد أنه صلى الله عليه وسلم إنما استخلف عتاب بن أسيد وترك معه معاذ بن جبل بعد عوده من الطائف وعمرته من الجعرانة، إلا أن يقال: لا مخالفة، ومراده باستخلافه إبقاءه على ذلك، وينبغي أن يكون ما تقدم عن الكشاف من قول أهل مكة له صلى الله عليه وسلم: «لقد استخلفت على أهل الله عتاب بن أسيد» إلى آخره بعد إبقائه على استخلافه لما لا يخفى.

  40. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن أسيدا والد عتاب واليا على مكة مسلما فمات على الكفر، فكانت الرؤيا لولده، كما تقدم مثل ذلك في أبي جهل وولده عكرمة رضي الله تعالى عنه.