فتح مكة شرفها الله تعالى
٢٠٤ فقرة، ج ٣ ص ١٠٢
الصفحة ٤ من ٦
- ج ٣ ص ١٣١
والحويرث بن نقيذ، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ويعظم القول في أذيته، وينشد الهجاء، وكان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه حمل فاطمة وأم كلثوم بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد بهما المدينة فنخس الحويرث البعير الحامل لهما فرمى به الأرض، قتله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في ذلك اليوم وقد خرج يريد أن يهرب.
-
ومقيس بن ضبابة إنما أمر بقتله، لأنه كان قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما طالبا لديه أخيه هشام بن ضبابة رضي الله عنه، قتله رجل من الأنصار في غزوة ذي قرد خطأ يظنه من العدو، ودفع له النبي صلى الله عليه وسلم دية أخيه، ثم إنه عدا على الأنصاري قاتل أخيه فقتله بعد أن أخذ دية أخيه ثم لحق بمكة مرتدا كما تقدم، قتله ابن عمه ثميلة بن عبد الله الليثي، أي بعد أن أخبر ثميلة بأن مقيسا مع جماعة من كبار قريش يشربون الخمر، فذهب إليه فقتله، وذلك بردم بني جمح، وقيل قتل وهو معلق بأستار الكعبة.
-
وأما هبار بن الأسود رضي الله عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفهاء من قريش حين بعث بها زوجها أبو العاص إلى المدينة، فأهوى إليها هبار ونخس بعيرها.
- ج ٣ ص ١٣٢
وفي رواية: ضربها بالرمح فسقطت من على الجمل على صخرة، أي وكانت حاملا فألقت ما في بطنها وأهراقت الدماء، ولم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت كما تقدم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن لقيتم هبارا فأحرقوه» ، ثم قال: «إنما يعذب بالنار رب النار» . إن ظفرتم به فاقطعوا يده ورجله ثم اقتلوه فلم يوجد يوم الفتح ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه. ويذكر أنه لما أسلم وقدم المدينة مهاجرا جعلوا يسبونه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سب من سبك فانتهوا عنه» وهذا السياق يدل على إنه أسلم قبل أن يذهب إلى المدينة.
-
وفي لفظ: ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاء هبار رافعا صوته وقال: «يا محمدا أنا جئت مقرا بالإسلام وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» واعتذر إليه أي قال له صلى الله عليه وسلم بعد أن وقف عليه وقال: السلام عليك يا نبي الله لقد هربت منك في البلاد فأدرت اللحوق بالأعجام، ثم ذكرت عائدتك وفضلك في صفحك عمن جهل عليك، وكنا يا نبي الله أهل شرك فهدانا الله بك، وأنقذنا بك من الهلكة، فاصفح عن جهلي وعما كان مني فأني مقر بسوء فعلي، معترف بذنبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا هبار عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجب ما كان قبله» .
-
وقوله مهاجرا، فيه أنه لا هجرة بعد فتح مكة، إلا أن يقال هي مجاز عن مجرد الانتقال عن محل إلى آخر أخذا مما يأتي إن شاء الله في عكرمة.
-
وأما عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه فإنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر بقتله لأنه كان أشد الناس هو وأبوه أذية للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس على المسلمين، ولما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمه فرّ إلى اليمن فاتبعته امرأته بنت عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد أن أسلمت فوجدته في ساحل البحر يريد أن يركب السفينة، وقيل وجدته في السفينة فردته، أي بعد أن قالت له: يا ابن عم جئتك من عند أوصل الناس، وأبرّ الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك، فقد استأمنت لك، فجاء معها فأسلم وحسن إسلامه أي بعد أن قال: يا محمد هذه يعني زوجتي أخبرتني أنك أمنتني، قال:
صدقت إنك آمن، فقال عكرمة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله وطأطأ رأسه من الحياء، فقال له صلى الله عليه وسلم: يا عكرمة ما تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتكه قال: استغفر لي كل عداوة عاديتكها، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو منطق تكلم به، أي ولما قدم عليه صلى الله عليه وسلم وثب صلى الله عليه وسلم إليه قائما فرحا به، أي ورمى صلى الله عليه وسلم رداءه وقال: مرحبا بمن جاء مؤمنا مهاجرا، وكان بعد ذلك من فضلاء الصحابة.
-
وفي «بهحة المجالس في أنس الجالس» لابن عبد البر رحمه الله: أنه صلى الله عليه وسلم رأى
ج ٣ ص ١٣٣في منامه أنه دخل الجنة، ورأى فيها عذقا فأعجبه وقال: لمن هذا؟ فقيل لأبي جهل فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم وقال: لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، فلما جاءه عكرمة بن جهل مسلما فرح به، وأول ذلك العذق لعكرمة. والعكرمة: الأنثى من الحمير واستدل بذلك على تأخر الرؤيا، وأنها تكون لعير من ترى له. قال: وصار عكرمة قبل إسلامه يطلب امرأته أم حكيم يجامعها فتأبى وتقول: أنت كافر وأنا مسلمة، والإسلام حائل بيني وبينك فقال: إن أمرا منعك عني لأمر كبير، أي ولما قتل عكرمة رضي الله عنه في اليرموك في قتال الروم وانقضت عدتها تزوجها خالد بن سعيد، وأراد أن يدخل بها، فجعلت تقول له: لو أخرت الدخول حتى يفض الله هذه الجموع يعني الروم، فقال خالد: إن نفسي تحدثني أن أصاب في جموعهم، قالت: فدونك، فدخل بها في خيمته، فما أصبح الصبح إلا والروم قد اصطفت، فخرج خالد رضي الله عنه، فقاتل حتى قتل، فشدت أم حكيم عليها ثيابها، وأخذت عمود الخيمة التي دخل بها خالد فيها، فقتلت بها سبعة من الروم، وقال صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم عليه عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه: «يأتيكم عكرمة مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه فإن سبّ الميت يؤذي الحي ولا يلحق الميت» انتهى. أي وفي رواية: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» وفي أخرى: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء» وفي أخرى: «اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم» .
-
وجاء أنه شكا إليه صلى الله عليه وسلم قولهم عكرمة بن أبي جهل، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» وقد كان قبل إسلامه بارز رجلا من المسلمين فقتله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له بعض الأنصار: ما أضحكك يا رسول الله وقد فجعنا بصاحبنا؟ فقال: أضحكني أنهما في درجة واحدة في الجنة، ومن ثم قتل عكرمة شهيدا في قتال الروم في وقعة اليرموك كما مر.
-
وسارة رضي الله عنها، فإنها أسلمت، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتلها، لأنها كانت مغنية بمكة، وكانت تغني بهجائه صلى الله عليه وسلم، وهي التي وجد معها كتاب حاطب، وقد استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها وأسلمت كما تقدم.
-
والحارث بن هشام وزهير بن أمية، استجارا بأم هانىء بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه شقيقته ولم تكن أسلمت إذ ذاك فأراد عليّ قتلهما.
-
فعنها رضي الله عنها أنها قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إليّ رجلان من أحمائي: أي من أقارب زوجها هبيرة بن أبي وهب مستجيران بي فأجرتهما. وذكر الأزرقي بدل زهير بن أمية عبد الله بن أبي ربيعة، فدخل عليّ أخي علي بن أبي طالب فقال: والله لأقتلنهما، أي وقال: تجيري المشركين، فحلت بينه وبينهما. فخرج فأغلقت عليهما بيتي ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فوجدته
ج ٣ ص ١٣٤يغتسل من جفنة فيها أثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت أم هانىء بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانىء، وفي الرواية الأولى:
فلما اغتسل أخذ ثوبه وتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم أقبل عليّ، فقال: مرحبا وأهلا بأم هانىء، ما جاء بك؟ فأخبرته الحديث، فقال: «أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت فلا نقتلهما» وفي البخاري أيضا «أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل في بيتها ثم صلى الضحى ثمان ركعات» أي ولما ذكر ذلك لابن عباس رضي الله عنهما قال:
إني كنت أمر على هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ [ص: الآية ١٨] فأقول أيّ صلاة صلاة الإشراق؟ فهذه صلاة الإشراق. وفي لفظ: ما عرفت صلاة الإشراق إلا الساعة، وهذا يدل لما أفتى به والد شيخنا الرملي رحمهما الله تعالى أن صلاة الضحى صلاة الإشراق، خلافا لما في العباب من أنها غيرها. ويحتاج للجمع بين هذه الرواية والتي قبلها على ثبوت صحتهما، وبهذه الواقعة قال المحاملي من أئمتنا في كتابه اللباب الذي هو أصل التنقيح الذي هو أصل التحرير: ومن دخل مكة وأراد أن يصلي الضحى أول يوم اغتسل وصلاها كما فعله عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة. وبه ألغز فقيل: شخص يستحب له الاغتسال لصلاة الضحى في مكان خاص.
-
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها: أي أصليها.
-
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أم هانىء، وهذا ينازع فيه ما يأتي أن صلاة الضحى مما اختص بوجوبها صلى الله عليه وسلم.
-
وأسلمت أم هانىء ذلك اليوم الذي هو يوم الفتح. أي وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لها:
«هل عندك من طعام نأكله؟ قالت: ليس عندي إلا كسر يابسة وأنا أستحي أن أقدمها إليك، فقال: هلمي بهن، فكسرهن في ماء، وجاءت بملح فقال: هل من أدم، فقالت: ما عندي يا رسول الله إلا شيء من خل، فقال: هلميه، فصبه على الكسر وأكل منه، ثم حمد الله، ثم قال: نعم الأدم الخل. يا أم هانىء لا يقفر بيت فيه خل» .
-
أي وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا الخل فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: «نعم الأدم الخل» وفي الحديث عن جابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: «إن الله يوكل بآكل الخل ملكين يستغفران له حتى يفرغ» وجاء «نعم الأدم الخل، اللهم بارك في الخل، فإنه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خل» .
-
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: «أخذني رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج ٣ ص ١٣٥بيدي ذات يوم إلى بعض حجر نسائه فدخل، ثم أذن لي فدخلت، فقال: هل من غداء؟ فقالوا نعم، فأتي بثلاثة أقرصة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرصا فوضعه بين يديه، وأخذ قرصا فوضعه بين يديّ، ثم أخذ الثالث فكسره، فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي، ثم قال صلى الله عليه وسلم: هل من أدم؟ فقالوا: لا إلا شيء من خل، قال: هاتوه، فنعم الأدم الخل» وفي رواية: «فإن الخل نعم الإدام» قال جابر رضي الله تعالى عنه:
فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: ما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر.
-
وصفوان بن أمية استأمن له عمير بن وهب، أي قال له: يا نبي الله إن صفوان سيد قومي قد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمنه، فإنك أمنت الأحمر والأسود، فقال صلى الله عليه وسلم: أدرك ابن عمك فهو آمن، فقال: أعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطى صلى الله عليه وسلم لعمير عمامته التي دخل بها مكة. أي وفي لفظ: أعطاه برده، أي بعد أن طلب منه العود، فقال: لا أعود معك إلا أن تأتيني بعلامة أعرفها، فقال: امكث مكانك حتى آتيك به. فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر فرده: أي بعد أن قال له: اعزب عني لا تكلمني، فقال: أي صفوان، فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس، وأبرّ الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، وابن عمك عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك، وأكرم، فرجع معه حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال: صدق فقال: يا رسول الله أمهلني بالخيار شهرين، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت بالخيار أربعة أشهر، أي ثم خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ولما فرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمها: أي بالجعرانة رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمق شعبا ملآنا نعما وشاء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعجبك هذا؟
قال: نعم، قال هو لك وما فيه، فقبض صفوان ما في الشعب، وقال: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نبي، فأسلم كما سيأتي.
-
وهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فإنها أسلمت بعد، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتلها لأنها مثلت بعمه حمزة رضي الله تعالى عنه يوم أحد ولاكت قلبه كما تقدم.
-
وكعب بن زهير رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان ممن يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
ووحشي رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه قتل عمه حمزة رضي الله تعالى عنه يوم أحد، وكانت الصحابة أحرص شيء على قتله، ففر إلى الطائف، وقد قدمنا إسلامه استطرادا.
قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي يوم الفتح على الصفا يبايع الناس فجاءه الكبار والصغار والرجال والنساء يبايعهم على الإسلام، أي على شهادة أن لا إله إلا
ج ٣ ص ١٣٦الله وأن محمدا عبده ورسوله، فدخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا.
-
أي وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل فأخذته الرعدة فقال له صلى الله عليه وسلم: «هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا امرأة من قريش كانت تأكل القديد» .
-
أي وكان من جملة من بايعه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما. فعن معاوية رضي الله تعالى عنه لما كان عام الحديبية وقع الإسلام في قلبي، فذكرت ذلك لأمي، فقالت: إياك أن تخالف إياك فيقطع عنك القوت، فأسلمت وأخفيت إسلامي، فقال لي يوما أبو سفيان وكأنه شعر بإسلامي:
أخوك خير منك، هو على ديني، فلما كان عام الفتح أظهرت إسلامي، ولقيته صلى الله عليه وسلم فرحت بي وكتبت له: أي بعد أن استشار فيه جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال، استكتبه فإنه أمين، وأردفه النبي صلى الله عليه وسلم يوما خلفه، فقال: ما يليني منك؟ قلت بطني، قال: اللهم املأه حلما وعلما.
-
وعن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمعاوية: «اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب» زاد في رواية: «ومكن له في البلاد» .
-
وعن بعض الصحابة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمعاوية يقول: اللهم اجعله هاديا مهديا واهده واهد به ولا تعذبه.
-
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوما لمعاوية: «يا معاوية أنت مني وأنا منك لتزاحمني على باب الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تليها» ويذكر أنه كان عنده قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم وإزاره ورداؤه وشيء من شعره، فقال عند موته: كفنوني في القميص، وأدرجوني في الرداء، وأزروني بالإزار، واحشوا منخري وشدقي من الشعر، وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين.
-
وقد بشر بمعاوية رضي الله تعالى عنه بعض كهان اليمن. وسبب ذلك أن أمه هند كانت قبل أبيه أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يوما من الضيفان، فاضطجع الفاكه وهند فيه في وقت القائلة، ثم خرج الفاكه لبعض حاجته، وأقبل رجل كان يغشاه فولج البيت، فلما رأى المرأة التي هي هند ولى هاربا، وأبصره الفاكه وهو خارج من البيت، فأقبل إلى هند فضربها برجله. وقال لها: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت رجلا ولا انتبهت حتى أيقظتني، فقال لها: الحقي بأبيك، وتكلم فيها الناس، فقال لها أبوها عتبة: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني نبأك، فإن كان الرجل عليك صادقا دسست إليه من يقتله فنقطع
ج ٣ ص ١٣٧عنك المقالة، وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فحلفت له أنه لكاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، وخرجوا معهم بهند ونسوة معها، فلما شارفوا البلاد وقالوا: غدا نرد على الكاهن الفلاني، تنكرت حالة هند وتغير وجهها، فقال لها أبوها: إني أرى ما بك من تنكر الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك، كان هذا قبل أن يشهد الناس مسيرنا، قالت: لا والله يا أبتاه ما ذاك لمكروه عندي، ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطىء ويصيب، ولا آمنه أن يسمني ميسما يكون عليّ سبة في العرب، قال: إني سوف أختبره من قبل أن ينظر في أمرك، فصفر بفرس حتى أدلى، ثم أخذ حبة من حنطة فأدخلها في إحليله وأوكأ عليها بسير، فلما وردوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم، فلما تغدّوا قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر وإني قد خبأت لك خباء أختبرك به، فانظر ما هو؟ قال: سمرة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا قال: حبة برّ في إحليل مهر، قال: صدقت انظر في أمر هذه النسوة، فجعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها، ويقول انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها. وقال: انهضي غير وسخاء ولا زانية، ولتلدنّ ملكا يقال له معاوية فوثب إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنثرت يدها من يده وقالت: إليك عني، فو الله لأحرصن على أن يكون من غيرك فتزوجها أبو سفيان، فجاءت منه بمعاوية رضي الله تعالى عنهم، وقد قال له صلى الله عليه وسلم: «يا معاوية إذا ملكت فأحسن» وفي رواية: «إذا ملكت من أمر أمتي شيئا فاتق الله واعدل» .
-
ويؤثر عنه رضي الله تعالى عنه أنه لما حضرته الوفاة قال: اللهم ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي. اللهم أقل عثرتي، واغفر زلتي، وعد بحلمك على من لا يرجو غيرك ولم يثق بأحد سواك، ثم بكى رضي الله تعالى عنه حتى علا نحيبه.
-
كتب إلى عائشة رضي الله تعالى عنها: اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري، فكتبت إليه: من عائشة إلى معاوية، سلام عليك أما بعد، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس والسلام» وكتبت إليه رضي الله تعالى عنها مرة أخرى: أما بعد فاتق الله، فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس، وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا، والسلام.
-
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء وفيهن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، متنقبة متنكرة خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهن: بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن أي وذلك إسقاط الأجنة. زاد في لفظ: ولا تلحقن
ج ٣ ص ١٣٨بأزواجكن غير أولادهم: أي ولا تقعدن مع الرجال في خلاء: أي لا تجتمع امرأة مع رجل في خلوة، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: البهتان أن تلحق بزوجها ولدا ليس منه أي ولا يغني عنه الزنا، كما أن ذلك لا يغني عن الزنا، وقد تحبل ولا يلحقه بأحد، ولا تعصين في معروف.
-
وجاء أن بعض النسوة قالت: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال لا تصحن، أي وفي لفظ: لا تنحن، ولا تخمشن وجها، ولا تنشرن شعرا. وفي لفظ: ولا تحلقن شعرا، ولا تحرقن قرنا، ولا تشققن جيبا ولا تدعين بالويل.
-
وجاء: «هذه النوائح تجعلن يوم القيامة صفين: صفا عن اليمين، وصفا عن اليسار، ينبحن كما ينبح الكلب» وجاء: «تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء، عليها جلباب من لعنة ودرع من جرب، واضعة يدها على رأسها تقول:
ويلاه» وجاء «النائحة إذا لم تتب تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» . وجاء: «لا تقبل الملائكة على نائحة» . وجاء: «ليس للنساء في اتباع الجنائز من أجر» .
-
وجاء: «أن هندا قالت له صلى الله عليه وسلم: إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال» أي لأن الرجال كان صلى الله عليه وسلم يبايعهم على الإسلام وعلى الجهاد فقط «وأنها قالت لما قال صلى الله عليه وسلم: ولا تسرقن، والله إني كنت أصيب من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة وما كنت أدري أكان ذلك حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان وكان حاضرا: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حلّ عفا الله عنك، أي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت نعم، فاعف عما سلف، عفا الله عنك يا نبي الله، وأنها قالت لما قال صلى الله عليه وسلم: «ولا تزنين، أو تزني الحرة يا رسول الله؟ ولما قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا» وفي لفظ: «هل تركت لنا ولدا إلا قتلته يوم بدر» وفي لفظ: «أنت قتلت آباءهم يوم بدر وتوصينا بأولادهم» وفي لفظ:
«ربيناهم صغارا، وقتلتهم كبارا فضحك عمر رضي الله تعالى عنه حتى استلقى، وتبسم صلى الله عليه وسلم» وفي لفظ: «فضحك صلى الله عليه وسلم، ولما قال صلى الله عليه وسلم: ولا تأتين ببهتان تفترينه؟
قالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح» زاد في لفظ: «وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، ولما قال صلى الله عليه وسلم: ولا تعصينني في معروف، قالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في معروف» وفي لفظ: «أنها أتته منتقبة بالأبطح وقالت:
إني امرأة مؤمنة، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحبا بك» .
قال بعضهم: وفي إسلام أبي سفيان قبل هند وإسلامها قبل انقضاء عدتها، أي لأنها أسلمت بعده بليلة واحدة، وإقرارها على نكاحهما حجة للشافعي رضي الله
ج ٣ ص ١٣٩تعالى عنه. ثم أرسلت إليه صلى الله عليه وسلم بهدية وهي جديان مشويان مع مولاة لها فاستأذنت، فأذن لها، فدخلت عليه وهو صلى الله عليه وسلم بين نسائه أم سلمة وميمونة ونساء من بني عبد المطلب وقالت له: إن مولاتي تعتذر إليك وتقول: إن غنمها اليوم لقليل الوالدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لكم في غنمكم وأكثر ووالدتها فكثر الله ذلك، تقول تلك المولاة: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتها ما لم نكن نرى قبل. وجاءت إليه وقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل ممسك فهل عليّ من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ فقال لها: لا عليك أن تطعميهم بالمعروف» وفي لفظ: «إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، قال:
خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» أي وجاء: «أن بعض النساء قالت: هلم نبايعك يا رسول الله، قال: لا أصافح النساء، وإنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» وفي لفظ: «قولي لألف امرأة كقولي لامرأة واحدة» وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة قط، وإنما كان يبايعهن بالكلام.
-
وعن الشعبي «بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء وعلى يده ثوب، وقيل إنه غمس يده في إناء وأمرهن فغمسن أيديهن فيه، فكانت هذه البيعة» قال ابن الجوزي: والقول الأول أثبت.
-
وقد ذكر المبايعات له صلى الله عليه وسلم لا في خصوص يوم الفتح على حروف المعجم في كتاب التلقيح، وتقدم عن أم عطية رضي الله تعالى عنها أنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام، فقال أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن يبايعكن عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً [الممتحنة: الآية ١٢] ، وقرأ إلى قوله تعالى: فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة: الآية ١٢] فقلن نعم، فمدّ يده من خارج ومددن أيديهن من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد، ولعل ذلك كان بحائل والفتنة مأمونة.
-
وقال صلى الله عليه وسلم لعمه العباس أين ابنا أخيك؟ يعني أبا لهب عتبة ومعتب؟ لا أراهما، قال العباس رضي الله تعالى عنه: قد تنحيا فيمن تنحى من مشركي قريش، قال ائتني بهما، فركبت إليهما فأتيت بهما، فدعاهما للإسلام فأسلما، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهما ودعا لهما، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ بأيديهما وانطلق بهما حتى أتى الملتزم فدعا ساعة، ثم انصرف والسرور يرى في وجهه صلى الله عليه وسلم، فقلت له: سرك الله يا رسول الله، إني أرى السرور في وجهك. قال: إني استوهبت ابني عمي هذين من ربي فوهبهما لي وشهدا معه حنينا والطائف. ولم يخرجا من مكة، ولم يأتيا المدينة، وقلعت عين معتب في حنين.
-
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
ج ٣ ص ١٤٠الفتح: «هذا ما وعدني ربي، ثم قرأ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) [النّصر: الآية ١] انتهى وقد أشار إلى ذلك صاحب الهمزية رضي الله تعالى عنه بقوله:
واستجابت له بنصر وفتح ... بعد ذلك الخضراء والغبراء
وتوالت للمصطفى الآية الكب ... رى عليهم والغارة الشعواء
فإذا ما تلا كتابا من الله ... تلته كتيبة خضراء
أي أجاب دعوته صلى الله عليه وسلم الرفيع والوضيع، وعن الأول كنى بالخضراء التي هي السماء. فقد جاء حديث سنده واه «السماء الدنيا زمردة خضراء، وذكر أنها أشد بياضا من اللبن وخضرتها من صخرة خضراء تحت الأرض» وكنى عن الثاني بالغبراء التي هي الأرض، وإنما كانت غبراء لأن جميع طبقاتها من طين، مع حصول نصر له صلى الله عليه وسلم على أعاديه، وفتح لبلادهم بعد ذلك الضعف الذي كان به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، وقلتهم وكثرة عدوهم مع التصميم على أذيتهم. وتتابعت العلامات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، وتوالت له عليهم الإغارة المحيطة بهم من سائر الجوانب.
-
وجاء: «أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه دعا عثمان بن طلحة رضي الله تعالى عنه، فإنه كان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل الفتح وأسلموا كما تقدم، واستمر في المدينة إلى أن جاء معه صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة، وبه يردّ ما روي أنه صلى الله عليه وسلم بعث عليّا كرم الله وجهه إلى عثمان بن طلحة لأخذ المفتاح فأبى أن يدفعه له وقال: لو علمت إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أمنعه منه، ولوى عليّ كرم الله وجهه يده وأخذ المفتاح منه قهرا وفتح الباب وأنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النّساء: الآية ٥٨] أمره صلى الله عليه وسلم أن يدفع له المفتاح متلطفا به، فجاءه علي كرم الله وجهه بالمفتاح متلطفا به، فقال له: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال علي كرّم الله وجهه: لأن الله أمرنا برده عليك فأسلم.
-
ثم لما دعا صلى الله عليه وسلم عثمان وجاء إليه أخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها، ثم وقف صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
-
ثم ذكر صلى الله عليه وسلم خطبة بين فيها جملة من الأحكام. منها «أن لا يقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاث ليال إلا مع ذي محرم. ولا صلاة بعد العصر ولا بعد الصبح، ولا يصام يوم الأضحى ولا يوم الفطر، ثم قال: يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، والناس من آدم وآدم من تراب. ثم تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
ج ٣ ص ١٤١وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [الحجرات: الآية ١٣] الآية. ثم قال: يا معشر قريش ما ترون؟ » وفي لفظ: «ماذا تقولون؟ ماذا تظنون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خير أخ كريم.