باب ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما اتصل به

١٥٠ فقرة، ج ١ ص ١٢٤

الصفحة ٢ من ٤

  1. فقد روى أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن السائب أنه بلغه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه» .

    ج ١ ص ١٢٩
  2. وعن ابن إسحق: بلغني أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يؤيد قول بعضهم: لم يذكر الحارث كثير ممن ألف في الصحابة اهـ.

    ج ١ ص ١٣٠
  3. أقول: يدل للأول ظاهر ما روي «أن الحارث هذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد نزول القرآن عليه صلى الله عليه وسلم» فقالت له قريش: أو تسمع يا حارث ما يقول ابنك؟

    فقال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث من في القبور، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه، ويكرم فيهما من أطاعه: أي يعذب في إحداهما من عصاه وهي النار، ويكرم في الأخرى من أطاعه وهي الجنة، فقد شتت أمرنا، وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني، ما لك ولقومك، يشكونك ويزعمون أنك تقول كذا: أي أن الناس يبعثون، بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة ونار «فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم أنا أقول ذلك» وفي لفظ «أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت فلآخذن بيدك حتى أعرّفك حديثك اليوم» فأسلم الحارث بعد ذلك وحسن إسلامه: أي وقد كان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة، وإنما قلنا ظاهر، لأنه قد يقال قوله بعد ذلك يصدق بما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلا دلالة في ذلك على أنه أسلم في حياته صلى الله عليه وسلم.

  4. وفي شرح الهمزية لابن حجر: ومن سعادتها يعني حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها، وهم: عبد الله، والشيما، وأنيسة، هذا كلامه.

  5. وفي الإصابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا- أي على ثوب- فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه صلى الله عليه وسلم فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه» ورجاله ثقات، ولعل المراد بجلوسه بين يديه جلوسه مقابله، وحينئذ ففاعل جلس النبي صلى الله عليه وسلم، وضمير يديه راجع لأخيه: أي قام صلى الله عليه وسلم عن محل جلوسه على الثوب، وأجلس أخاه على الثوب مكانه وجلس صلى الله عليه وسلم قبالة أخيه، فعل صلى الله عليه وسلم ذلك ليكون أخوه هو وأبواه جميعا على الثوب، والله أعلم.

    قالت: وخرجت في نسوة من بني سعد: أي ابن بكر بن هوازن عشرة يطلبن الرضعاء في سنة شهباء: أي ذات جدب وقحط لم تبق شيئا، على أتان قمراء بفتح القاف والمد: أي شديد البياض، ومعنى شارف أي ناقة مسنة، ما تبض بالضاد المعجمة، وربما روي بالمهملة: أي ما ترشح بقطرة لبن، قالت: وما كنا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي. وفي رواية ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه بمعجمتين، وقيل بمعجمة ثم مهملة، وقيل بإسكان العين المهملة وكسر الذال المعجمة وضم الباء الموحدة: أي ما يكفيه بحيث يرفع رأسه وينقطع عن الرضاعة. قالت حليمة: ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على

    ج ١ ص ١٣١أتاني تلك، فلقد أدمت بالدال المهملة وتشديد الميم بالركب: أي حبسته بتأخرها عنه لشدة عنائها وتعبها لضعفها وهزالها، حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس:

    أي نطلب الرضعاء جمع رضيع، وأدمّ مأخوذ من الماء الدائم، يقال أدم بالركب: إذا أبطأ حتى حبسهم، ويروى بالمعجمة: أي جاء بما يذم عليه وهو هنا الإبطاء.

  6. أقول: لأنه كان من شيم العرب وأخلاقهم إذا ولد لهم ولد يلتمسون له مرضعة في غير قبيلتهم، ليكون أنجب للولد، وأفصح له. وقيل لأنهم كانوا يرون أنه عار على المرأة أن ترضع ولدها انتهى: أي تستقل برضاعه.

  7. ويدل للأول ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه «أنا أعربكم» أي أفصحكم عربية «أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد» وجاء «أنا أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما قال له صلى الله عليه وسلم: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله، فقال له: ما يمنعني وأنا من قريش، وأرضعت في بني سعد؟» فهذا كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات.

  8. ومن ثم نقل عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول: أضر بنا حب الوليد، يعني ولده، لأنه لمحبته له أبقاه مع أمه في المصر ولم يسترضعه في البادية مع الأعراب، فصار لحانا لا عربية له. وأخوه سليمان استرضع في البادية مع الأعراب فصار عربيا غير لحان.

    قالت حليمة: فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها يتيم، وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق: أي عزمنا عليه، قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك الرضيع فلآخذنه، قال: لا عليك: أي لا بأس عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته.

  9. أقول: وهذا السياق قد يخالف قول بعضهم: إن عبد المطلب خرج يلتمس له المراضع فجاءت له حليمة ابنة أبي ذؤيب، إلا أن يقال: جاز أن يكون التماسه للمراضع غير حليمة كان عند قدومهن، وأبين أن يقبلن، ثم طلب من حليمة ذلك بعد أن لم يجد رضيعا. ويدل لذلك قول صاحب «شفاء الصدور» إن حليمة قالت:

    استقبلني عبد المطلب فقال: من أنت؟ فقلت: أنا امرأة من بني سعد قال: ما اسمك؟ قلت حليمة، فتبسم عبد المطلب وقال: بخ بخ، سعد وحلم، خصلتان فيهما خير الدهر وعز الأبد، يا حليمة إن عندي غلاما يتيما، وقد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلن وقلن: ما عند اليتيم من الخير، إنما نلتمس الكرامة من

    ج ١ ص ١٣٢الآباء، فهل لك أن ترضعيه، فعسى أن تسعدي به؟ فقلت: ألا تذرني حتى أشاور صاحبي، فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته، فكأن الله قذف في قلبه فرحا وسرورا، فقال لي: يا حليمة خذيه، فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعدا ينتظرني، فقلت:

    هلمّ الصبي، فاستهل وجهه فرحا، فأخذني وأدخلني بيت آمنة، فقالت لي أهلا وسهلا، وأدخلتني في البيت الذي فيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه يغط، يفوح منه رائحة المسك، فأشفقت: أي خفت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا وفتح عينيه إليّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه وأخذته، وما حملني على أخذه: أي أكد أخذه إلا أني لم أجد غيره، وإلا فما ذكرته من أوصافه مقتض لأخذه: أي وهذه الرواية ربما تدل على أنها لم تره قبل ذلك، وأن إباءها كان قبل رؤيتها له، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل ثدياي بما شاء الله من لبن فشرب حتى روي: أي من الثدي الأيمن، وعرضت عليه الأيسر فأباه. قالت حليمة: وكانت تلك حالته بعد: أي بعد ذلك: لا يقبل إلا ثديا واحدا وهو الأيمن.

  10. وفي السبعيات للهمداني: أن أحد ثديي حليمة كان لا يدر اللبن منه، فلما وضعته في فم رسول الله صلى الله عليه وسلم در اللبن منه. قالت: وشرب معه أخوه حتى روي ثم نام، وما كنا ننام معه قبل ذلك: أي فعدم نومه من الجوع، فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل: أي ممتلئة الضرع من اللبن، فجلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قلت: والله إني لأرجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته صلى الله عليه وسلم معي عليها فو الله لقطعت بالركب: أي صيرته خلفها ما يقدر عليها: أي على مرافقتها ومصاحبتها شيء من حمرهن، حتى أن صواحبي يقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك، اربعي: أي اعطفي علينا بالرفق وعدم الشدة في السير، أليس هذا أتانك التي كنت خرجت عليها تخفضك طورا وترفعك أخرى؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي، فيقلن: والله إن لها لشأنا: أي وقالت حليمة فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول: والله إن لي لشأنا ثم شأنا، شأني بعثني الله بعد موتي، ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة، وهل تدرين من على ظهري؟ على ظهري خير النبيين، وسيد المرسلين، وخير الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين، ذكره في النطق المفهوم.

  11. وذكرت أنها لما أرادت فراق مكة رأت تلك الأتان سجدت: أي خفضت رأسها نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت. قالت: ثم قدمنا

    ج ١ ص ١٣٣منازل بني سعد ولا أعلم أرضا من أراضي الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا: أي غزيرات اللبن، فنحلب ونشرب. ولفظ: فنحلب، ما شئنا والله ما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضر: أي المقيم في المنازل من قومنا يقول لرعاتهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب يعنونني، فتروح أغنامهم جياعا تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا، فلم نزل نعرف من الله تعالى الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبا لا يشبه الغلمان، فلم يقطع سنتيه حتى كان غلاما جفرا: أي غليظا شديدا.

  12. وعن حليمة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ شهرين كان يجيء إلى كل جانب: أي وهذا يضعف ما تقدم عن الامتناع من أن أمه صلى الله عليه وسلم أرضعته سبعة أشهر.

    قالت حليمة: فلما بلغ صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر كان يتكلم بحيث يسمع كلامه، ولما بلغ تسعة أشهر كان يتكلم الكلام الفصيح، ولما بلغ عشرة أشهر كان يرمي السهام مع الصبيان.

  13. وعنها رضي الله تعالى عنها أنها قالت: إنه لفي حجري ذات يوم إذ مرت به غنيماتي، فأقبلت واحدة منهن حتى سجدت له وقبلت رأسه ثم ذهبت إلى صواحبها.

  14. أقول: وقد سجدت له صلى الله عليه وسلم الغنم، وكذا الجمل بعد بعثته والهجرة، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطا: أي بستانا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجال من الأنصار وفي الحائط غنم، فسجدت له، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله كنا أحق بالسجود لك من هذه الغنم؟ فقال:

    إنه لا ينبغي في أمتي أن يسجد أحد لأحد، ولو كان ينبغي لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» زاد في رواية «ولو أن رجلا أمر زوجته أن تنقل من جبل إلى جبل لكان نولها: أي حقها أن تفعل» «وحرب جمل بكسر الراء: أي اشتد غضبه، فصار لا يقدر أحد يدخل عليه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه:

    افتحوا عنه، فقالوا: إنا نخشى عليك يا رسول الله، فقالوا: افتحوا عنه ففتحوا عنه فلما رآه الجمل خرّ ساجدا: أي فأخذ بناصيته ثم دفعه لصاحبه وقال استعمله وأحسن علفه، فقال القوم: يا رسول الله كنا أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة، فقال كلا» الحديث. وفي هذا دلالة على عظيم حق الزوج على زوجته.

  15. وجاء مما يدل على ذلك أيضا ما روي «أن أسماء بنت يزيد الأنصارية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك، ونحن معاشر النساء، مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن الرجال فضلوا بالجماعات، وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا لهم أولادهم،

    ج ١ ص ١٣٤أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه وقال:

    هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: انصرفي يا أسماء، واعلمي بأنك من النساء، إنّ حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال» أي من حضور الجماعات وشهود الجنائز والجهاد، فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشارا بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتبعل: ملاعبة المرأة لزوجها، والله أعلم.

    قالت حليمة: وكان ينزل عليه صلى الله عليه وسلم كل يوم نور كنور الشمس ثم ينجلي عنه، وإلى قصة رضاعه صلى الله عليه وسلم يشير صاحب الهمزية بقوله:

    وبدت في رضاعه معجزات ... ليس فيها عن العيون خفاء

    إذ أتته ليتمه مرضعات ... قلن ما في اليتيم عنا غناء

    فأتته من آل سعد فتاة ... قد أبتها لفقرها الرضعاء

    أرضعته لبانها فسقتها ... وبنيها ألبانهن الشاء

    أصبحت شوّلا عجافا وأمست ... ما بها شائل ولا عجفاء

    أخصب العيش عندها بعد محل ... إذ غدا للنبي منها غذاء

    يا لها منة لقد ضوعف الأجر ... عليها من جنسها والجزاء

    وإذا سخر الإله أناسا ... لسعيد فإنهم سعداء

    أي وظهرت في رضاعه؟ وفي زمن رضاعه صلى الله عليه وسلم أمور خارقة للعادة لوضوحها لا تخفى على العيون.

  16. فمن ذلك أن المراضع أبين أن يأخذنه صلى الله عليه وسلم لأجل يتمه، فبعد أن تركته أتت فتاة من آل سعد قد أبتها أهل الرضعاء لفقرها فسقته لبنها فسقتها وبنيها الشاء ألبانها، وكانت تلك الشياه لا لبن بها بل هزيلات، فصارت ذات ألبان وسمن.

  17. ومن ذلك أن العيش كثر عندها بعد شدة المحل لأجل حصول غذاء النبي صلى الله عليه وسلم:

    يا لها أي لتلك الخصلة الصادرة من حليمة وهي سقيها له لبنها نعمة منها عليه، لقد كرر الثواب والجزاء على تلك النعمة من جنس تلك النعمة، لأن الجزاء من جنس العمل فلما سقت اللبن سقيته، ولا بدع فإن الله تعالى إذا سخر أناسا لمحبة سعيد والقيام بخدمته فإنهم بسبب ذلك سعداء.

  18. أقول: لم أقف على رواية فيها أن حليمة أبتها أهل الرضعاء لفقرها وكأن الناظم أخذ ذلك من قولها: فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره ولا دلالة في ذلك.

  19. واستفتي الحافظ ابن حجر عن بعض الوعاظ يذكر عند اجتماع الناس للمولد حادثات أي وقائع تتعلق به صلى الله عليه وسلم جاءت بها الأخبار هي مخلة بالتعظيم حتى يظهر من السامعين لها حزن، فيبقى صلى الله عليه وسلم في حيز من يرحم لا في حيز من يعظم.

    ج ١ ص ١٣٥
  20. من ذلك أنهم يقولون إن المراضع حضرن ولم يأخذنه لعدم ماله ونحو ذلك، فما قولكم في ذلك؟

  21. فأجاب بما نصه: ينبغي لمن يكون فطنا أن يحذف من الخبر: أي الحديث ما يوهم في المخبر عنه نقصا ولا يضره ذلك، بل يجب كما وقع لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه حيث قال في بعض نصوصه «وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة لها شرف فكلم فيه، فقال: لو سرقت فلانة لامرأة شريفة لقطعتها، يعني فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم» فلم يصرح باسمها تأدبا معها أن تذكر في هذا المعرض. وإن كان صلى الله عليه وسلم ذكرها- لأن ذلك منه صلى الله عليه وسلم حسن دلّ على أن الخلق عنده صلى الله عليه وسلم في الشرع سواء، فهذا من كمال أدب الإمام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ونفعنا ببركاته: أي فإذا جاز حذف بعض الحديث الموهم نقصا في بعض أهل بيته، فما بالك بما يوهم النقص فيه صلى الله عليه وسلم، وهذا من الحافظ يدل على أن إباء المراضع له صلى الله عليه وسلم وارد حيث أقره ولم ينكره، والله أعلم.

    قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «كان أول كلام تكلم به صلى الله عليه وسلم حين فطمته حليمة رضي الله تعالى عنها، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» أي وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا عند خروجه من بطن أمه. وفي رواية «أوّل كلام تكلم صلى الله عليه وسلم به في بعض الليالي: أي وهو عند حليمة: لا إله إلا الله قدوسا قدوسا نامت العيون والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم» وكان صلى الله عليه وسلم لا يمس شيئا إلا قال بسم الله.

  22. وعن حليمة رضي الله عنها «لما دخلت به صلى الله عليه وسلم إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك، وألقيت محبته صلى الله عليه وسلم: أي واعتقاد بركته في قلوب الناس، حتى إنّ أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ بإذن الله تعالى سريعا. وكذلك إذا اعتل لهم بعير أو شاة انتهى.

    قالت حليمة: فقدمنا مكة على أمه صلى الله عليه وسلم: أي بعد أن بلغ سنتين ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما نرى من بركته صلى الله عليه وسلم، فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركتي بنيّ عندي حتى يغلظ.

  23. وفي كلام ابن الأثير: قلنا لها دعينا نرجع به هذه السنة الأخرى فإني أخشى

    ج ١ ص ١٣٦عليه وباء مكة: أي مرضها ووخمها فلم نزل بها حتى ردّته صلى الله عليه وسلم معنا.

  24. وقيل إن أمه صلى الله عليه وسلم آمنة قالت لحليمة: ارجعي بابني، فإني أخاف عليه وباء مكة، فو الله ليكونن له شأن أي ولا مخالفة بينهما لجواز أن حليمة لما قالت لها ما تقدم قالت لحليمة ارجعي بابني على الفور فإني أخاف عليه وباء مكة: أي كما تخافين عليه ذلك. قالت حليمة: فرجعنا به صلى الله عليه وسلم فو الله إنه بعد مقدمنا به صلى الله عليه وسلم بأشهر. عبارة ابن الأثير: بعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه يعني من الرضاعة، لفي بهم لنا، ولعل هذا لا ينافيه قول المحب الطبري: فلما شب وبلغ سنتين لأنه ألغي أي ذلك الكسر، فبينما هو صلى الله عليه وسلم وأخوه في بهم لنا خلف بيوتنا. والبهم: أولاد الضأن، إذ أتى أخوه يشتد. أي يعدو، فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه، فشقا بطنه فهما يسوطانه: أي يدخلان يديهما في بطنه، قالت:

    فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه. وفي لفظ لونه أي متغير أي صار لونه كلون النقع الذي هو الغبار وهو صفة ألوان الموتى، وذلك لما ناله من الفزع أي من رؤية الملائكة، لا من مشقة نشأت عن ذلك الشق، لما يأتي في بعض الروايات:

    فلم أجد لذلك حسا ولا ألما، ومن ثم قال ابن الجوزي: فشقة وما شق عليه، وإطلاقه شامل لهذه المرة التي هي الأولى، وقد قال بعضهم: إنه لم ينتقع لونه إلا وهو صلى الله عليه وسلم صغير في بني سعد.

    قالت: فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له: ما لك يا بني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: جاءني رجلان عليها ثياب بيض أي وهما جبريل وميكائيل: أي وهما المراد بقوله في رواية: فأقبل إليّ طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا أي طلباه، فوجداه فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو: أي وسيأتي أن هذا الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه وما أدري ما هو أنه علقة سوداء استخرجاها من قلبه بعد شق بطنه، ففي هذه الرواية طي ذكر القلب وشقه، وسيأتي ذكر ذلك في بعض الروايات.

  25. وفي رواية غريبة: نزل عليه كركيان، فشق أحدهما بمنقاره جوفه، ومجّ الآخر فيه بمنقاره ثلجا أو بردا. وقد يقال إن الطيرين تارة شبها بالنسرين وتارة شبها بالكركيين. وفي كون مجيء جبريل وميكائيل على صورة النسر لطيفة لأن النسر سيد الطيور. فقد جاء في الحديث «هبط عليّ جبريل فقال: يا محمد إن لكل شيء سيد، فسيد البشر آدم وأنت سيد ولد آدم وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر» وفي بحر العلوم «وسيد الملائكة إسرافيل، وسيد الشهداء هابيل، وسيد الجبال جبل موسى، وسيد الأنعام الثور، وسيد الوحوش الفيل، وسيد السباع الأسد» زاد بعضهم «وسيد الشهور

    ج ١ ص ١٣٧رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن، وسيد القرآن سورة البقرة» .

    قالت حليمة: فرجعنا به صلى الله عليه وسلم إلى خبائنا: أي محل الإقامة وقال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك. وفي رواية: قال الناس يا حليمة رديه على جده واخرجي من أمانتك. وفي رواية وقال: زوجي أرى أن ترديه على أمه لتعالجه، والله إن أصابه ما أصابه إلا حسد من آل فلان لما يرون من عظيم بركته. قالت: فحملناه فقدمنا به مكة على أمه. قال الواقدي وكان ابن عباس يقول: رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين أي وزاد في الاستيعاب ويومين من مولده صلى الله عليه وسلم، وكان غيره أي غير ابن عباس يقول:

    رجع إلى أمه وهو ابن أربع سنين. وذكر الأموي أنه رجع إلى أمه وهو ابن ست سنين انتهى.

  26. أقول سياق ما قبله يدل على أن قدوم حليمة به على أمه كان عقب الواقعة المذكورة، وتقدم أن سنه حينئذ كان سنتين وأشهر، وسيأتي ما فيه والله أعلم.

  27. وعن ابن عباس أن حليمة كانت تحدث أنه صلى الله عليه وسلم لما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم، فقال لي يوما: يا أماه ما لي لا أرى إخوتي بالنهار يعني إخوته من الرضاعة وهم أخوه عبد الله وأختاه أنيسة والشيماء بفتح المعجمة وسكون التحتية أولاد الحارث، قلت فدتك نفسي، إنهم يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل، قال ابعثيني معهم، فكان عليه الصلاة والسلام يخرج مسرورا ويعود مسرورا: أي وهذا لا يخالف قولها السابق كان مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا، ولا قوله صلى الله عليه وسلم الآتي «فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا» ولا قوله «فبينما أنا ذات يوم منتبذا من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الفتيان» كما لا يخفى.

    قالت حليمة: فلما كان يوما من ذلك خرجوا، فلما انتصف إليها أتاني أخوه، أي وفي رواية إذ أتى ابني ضمرة يعدو فزعا وجبينه يرشح باكيا ينادي يا أبت ويا أمه الحقا أخي محمدا فما تلحقانه إلا ميتا. قلت: وما قضيته، قال: بينا نحن قيام إذ أتاه رجل فاختطفه من وسطنا وعلا به ذروة الجبل ونحن ننظر إليه حتى شق صدره إلى عانته ولا أدري ما فعل به.

  28. أقول: ولعل ضمرة هذا هو أخوه عبد الله المتقدم ذكره، لقب بذلك لخفة جسمه، ولا يخالف ذلك قوله صلى الله عليه وسلم الآتي إن أترابه الذين كانوا معه انطلقوا هربا مسرعين إلى الحي يؤذونهم ويستصرخونهم لأنه يجوز أن يكون ضمرة سبقهم، والله أعلم.

    ج ١ ص ١٣٨قالت حليمة: فانطلقت أنا وأبوه نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يتبسم ويضحك فأكببت عليه وقبلته بين عينيه، وقلت له: فدتك نفسي، وما الذي دهاك؟ قال خيرا كذا بالنصب يا أماه، بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهط ثلاثة بيد أحدهم إبريق فضة، وفي يد الآخر طست من زمردة خضراء والزمردة بالضم والزاي المعجمة. الزبرجد، وهو معرب، فأخذوني وانطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني على الجبل إضجاعا لطيفا، وفيه أن هذا يخالف قوله صلى الله عليه وسلم الآتي: «فأخذوني حتى أتوا شفير الوادي، فعمد أحدهم فأضجعني إلى الأرض ثم شق من صدري إلى عانتي» وسيأتي الجمع بينهما وقوله: «ثم شق من صدري إلى عانتي» هو المراد ببطنه ببطنه ففيما تقدم وما يأتي. قال: «وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسا ولا ألما» الحديث وفي هذه الرواية طيّ ذكر القلب وشقه أيضا.

  29. أقول: ولا منافاة في تلك الرواية بين قولها فوجدناه قائما وبين قولها في هذه الرواية:

    فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل، لجواز أن تكون أرادت بقولها قائما كونه حيا وبكونه قاعدا كونه ماكثا، كما لا منافاة بين قولها في تلك الرواية منتقعا وجهه، وبين قولها في هذه الرواية يتبسم ويضحك، لأن ذلك لا ينافي الفزع: أو لجواز أن يكون تبسمه وضحكه تعجبا لما رأى من الحالة التي عليها أمه من التعب والشدة والله أعلم.

    قال: وذكر ابن إسحق أن حليمة لما قدمت به صلى الله عليه وسلم مكة لترده على أمه أي بعد شق صدره صلى الله عليه وسلم وقد بلغ أربع سنين أو خمسا أو ستا على ما تقدم أضلته في أعالي مكة فأتت جده عبد المطلب، فقال: إني قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعالي مكة أضلني، فو الله ما أدري، أين هو؟ فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده عليه. وفي مرآة الزمان أنه أنشد:

    يا رب رد لي ولدي محمدا ... اردده ربي واصطنع عندي يدا

    وسيأتي أن هذا البيت أنشده عبد المطلب حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليرد إبلا له ضلت.

  30. وقد يقال: لا مانع من تكرر ذلك منه فسمع هاتفا من السماء يقول: أيها الناس لا تضجوا إن لمحمد ربا لن يخذله ولا يضيعه، فقال عبد المطلب، من لنا به، فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى، فركب عبد المطلب نحوه، وتبعه ورقة بن نوفل، وسيأتي بعض ترجمة ورقة، فوجداه صلى الله عليه وسلم قائما تحت شجرة يجذب غصنا من أغصانها، فقال له جده: من أنت يا غلام؟ فقال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال وأنا عبد المطلب جدك فدتك نفسي، واحتمله وعانقه وهو يبكي، ثم

    ج ١ ص ١٣٩رجع إلى مكة وهو قدامه على قربوس فرسه، ونحر الشياه والبقر، وأطعم أهل مكة.

  31. أقول: وقول جده له من أنت يا غلام؟ لعله لكونه وجده على حالة لا توجد لمن يكون في سنه عادة كما تقدم عن حليمة من قولها: كان يشب شبابا لا يشبه الغلمان.

  32. وفي السيرة الهاشمية أن الذى وجده هو ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب: أي ويقال إن عمرو بن نفيل رآه وهو لا يعرفه، فقال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبد المطلب.

  33. وفي كلام بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) [الضّحى: الآية ٧] روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي وصار ينشد وهو متعلق بأستار الكعبة:

    يا رب رد ولدي محمدا

    البيت، فجاء أبو جهل بين يديه على ناقة وقال لجدي ألا تدري ما وقع من ابنك؟ فسأله فقال: أنخت الناقة وأركبته من خلفي، فأبت أن تقوم، فأركبته من أمامي فقامت» ويحتاج إلى جمع على تقدير صحة كل مما ذكر.

  34. وقد يقال: لا مانع من تعدد ذلك، ويدل لذلك أن بعض المفسرين قال في تفسير قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) [الضّحى: الآية ٧] قيل ضل عن حليمة مرضعته. وقيل ضل عن جده عبد المطلب وهو صغير.

    قالت حليمة: فقالت أمه: ما أقدمك به يا ظئر، أي يا مرضعة؟ ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثة عندك. قلت: قد بلغ والله، وقضيت الذي عليّ وتخوفت عليه الأحداث فأديته إليك كما تحبين، فقالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك؟

    قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: افتخوفت عليه الشيطان؟ قلت نعم، قالت:

    كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لابني شأنا، أفلا أخبرك خبره؟ قلت بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به فو الله ما رأيت: أي ما علمت من حمل قط كان أخف علي ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته إنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.

    قال: وعن حليمة أنه مر عليها جماعة من اليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا، حملته كذا ووضعته كذا، ورأيت كذا كما وصفت لها أمه: أي فإنها ذكرت لها ذلك مرتين عند دفعه لها وعند أخذه منها انتهى.

  35. أقول: ولا ينافي ذلك قول آمنة لحليمة: أولا أخبرك خبره، وقول حليمة لها

    ج ١ ص ١٤٠بلى، لجواز أن تكون أمه لم تكن متذكرة أنها أخبرتها بذلك قبل ذلك، وأن حليمة كذلك، أو جوّزت حليمة أنها تخبرها بزيادة عما أخبرتها به أولا، بناء على اتحاد ما أخبرتها به أولا وثانيا، والله أعلم.

    قالت: ولما أخبرت أولئك اليهود بذلك قال بعضهم لبعض اقتلوه، فقالوا:

    أيتيم هو؟ فقالت لا، هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا لو كان يتيما قتلناه.

  36. أقول: وهذا يدل على أن ما ذكرته أمه لحليمة من أنها حين حملت به خرج منها نور إلى آخر ما تقدم، وأن يكون لا أب له مذكورا في بعض الكتب القديمة أنه من علامة نبوة النبي المنتظر، والله أعلم.

    قال: وعنها أنها نزلت به سوق عكاظ: أي وكان سوقا للجاهلية بين الطائف ونخلة المحل المعروف، كانت العرب إذا حجت أقامت بهذا السوق شهر شوال، فكانوا يتفاخرون فيه، وللمفاخرة فيه سمي عكاظ، يقال: عكظ الرجل صاحبه إذا فاخره وغلبه في المفاخرة.

  37. وفي كلام بعضهم كان سوق عكاظ لثقيف وقيس غيلان، فرآه كاهن من الكهان فقال يا أهل سوق عكاظ اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكا، فزاغت: أي مالت به وحادت عن الطريق، فأنجاه الله تعالى: أي وفي الوفاء: لما قامت سوق عكاظ انطلقت حليمة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عرّاف من هذيل يريه الناس صبيانهم، فلما نظر إليه صاح: يا معشر هذيل، يا معشر العرب، فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم، فقال اقتلوا هذا الصبي، فانسلت حليمة به، فجعل الناس يقولون: أي صبي، فيقول هذا الصبي، فلا يرون شيئا، فيقال له ما هو؟ فيقول: رأيت غلاما والآلهة ليقتلنّ أهل دينكم، وليكسرن آلهتكم، وليظهر أمره عليكم فطلب فلم يوجد.

  38. وعنها رضي الله عنها أنها لما رجعت به مرت بذي المجاز: وهو سوق للجاهلية على فرسخ من عرفة: أي وهذا السوق قبله سوق يقال له سوق مجنة، كانت العرب تنتقل إليه بعد انفضاضهم من سوق عكاظ فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة، ثم تنتقل إلى هذا السوق الذي هو سوق ذي المجاز فتقيم به إلى أيام الحج، وكان بهذا السوق عراف: أي منجم يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي نظر إلى خاتم النبوة وإلى الحمرة في عينيه صاح: يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي، فليقتلن أهل دينكم، وليكسرن أصنامكم، وليظهرن أمره عليكم، إن هذا لينظر أمرا من المساء، وجعل يغري بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يلبث أن وله فذهب عقله حتى مات اهـ.

  39. أي وفي السيرة الهاشمية أن نفرا نصراني من الحبشة رأوه صلى الله عليه وسلم مع أمه السعدية

    ج ١ ص ١٤١حين رجعت به إلى أمه بعد فطامه، فنظروا إليه وقلبوه: أي رأوا خاتم النبوة بين كتفيه وحمرة في عينيه، وقالوا لها هل يشتكي عينيه؟ قالت، لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا الغلام كائن لنا وله شأن، نحن نعرف أمره، فلم تكد تنفلت به صلى الله عليه وسلم منهم وأتت به إلى أمه.

  40. وعنه صلى الله عليه وسلم «واسترضعت في بني سعد، وفبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بيد أحدهما طست من ذهب مملوءة ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، أي وقيل هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله» وفي رواية «فاستخرجا منه علقتين سوداوين» أي ولا مخالفة، لجواز أن تكون تلك العلقة انفلقت نصفين. وفي رواية «فاستخرجا منه مغمز الشيطان» أي وهو المعبر عنه في الرواية قبلها بحظ الشيطان.