باب ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما اتصل به
١٥٠ فقرة، ج ١ ص ١٢٤
الصفحة ٣ من ٤
- ج ١ ص ١٤١
ولا ينافي ذلك قوله في الرواية السابقة «ولا أدري ما هو» لجواز أن تكون إخباره صلى الله عليه وسلم بهذا بعد أن علمه، والمراد بمغمز الشيطان محل غمزه: أي محمد ما يلقيه من الأمور التي لا تنبغي، لأن تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا فلم يكن للشيطان فيه حظ، وليست هي محل غمزه عند ولادته صلى الله عليه وسلم كما يوهمه كلام غير واحد.
-
وفيه أنه هذا يقتضي أن يكون قبل إزالة ذلك كان للشيطان عليه سبيل. أجاب السبكي بأنه لا يلزم من وجود القابل لما يلقيه الشيطان حصول الإلقاء، أي بالفعل فليتأمل.
-
وسئل السبكي رحمه الله تعالى: فلم خلق الله ذلك القابل في الذات الشريفة وكان من الممكن أن لا يخلقه الله فيها؟ وأجاب بأنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخلقت تكملة للخلق الإنساني، ثم نزعت تكرمة له صلى الله عليه وسلم: أي وليظهر للخلق بذلك التكرمة ليتحققوا كمال باطنه كما تحققوا كمال ظاهره: أي لأنه لو خلق صلى الله عليه وسلم خاليا عنها لم تظهر تلك الكرامة.
-
وفيه أنه يرد على ذلك ولادته صلى الله عليه وسلم من غير قلفة. وأجيب بالفرق بينهما بأن القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة كان نقص الخلقة الإنسانية عنها عين الكمال، وقد تقدم كل ذلك.
-
وذكمر السهيلي رحمه الله ما يفيد أن هذه العلقة هي محل مغمز الشيطان عند الولادة حيث قال: إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما لم يخلق من منيّ الرجال وإنما
ج ١ ص ١٤٢خلق من نفخة روح القدس أعيذ من مغمز الشيطان.
قال: ولا يدل هذا على فضل عيسى عليه الصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نزع منه ذلك الغمز هذا كلامه، وقد علمت أنه إنما هو محل ما يلقيه الشيطان من الأمور التي لا تنبغي، وأن ذلك مخلوق في كل واحد من الأنبياء عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره، ولم تنزع إلا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم: «ثم غسلا قلبي بذلك الثلج» أي الذي في ذلك الطست» حتى أنقياه أي وملآه حكمة وإيمانا» كما في بعض الروايات: أي وفي رواية «ثم قال أحدهما لصاحبه ائتني بالسكينة، فأتى بها فذراها في قلبي» وهذه السكينة يحتمل أن تكون هي الحكمة والإيمان. ويحتمل أن تكون غيرهما وهذه الرواية فيها أن الطست كان من ذهب، وكذا في الرواية الآتية. وفي الرواية قبل هذه «كانت من زمردة خضراء» ويحتاج إلى الجمع وسنذكره في هذه الرواية وكذا الرواية الآتية أن الثلج كان في الطست. وفي الرواية قبل هذه «كان في يد أحدهما إبريق فضة» ويحتاج إلى الجمع لأن الواقعة لم تتعدد، وهو عند حليمة، وفي غسله بالثلج إشعار بثلج اليقين وبرده على الفؤاد، ذكره السهيلي رحمه الله.
-
وذكر في حكمة كون الطست من ذهب كلاما طويلا قال صلى الله عليه وسلم: «وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن» وفي الروايات السابقة طيّ ذكر الخاتم.
-
وتتمة الجواب الذي أجاب به صلى الله عليه وسلم أخا بني عامر التي وعدنا بذكرها هنا هو قوله صلى الله عليه وسلم: «وكنت مسترضعا في بني سعد، فبينا أنا ذات يوم منتبذا أي منفردا «من أهلي في بطن واد مع أتراب لي» أي المقاربين بالموحدة أو النون «لي في السن من الصبيان، إذ أتى رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملآن ثلجا فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هرابا حتى أتوا على شفير الوادي، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم؟ أي ما حاجتم إلى هذا الغلام؟ فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش، وهو مرتضع فينا، يتيم ليس له أب، فما يرد عليكم أن يفيدكم قتله، وماذا تصيبون من ذلك؟ فإن كنتم لا بد قاتلوه أي إن كان لا بدّ لكمن من قتل واحد فاختاروا منا من شئتم فليأتكم مكانه، فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يجيبون جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحيّ يؤذنونهم» أي يعلمونهم «ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم إليّ فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق بطني ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه، فلم أجد لذلك مسا» أي أدنى مشقة «واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها» أي بالغ في غسلها «ثم أعادها مكانها» أي وقد طوي ذكر استخراج الأحشاء وغسلها في الروايات السابقة. ولا يخفى أن من جملة الأحشاء ظاهر القلب
ج ١ ص ١٤٣«ثم قال الثاني منهم لصاحبه تنح عنه، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي، فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء» تقدم التعبير عنها بالعلقة السوداء «ثم رمى بها، ثم قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا، وإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي» أي بعد التئام شقه «فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة» وقد تقدم «وملأه حكمة وإيمانا» وإن السكينة ذرت فيه ثم أعاده مكانه فوجدت برد الخاتم في قلبي دهرا، وفي رواية «فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي» .
-
أقول: نقل شيخ بعض مشايخنا الشيخ نجم الدين الغيطي عن مغازي بن عائذ في حديثه صلى الله عليه وسلم لأخي بني عامر «وأقبل أي الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه» فليتأمل، وقوله «فصدعه» يدل بظاهره على أن صدعه كان بيد الملك، فلم يشقه بآلة، وحينئذ يكون المراد بالشق الصدع بلا آلة. وقد طوى في هذه الرواية ذكر ملء قلبه حكمة وإيمانا، وأنه ذرّ فيه السكينة. وذكر في هذه الرواية أن الختم كان لقلبه صلى الله عليه وسلم، وفي الرواية قبلها «أنه كان بين كتفيه» وفي رواية ابن عائذ «وبين ثدييه» ويحتاج إلى الجمع. والظاهر أن متعاطي الختم جبريل، ويدل عليه قول صاحب الهمزية رحمه الله في هذه القصة ختمته يمنى الأمين. وسيأتي التصريح بذلك لكن في غيره هذه القصة والله أعلم. قال صلى الله عليه وسلم: «ثم قال الثالث لصاحبه تنحّ عنه فنحاه عني فأمرّ يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، وختم عليه» وفي رواية «قال أحدهما للآخر خطه فخاطه وختم عليه» .
-
أقول: وقد يقال معنى خطه ألحمه، فخاطه «أي لحمه» أي مرّ بيده عليه فالتحم أي فلا يخالف ما سبق، ولا ينافيه ما في الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم، لجواز أن يكون المراد يرون أثرا كأثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم وهو أثر مرور يد جبريل عليه الصلاة والسلام، وهذا طوى ذكره في الروايات السابقة، وقوله ختم عليه يقتضي أن الختم كان في صدره صلى الله عليه وسلم وهو الموافق لما تقدم عن ابن عائذ أنه بين ثدييه لكنه زاد بين كتفيه، وتقدم أن الختم كان بقلبه.
-
وقد يقال في الجمع، لا مانع من تعدد الختم في المحال المذكورة أي في قلبه وصدره وبين كتفيه، فختم القلب لحفظ ما فيه، وختم الصدر وبين الكتفين مبالغة في حفظ ذلك لأن الصدر وعاؤه القريب، وجسده وعاؤه البعيد، وخص بين الكتفين لأنه أقرب إلى القلب من بقية الجسد، ولعله أولى من جواب القاضي عياض رحمه الله بأن الذي بين كتفيه هو أثر ذلك الختم الذي كان في صدره، إذ هو خلاف الظاهر من قوله: «وجعل الخاتم بين كتفيّ» وفيه السكوت عن ختم قلبه، ولا يحسن أن يراد بالصدر القلب من باب تسمية الحالّ باسم محله، لأنه يصير ساكتا عن ختم الصدر.
- ج ١ ص ١٤٤
وأولى من جواب الحافظ ابن حجر رحمه الله أيضا بأنه يجوز أن يكون الختم لقلبه ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر، لأن القلب في ذلك الجانب لما علمت، وفيهما أن الذي عند الأيسر خاتم النبوة: أي الذي هو علامة على النبوة الذي ولد صلى الله عليه وسلم به على ما هو الصحيح.
-
وفي الخصائص الصغرى: وخص صلى الله عليه وسلم بجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان لغيره وسائر الأنبياء كلهم كان الخاتم في يمينهم.
-
أي فقد أخرج الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: «لم يبعث الله نبيا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» هذا كلامه، ولم أقف على بيان تلك الشامات التي كانت للأنبياء ما هي.
-
وكتب الشهاب القسطلاني على هامش الخصائص قوله: «وجعل خاتم النبوة بظهره الخ» مشكل إذ مفهومه أن موضع الدخول لقلوب الأنبياء غير نبينا لم يختم، ولا يخفى ما فيه من المحظور، فما أشنعها من عبارة وأخطأها من إشارة، هذا كلامه.
-
ولك أن تقول: المراد بغيره في قوله حيث يدخل الشيطان لغيره من غير الأنبياء، لما علم وتقرر في النفوس من عصمة الأنبياء من الشيطان واختص نبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالختم في المحل المذكور مبالغة في حفظه من الشيطان وقطع أطماعه فليتأمل.
-
لا يقال: كل من جواب القاضي والحافظ ابن حجر يجوز أن يكون مبنيا على أن خاتم النبوة هو أثر هذا الختم، وهو موافق لما تمسك به القائل بأن خاتم النبوة لم يولد به، وإنما حدث بعد الولادة.
-
لأنا نقول: على تسليم أنه حدث بعد الولادة فقد وجد عقبها، فعن أبي نعيم في الدلائل أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج صرة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، وبذلك يعلم أن خاتم النبوة ليس أثرا لهذا الخاتم.
-
وكلام السهيلي يقتضي أنه هو حيث قال: إن هذا الحديث الذي في شق صدره في الرضاعة فيه فائدة من تبيين العلم، وذلك أن خاتم النبوة لم يدر أنه خلق به أو وضع فيه بعد ما ولد، أو حين نبئ، فبين في هذا الحديث متى وضع وكيف وضع ومن وضعه زادنا الله تعالى علما، وأوزعنا شكر ما علم هذا كلامه.
-
ثم رأيت عن الحافظ ابن حجر ما يوافقه حيث قال: ومقتضى الأحاديث التي فيها شق الصدر ووضع الخاتم أنه لم يكن موجودا حين ولادته، وإنما كان أول
ج ١ ص ١٤٥وضعه لما شق صدره عند حليمة، خلافا لمن قال ولد به أو حين وضع هذا كلامه.
-
ولا يخفى أن ما قلناه من أن هذا الخاتم غير خاتم النبوة أولى، لأن به يجتمع القولان، وتندفع المخالفة. والجمع أولى من التضعيف، لما صح من أنه صلى الله عليه وسلم ولد به، وعلى أنه هو يلزم أن يكون خاتم النبوة تعدد محله، فوجد بين كتفيه وفي صدره وفي قلبه.
-
لا يقال: قد أشير إلى الجواب عن ذلك بأن الموجود بين كتفيه إنما هو أثر ما في صدره وقلبه.
-
لأنا نقول يبطله ما تقدم عن الدلائل لأبي نعيم، وما تقدم عن بعض الروايات «فأقبل الملك وفي يده خاتم فوضعه بين كتفيه وثدييه» وأيضا يلزم عليه أن يكون خاتم النبوّة تكرر الإتيان به ثانيا في قصة المبعث، وثالثا في قصة الإسراء. ففي قصة المبعث «فأكفأني كما يكفأ الإناء ثم ختم في ظهري» وفي قصة الإسراء «ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة» وكل منهما يبطل كون ما في ظهره أو بين كتفيه أثرا لذلك الختم الذي وجد في صدره أو قلبه.
-
إلا أن يقال ما في قصة المبعث وقصة الإسراء غير خاتم النبوّة وإن خاتم النبوة إنما هو الأثر الحاصل من ختم صدره وقلبه وفي قصة الرضاعة، وإنه تكرر الختم على ذلك الأثر في المبعث وفي قصة الإسراء، وفيه أنه لا معنى لتكرر الختم في محل واحد.
-
ولا يقال: الغرض منه المبالغة في الحفظ، لأن ذلك إنما يكون عند تعدد محل الختم لا عند إعادته ثانيا وثالثا في محل واحد. وأيضا هو خلاف ظاهر كلامهم من أنه في المحالّ الثلاثة خاتم النبوة، ويؤيده أن المتبادر من القول في قصة الإسراء «ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوّة» أنه جعل خاتم النبوة بين كتفيه، وإلا فما معنى كون الخاتم بمعنى الطابع: أي خاتم النبوّة.
-
فإن قلت: على دعوى الغيرية يحتاج إلى الجواب عن قوله بخاتم النبوّة.
قلت: قد يقال هذا ليس برواية عن الشارع، وإنما وقعت تلك العبارة عن بعضهم.
-
ويجوز أن يكون الباء في كلامهم بمعنى مع: أي مع خاتم النبوّة فتأمل، والله أعلم.
قال صلى الله عليه وسلم: «ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا، ثم قال الأول للذي شق صدري زنه بعشرين من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال دعه فلو وزنتموه بأمته كلهم لرجحهم كلهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب الله لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك» .
- ج ١ ص ١٤٦
أقول في بعض الروايات «زنه بعشرة ثم قال زنه بمائة» ففي هذه الرواية طي ذكر وزنه بعشرين، وفي تلك الرواية طي ذكر وزنه بعشرة والله أعلم.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وبينا نحن كذلك إذا بالحي قد أقبلوا بحذافيرهم.
-
أي بأجمعهم- وإذا بظئري- أي مرضعتي- أمام الحي تهتف- أي تصيح بأعلى صوتها- وتقول: واضعيفاه، فأكبوا عليّ- يعني الملائكة الذين هم أولئك الرهط الثلاثة- وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عينيّ، وقالوا حبذا أنت من ضعيف، ثم قالت ظئري يا وحيداه، فأكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد، إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض، ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقلت لضعفك، فأكبوا عليّ وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما أريد بك من الخير لقرّت عينك، فوصلوا يعني الحي إلى شفير الوادي: فلما أبصرتني أمي وهي ظئري قالت:
لا أراك إلا حيا بعد، فجاءت حتى أكبت عليّ ثم ضمتني إلى صدرها فو الذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها ويدي في أيديهم يعني الملائكة، وجعل القوم لا يعرفونهم- أي لا يبصرونهم- فأقبل بعض القوم يقول إن هذا الغلام قد أصابه لمم: أي طرف من الجنون أو طائف من الجن أي وهي اللمة فانطلقوا به إلى كاهن حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت يا هذا ما بي مما تذكر، إن آرابي أي أعضائي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة أي علة يقلب بها إلى من ينظر فيها، فقال أبي وهو زوج ظئري: ألا ترون كلامه صحيحا إني لأرجو أن لا يكون بابني بأس، واتفقوا على أن يذهبوا بي إليه: أي إلى الكاهن، فلما انصرفوا بي إليه فقصوا عليه قصتي، فقال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري من أوّله إلى آخره فوثب قائما إلي وضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب من شرّ قد اقترب، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فو اللات والعزى لئن تركتموه فأدرك مدرك الرجال ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله» وفي رواية «ليسفهن أحلامكم أي عقولكم وليكذبن أوثانكم وليدعونكم إلى رب لم تعرفونه ودين تنكرونه فعمدت ظئري وانتزعتني من حجره وقالت لأنت أعته وأجن ولو علمت أن هذا قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك فأنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني إلى أهلهم وأصبحت مفزعا مما فعلوا، يعني الملائكة بي» أي من حملي من بين أترابي وإلقائي إلى الأرض، لا من خصوص الشق لما تقدم «وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي» أي أثر التئام الشق الناشئ عن إمرار يد الملك كأنه الشراك اهـ.
- ج ١ ص ١٤٧
أقول: الشراك أحد سيور النعل الذي هو المداس الذي يكون على وجههنا، ولعل حكمة بقائه ليدل على وجود الشق.
-
واعلم أنه حيث كانت قصة شق صدره الشريف في زمن الرضاع عند حليمة واحدة يكون هذه الروايات المراد منها واحد، وأن بعضها وقع فيها الاختصار عما وقعت به الإطالة في بعضها، وأن إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة كانوا ثلاثة لا ينافي إخباره بأنهم كانوا اثنين، ونسبة الأخذ والإضجاع والشق للبطن أو الصدر إلى الثلاثة أو إلى الاثنين، لا ينافي أن متعاطي ذلك واحد منهم كما أخبر به أخوه، وجاء التصريح به في بعض الروايات، وأن التعبير في بعضها بشق البطن هو المراد بشق الصدر إلى منتهى العانة في بعضها، وأنه ليس المراد بشق البطن أو شق الصدر شق القلب، لما تقدم في الرواية «واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها ثم أعادها مكانها، ثم قال لصاحبه تنح عنه، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي فصدعه الحديث» وأنه يجوز أن يكون الطست كان متعددا واحدا من زمردة خضراء وواحدا من ذهب، وأن الأول كان فارغا معدا لأن يلقى فيه ماء يغسل به باطنه أي مع أحشائه ومنها أي من جملة الأحشاء ظاهر قلبه من الإبريق الفضة وأن الثاني كان مملوآ ثلجا معدا لأن يغسل به قلبه: أي داخل قلبه.
-
وحينئذ يكون في بعض الروايات اقتصر على القلب، وفي بعضها جمع بينه وبين الأحشاء في ذلك ويحتاج إلى الجمع بين كون الشق في ذروة الجبل وكونه في شفير الوادي، وكون المخرج علقة وكونه مضغة.
-
وقد يقال جاز أن تكون ذروة الجبل قريبة من شفير الوادي، وأنه عبر عن الذي أخرجه وألقاه تارة بالعلقة وتارة بالمضغة، ولعل تلك المضغة كانت قريبة من العلقة ولا يخفى أن هذه العلقة يحتمل أنها غير حبة القلب التي أخذت منها المحبة وهي علقة سوداء في صميمه المسماة بسويداء القلب.
-
ويحتمل أنها هي والله أعلم، وقد أشار إلى هذه القصة صاحب الهمزية بقوله:
وأتت جده وقد فصلته ... وبها من فصاله البرحاء
إذ أحاطت به ملائكة الله ... فظنت بأنهم قرناء
ورأى وجدها به ومن الوج ... د لهيب تصلى به الأحشاء
فارقته كرها وكان لديها ... ثاويا لا يمل منه الثواء
شق عن قلبه وأخرج منه ... مضغة عند غسله سوداء
ختمته يمنى الأمين وقد أو ... دع ما لم يذع له أنباء
ج ١ ص ١٤٨صان أسراره الختام فلا الف ... ض ملمّ به ولا الإفضاء
أي وأتت حليمة به جده والحال أنها فطمته والحال أنه لحق بها من أجل فطامه، ورده التألم الزائد، وردها له لأجل أنه أحدقت به ملائكة الله فظنتهم شياطين، ورأى شدة محبتها له وتعلقها به، وقد حصل لها من الوجد الذي بها لهب تحترق الأحشاء به، وهي ما تحويه الضلوع، وفارقته بعد ردها له كارهة لفراقه والحال أنه كان مقيما عندها لا تملّ ذلك منه، وقد شق عن قلبه وأخرج من ذلك القلب عند غسله مضغة سوداء ختمت على ذلك القلب يمين الأمين جبريل بخاتم، والحال أن ذلك القلب الشريف قد أودع من الأسرار الإلهية ما لم تنشره أخبار، لأن تلك الأسرار لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، حفظ ذلك الختام أسراره التي أودعت فيه، فلا الكسر واقع بذلك الختم ولا الإشاعة واقعة لتلك الأسرار.
-
أقول: قد علمت أن صدره الشريف شق مرّتين غير هذه المرة: مرّة عند مجيء الوحي، ومرّة عند المعراج: وزاد بعضهم أنه شق عند بلوغه عشر سنين كما في مسلم.
-
ولما بلغ عمره صلى الله عليه وسلم عشرين سنة: أي ولعلها هي المعنية بقول صاحب المواهب وروي خامسة ولم تثبت وستأتي تلك الخامسة عن الدرّ المنثور، وسيأتي ما فيها والله أعلم.
قال: وفي المرة التي كان ابن عشر سنين: أي وأشهر قال صلى الله عليه وسلم: «جاءني رجلان، فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعني لحلاوة القفا، ثم شقا بطني فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر يغسل جوفي، ثم شق قلبي فقال أخرج الغل والحسد منه، فأخرج منه العلقة» .
-
والمتبادر أن أل في العلقة للعهد، وهي العلقة السوداء، التي تقدم أنها حظ الشيطان وأنها مغمزة فهي محل الغلّ والحسد.
-
وفيه أنه تقدم أيضا أن تلك العلقة أخرجت وألقيت قبل هذه المرة وتكرر نبذها مستحيل إلا أن تحمل العلقة على جزء بقي من أجزائها بناء على جواز أنها تجزأت أكثر من جزأين، المعبر عنهما فيما تقدم عن بعض الروايات علقتين سوداوين، إلا أن يقال المراد بقوله فأخرج منه العلقة أي أخرج ما هو كالعلقة: أي شيئا يشبه العلقة كما سيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات «فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه فذره عليه أي على شق القلب ليلتحم به ثم نقر إبهامي ثم قال اغد واسلم» .
-
أقول: لم يذكر في هذه المرة الختم. وظاهر هذه الرواية أن الصدر التحم
ج ١ ص ١٤٩بمجرد ذر الذرور. وتقدم في قصة الرضاع أن ذلك كان من إمرار يد الملك واستمر أثر التئام الشق بشاهد كالشراك.
-
وفي الدر المنثور عن زوائد مسند الإمام أحمد عن أبي بن كعب، عن أبي هريرة قال: «يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وقال: لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهر، إذا بكلام فوق رأسي، وإذا برجل يقول لرجل أهو هو، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر» أي من غير إتعاب «فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغلّ والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج» أي ليدخله شبه الفضة «ثم نقر إبهام رجلي اليمنى وقال اغد واسلم فرجعت أغدو بها رأفة على الصغير ورحمة على الكبير» ولم يذكر في هذه المرة الغسل فضلا عما يغسل به، ولم يذكر الختم، ولكن قول الرجل للآخر أهو هو يدل على أن الرجلين ليسا جبريل وميكائيل لأنهما يعرفانه، وقد فعلا به ذلك في قصة الرضاع. وقد يدعي أن هذه الرواية هي عين الرواية قبلها، وذكر عشرين سنة غلط من الراوي، وإنما هي عشر سنين.
-
ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو كان سنه عشر حجج، وقد تحمل هذه المرة أي كونه ابن عشرين سنة، على أن ذلك كان في المنام وإن كان خلاف ظاهر السياق.