باب ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما اتصل به

١٥٠ فقرة، ج ١ ص ١٢٤

الصفحة ٤ من ٤

  1. وقال صلى الله عليه وسلم في المرة التي هي عند ابتداء الوحي: «جاءني جبريل وميكائيل فأخذني جبريل وألقاني لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج» ولم يبين ذلك ما هو «ثم غسله في طست من ماء زمزم ثم أعاده مكانه ثم لأمه: أي بذلك الذرور: أي بإمرار يده أو بهما جميعا ثم أكفأني كما يكفى الإناء ثم ختم في ظهري» .

    ج ١ ص ١٤٩
  2. يحتمل أن يكون المراد في غير المحل الذي ختمه في قصة الرضاع وهو بين كتفيه. ويحتمل أن المراد بظهره المحل الذي ختمه في قصة الرضاع.

  3. وفيه أنه لا معنى لوضع الختم على الختم كما تقدم ويمكن أن تكون الحكمة في الجمع بين جبريل وميكائيل أن ميكائيل ملك الرزق الذي به حياة الأجساد والأشباح، وجبريل ملك الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، والمرة التي هي عند المعراج سيأتي الكلام عليها. وفيها أن الختم وقع بين كتفيه وفيه ما علمت.

  4. وقد علمت أن شق الصدر والبطن غير شق القلب، وأن شق القلب وإخراج

    ج ١ ص ١٥٠العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان ومغمزه مما اختص به صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

  5. وما في بعض الآثار أن التابوت أي تابوت بني إسرائيل كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء المراد ظاهر قلوبهم، لأن القلب من جملة الأحشاء التي غسلت بغسل الصدر أو البطن كما تقدم على أن ابن دحية ذكر أنه أثر باطل.

  6. وقد يطلق الصدر على القلب من باب تسمية الحال باسم محل. ومنه ما وقع في قصة المعراج «ثم أتى بطست ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغ في صدره» ومنه قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى: إن شق صدره الشريف من خصائصه صلى الله عليه وسلم على الأصح من القولين: أي شق قلبه. وسيأتي الكلام على ذلك في الكلام على المعراج بما هو أبسط مما هنا.

  7. وعن حليمة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت بعد رجوعها به صلى الله عليه وسلم من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا: أي عنها، فغفلت عنه صلى الله عليه وسلم يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه فوجدته مع أخته أي من الرضاعة وهي الشيماء، وكانت تحضنه مع أمها أي ولذلك تدعى أمّ النبي أيضا أي وكانت ترقصه بقولها:

    هذا أخ لي لم تلده أمي ... وليس من نسل أبي وعمي

    فأنمه اللهم فيما تنمي

    فقالت في هذا الحر: أي لا ينبغي أن يكون في هذا الحر، فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرا، رأيت غمامة تظلّ عليه، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع، فجعلت تقول: أحقا يا بنية؟ قالت: إي والله، فجعلت تقول: أعوذ بالله من شرّ ما يحذر على ابني: أي وفي كلام بعضهم: ورأت يعني حليمة الغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت.

  8. وقد يقال الرؤية في حق حليمة علمية، وفي حق أخته بصرية فلا مخالفة، أو أنها أبصرتها بعد الإخبار بها كما يدل على ذلك القول بأنه أفزعها ذلك من أمره أي وفي كونها فزعت من ذلك بعد إخبار أخته لها بذلك شيء، فقدمت به على أمه.

  9. أقول: عن الواقدي أن حليمة لما قدمت به صلى الله عليه وسلم إلى مكة لترده لأمه رأت غمامة تظله في الطريق، إن سار سارت، وإن وقف وقفت. وسياق هذه الرواية يقتضي أنها ردته إلى أمه عقب مجيئها به من مكة، وأن ذلك كان قبل شقّ صدره عندها.

  10. وحينئذ تكون هذه قدمة ثانية لحليمة إلى مكة كانت قبل شق صدره، ففي القدمة الأولى كان سنه صلى الله عليه وسلم سنتين، وفي هذه القدمة كان سنه صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهرا

    ج ١ ص ١٥١وتكون هذه المرة الثانية محمل قول حليمة: فو الله إنه بعد مقدمنا بأشهر. وقول ابن الأثير بشهرين أو ثلاثة.

  11. وأما في القدمة الثالثة وهي التي بعد شق صدره وتركها له صلى الله عليه وسلم عند أمه كان سنه أربع سنين، وفيها كانت وفاتها على ما يأتي، وقيل خمس سنين قاله ابن عباس، وقيل ست سنين، ويكون بعض الرواة اشتبه عليه الأمر، وظن أن هذه القدمة الثانية التي قبل شق صدره هي الثالثة التي بعد شق صدره صلى الله عليه وسلم فلزم الإشكال، فتأمل ذلك تأملا حميدا، ولا تكن ممن يفهم تقليدا، والله أعلم.

  12. ووفدت عليه صلى الله عليه وسلم حليمة بعد تزوجه خديجة تشكو إليه ضيق العيش، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرات، جمع بكرة: وهي الثنية من الإبل:

    أي وفي رواية أربعين شاة وبعيرا اهـ.

  13. ووفدت عليه يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه، أي فقد قال بعضهم:

    لم تره بعد أن ردته إلا مرتين: إحداهما بعد تزوّجه خديجة: أي وعليه تكون هذه المرة هي التي قدمت فيها مع زوجها وولدها وأجلسهم على ردائه أي ثوبه الذي كان جالسا عليه كما تقدم، والمرة الثانية يوم حنين.

  14. وفي كلام القاضي عياض: ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك: أي بسط لها رداءه، ثم جاءت عمر ففعل كذلك.

  15. وفي كلام ابن كثير أن حديث مجيء أمه صلى الله عليه وسلم إليه في حنين غريب وإن كان محفوظا، فقد عمرت دهرا طويلا لأن من وقت أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقت الجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين أزيد من ستين سنة. وأقل ما كان عمرها حين أرضعته عليه الصلاة والسلام ثلاثين سنة وكونها وفدت على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما تزيد المدة على المائة.

  16. وعن أبي الطفيل قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما بالجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين، كما تقدم، والطائف وأنا غلام شاب فأقبلت امرأة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه، فقيل: من هذه؟ قيل: أمه التي أرضعته صلى الله عليه وسلم» وفي رواية «استأذنت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت ترضعه، فلما دخلت عليه قال: أمي أمي وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه» اهـ. وتقدم عن شرح الهمزية لابن حجر أن من سعادة حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها.

  17. وفي الأصل ومن الناس من ينكر إسلامها، وأشار بذلك إلى شيخه الحافظ الدمياطي فإنه من جملة المنكرين حيث قال: أي في سيرته: حليمة لا يعرف لها صحبة ولا إسلام، وقد وهم غير واحد فذكروها في الصحابة وليس بشيء، وكان

    ج ١ ص ١٥٢الأنسب أن يقول ذكروا إسلامها وليس بشيء ويوافقه قول الحافظ ابن كثير الظاهر أن حليمة لم تدرك البعثة. ورده بعضهم فقال: إسلامها لا شك فيه عند جماهير العلماء، ولا يعول على قول بعض المتأخرين إنه لم يثبت. فقد روى ابن حبان حديثا صحيحا دل على إسلامها، وأنكر الحافظ الدمياطي وفودها عليها في حنين وقال: الوافدة عليه في ذلك إنما هي أخته من الرضاعة وهي الشيماء.

  18. أقول: وعلى صحة ما قاله الحافظ الدمياطي لا ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم: «أمي أمي» لأنه كان يقال لأخته الشيماء أم النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها كانت تحضنه مع أمها كما تقدم، ولا قول بعض الصحابة أمه التي أرضعته، لأنه يجوز أنه لما قيل أمه حملها على المرضعة له صلى الله عليه وسلم لتيقن موت أمه من النسب. وعلى كون الوافدة عليه في حنين أخته اقتصر في الهدى والله أعلم.

  19. أقول: قال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد عدة آثار في مجيء أمه من الرضاعة إليه صلى الله عليه وسلم في حنين، وفي تعدد هذه الطرق ما يقتضي أن لها أصلا أصيلا، وفي اتفاق الطرق على أنها أمه رد على من زعم أن التي قدمت عليه أخته اهـ.

  20. أقول: لا رد في ذلك، لأنه علم أن أخته المذكورة كان يقال لها أم النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف بعض الصحابة لها بأنها أمه من الرضاعة تقدم أنه يجوز أن يكون بحسب ما فهم.

  21. ومما يعين أنها أخته ما سيأتي أنها لما أخذت في حنين من جملة سبي هوازن قالت للمسلمين: أنا أخت صاحبكم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له: يا رسول الله أنا أختك، قال: وما علامة ذلك، قالت عضة عضيتنيها في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فقام لها قائما وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت عيناه إلى آخر ما يأتي.

  22. وكلام المواهب يقتضي أنهما قضيتان: واحدة كانت فيها أخته، والأخرى كانت فيها أمه من الرضاعة حيث قال: «وقد روي أن خيلا له صلى الله عليه وسلم أغارت على هوازن، فأخذوها يعني أخته من الرضاعة التي هي الشيماء، فقالت أنا أخت صاحبكم إلى أن قال فبسط لها رداءه وأجلسها عليه فأسلمت» ثم قال: وجاءته يعني أمه من الرضاعة التي هي حليمة يوم حنين فقام إليها وبسط رداءه لها وجلست عليه.

  23. وهذا كما ترى يوهم أن الخيل التي أغارت على هوازن التي كانت فيها أخته لم تكن في حنين، وأن أمه لم تكن يوم حنين في سبي هوازن مع أن القصة واحدة، وأن سبي هوازن كان يوم حنين. فيلزم أن يكون جاء إليه يوم حنين كل من أمه وأخته من الرضاعة الأولى في غير السبي والثانية في السبي. وأنه فرش لكل رداءه، وهو

    ج ١ ص ١٥٣تابع في ذلك لابن عبد البر حيث قال في الاستيعاب: حليمة السعدية أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة جاءت إليه يوم حنين، فقام لها وبسط لها رداءه فجلست عليه وروت عنه: وروى عنها عبد الله بن جعفر، ثم قال حذافة أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة يقال لها الشيماء، أغارت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم على هوازن، فأخذوها فيما أخذوا من السبي الحديث، وكون عبد الله بن جعفر روى عن حليمة.

    قال الحافظ ابن حجر: لا يتهيأ له السماع منها إلا بعد الهجرة بسبع سنين فأكثر، لأنه قدم من الحبشة مع أبيه الذي هو جعفر بن أبي طالب في خيبر سنة سبع، وتبعد حياتها وبقاؤها إلى ذلك الزمن.

  24. وفيه أن حنينا بعد خيبر، وأبعد من ذلك وقوفها على أبي بكر وعمر، وقد تقدم ما يشعر باستبعاد ذلك عن ابن كثير.

  25. والذي يتجه أن الوافدة عليه في حنين أخته لا أمه كما يقول الحافظ الدمياطي، والله أعلم. قال: قال أبو الفرج بن الجوزي: ثم قدمت، أي حليمة، عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت أي فلا يقال: سلمنا أن حليمة هي القادمة عليه: أي بعد النبوة، فما الدليل على إسلامها اهـ.

  26. أقول: كان من حقه أن يقول بدل هذه العبارة التي ذكرها وإنما قال يعني ابن الجوزي فأسلمت بعد قوله قدمت عليه بعد النبوة لأنه لا يلزم من قدومها عليه بعد النبوة إسلامها. وفي كون قول ابن الجوزي فأسلمت دليلا على إسلامها نظر، بل هي دعوى تحتاج إلى دليل، إلا أن يقال: قول ابن الجوزي فأسلمت دليل لنا على إسلامها: والله أعلم.

  27. وذكر الذهبي أن التي وفدت عليه صلى الله عليه وسلم في الجعرانة يجوز أن تكون ثويبة، ونظر فيه بأن ثويبة توفيت سنة سبع: أي من الهجرة أي مرجعه من خيبر على ما تقدم.

  28. أقول ذكر في النور أن الحافظ مغلطاي له مؤلف في إسلام حليمة سماه:

    التحفة الجسيمة في إسلام حليمة.

  29. وذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لم ترضعه مرضعة إلا وأسلمت، لكن هذا البعض قال:

    ومرضعاته صلى الله عليه وسلم أربع: أمه وحليمة السعدية وثويبة وأم أيمن أيضا.

  30. وهو يؤيد ما تقدم عن ابن منده من إسلام ثويبة: وأما إسلام آمنة فسنذكره، وكون أم أيمن أرضعته صلى الله عليه وسلم تقدم ما فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم.