باب نبذة من خصائصه صلى الله عليه وسلم
٩٢ فقرة، ج ٣ ص ٤١٥
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٣ ص ٤٢٣
ولا يجوز كشف وجوههن لشهادة بلا خلاف، وأن الله سبحانه وتعالى أخذ الميثاق على سائر النبيين آدم فمن بعده أن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم وينصروه إن أدركوه وأن يأخذوا العهد على أممهم بذلك كما تقدم، وأنه صلى الله عليه وسلم يحشر على البراق، فقد جاء:
«تبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الدواب ويبعث صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة رضي الله تعالى عنهم على ناقته العضباء والقصوى، ويبعث بلال رضي الله تعالى عنه على ناقة من نوق الجنة، وأن في كل يوم ينزل على قبره الشريف صلى الله عليه وسلم سبعون ألف ملك يضربونه بأجنحتهم ويحفون به، ويستغفرون له، ويصلون عليه إلى أن يمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك كذلك حتى يصبحون لا يعودون إلى أن تقوم الساعة» وأنه شق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم عند ابتداء الوحي، وأنه تكرر له ذلك خمس مرات على ما تقدم، وأن خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان لغيره. وخاتم الأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام كان في يمينهم كما تقدم، وتقدم ما فيه، وأن له صلى الله عليه وسلم ألف اسم، ونقل عن تفسير الفخر الرازي أن له صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف اسم، وأنه صلى الله عليه وسلم تسمى من أسماء الله تعالى بنحو سبعين اسما، وأنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على الصورة التي خلق عليها مرتين كما تقدم، وغيره لم يره كذلك، وأنه عليه الصلاة والسلام يحكم بالظاهر والباطن كما تقدم، وأنه صلى الله عليه وسلم أحلت له مكة ساعة من نهار وأنه حرّم ما بين لابتي المدينة كما تقدم، وأنه لم تر عورته قط، وأن من رآها طمست عيناه كما تقدم، وأنه إذا مشى في الشمس أو في القمر لا يكون صلى الله عليه وسلم ظل لأنه كان نورا وأنه إذا وقع شيء من شعره في النار لا يحترق، وأن وطأة أثر في الصخر على ما تقدم، وأن الذباب لا يقع على ثيابه فضلا عن جسده الشريف، ولا يمتص نحو البعوض والقمل دمه كما تقدم، وهذا لا ينافي كون القمل يكون في ثوبه، ومن ثم جاء: «كان صلى الله عليه وسلم يفلي ثوبه» وأن عرقه أطيب من ريح المسك كما تقدم.
-
وكان صلى الله عليه وسلم إذا ركب دابة لا تبول ولا تروث وهو راكبها، ولو بنى مسجده إلى صنعاء اليمن كان مسجده أي في المضاعفة خلافا لجمع منهم ابن حجر الهيتمي.
-
وقد قال الحافظ السيوطي: نص العلماء على أن المسجدين: أي المكي والمدني، ولو وسعا لم تختلف أحكامهما الثابتة لهما.
- ج ٣ ص ٤٢٤
وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لو مدّ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه، فهذا الأثر مصرح بأن أحكام مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة له، فالتوسعة لا تمنع استمرار الحكم، وتقدم ما في ذلك، وأنه يجب على أمته صلى الله عليه وسلم أن تصلي وتسلم عليه في التشهد الأخير وعند كل ما يذكر عند بعضهم، وأن القمر شق له صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وأن الحجر والشجر سلما عليه صلى الله عليه وسلم، وشهادة الشجر له صلى الله عليه وسلم بالنبوة وإجابتها دعوته، وكلام الصبيان المراضع، وشهادتهم له بالنبوة كما تقدم، وأن الجذع اليابس حن إليه صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وأنه صلى الله عليه وسلم أرسل للناس كافة الإنس والجن إجماعا معلوما من الدين بالضرورة فيكفر جاحد ذلك، وقد يتوقف في كفر العامي بجحد إرساله صلى الله عليه وسلم للجن وإلى الملائكة على ما هو الراجح كما تقدم.
-
قال بعضهم والقول بمقابلة مبني على تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهو قول مرجوح ذهب إليه المعتزلة والفلاسفة وجماعة من أهل السنة الأشاعرة. واستدلوا بأمور كلها مردودة وتقدم عن البارزي رحمه الله أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الحيوانات والجمادات، لكن استدل له بشهادة الضب والشجر له بالرسالة صلى الله عليه وسلم. وقد يتوقف في الاستدلال بذلك.
-
وتقدم عن الحافظ السيوطي رحمه الله أنه صلى الله عليه وسلم أرسل لنفسه، وتقدم الفرق بين عموم رسالته عليه الصلاة والسلام وعموم رسالة نوح صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للبر والفاجر، ورحمة للكفار بتأخير العذاب، وعدم معالجتهم بالعقوبة بنحو الخسف والمسخ والغرق كسائر الأمم المكذبة كما تقدم، وأن الله تعالى لم يخاطبه باسمه كما خاطب غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل خاطبه صلى الله عليه وسلم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: الآية ٦٤] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة: الآية ٤١] يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) [المزمّل: الآية ١] وقال: يا آدَمُ [البقرة: الآية ٣٣] يا نُوحُ [هود: الآية ٣٢] يا إِبْراهِيمُ [هود: الآية ٧٦] يا داوُدُ [ص: الآية ٢٦] يا زَكَرِيَّا [مريم: الآية ٧] يا يَحْيى [مريم: الآية ١٢] يا عِيسى [آل عمران: الآية ٥٥] وأن الله أقسم بحياته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) [الحجر: الآية ٧٢] .
-
وروى ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم» وأقسم الله على رسالته بقوله: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) [يس: الآية ١- ٣] وأن إسرافيل عليه السلام أهبط إليه صلى الله عليه وسلم ولم يهبط إلى نبي قبله كما تقدم، وأنه صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق على الله، وأنه يحرم نكاح موطوآته صلى الله عليه وسلم من الزوجات والسراري إلا من باعه أو وهبه من السراري في حياته إن فرض ذلك، وذهب الماوردي إلى تحريمها.
-
وفي كلام بعضهم: وتحرم زوجاته صلى الله عليه وسلم على غيره ولو قبل الدخول ولو مختارة
ج ٣ ص ٤٢٥للفراق، خلافا لما في الشرح الصغير للرافعي من حل المختارة للفراق، وأنه يحرم التزوّج على بناته صلى الله عليه وسلم، وقيل على فاطمة خاصة رضي الله تعالى عنها. وأما التسري إلا عليهنّ فلم أقف على حكمه، وما علل به منع التزويج عليهنّ حاصل في التسري إلا أن يفرق.
-
وأوتي صلى الله عليه وسلم قوة أربعين رجلا من أهل الجنة في الجماع، وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا، فيكون أعطي صلى الله عليه وسلم قوة أربعة آلاف رجل، وسليمان صلوات الله وسلامه عليه أعطى قوة مائة رجل. وقيل ألف رجل أي من رجال الدنيا، وأن فضلاته صلى الله عليه وسلم طاهرة كما تقدم، وأنه كان له صلى الله عليه وسلم أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي فاستبقه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وتباطا الأعرابي والفرس معه فساومه في الفرس رجال لا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه بزيادة عما اشتراه به صلى الله عليه وسلم فقال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت مبتاعا لهذا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمع نداء الأعرابي: أو ليس قد ابتعته منك، فقال الأعرابي: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
بلى قد ابتعته منك، فقال الأعرابي: شاهدان يشهدان أني بعتك، فلما سمع خزيمة رضي الله تعالى عنه ذلك، قال: أنا أشهد أنك بعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخزيمة: كيف تشهد ولم تكن معنا؟ فقال: يا رسول الله إنا نصدقك بخبر السماء أفلا نصدقك بما تقول، فجعل صلى الله عليه وسلم شهادته رضي الله تعالى عنه في القضايا بشهادة رجلين. ومنه أخذ جواز الشهادة له صلى الله عليه وسلم بما ادعاه.
-
وترخيصه صلى الله عليه وسلم لأم عطية رضي الله تعالى عنها، ولخولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها في النياحة لجماعة مخصوصين.
-
وترخيصه صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها في عدم الإحداد لما قتل زوجها سيدنا جعفر بن أبي طالب حيث قال لها تسلي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت.
-
وتجويز التضحية بالعناق لأبي بردة ولعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما.
-
وزاد بعضهم ثلاثة آخرين.
-
وتزويجه صلى الله عليه وسلم لشخص امرأة على سورة من القرآن وقال: لا تكون لأحد غيرك مهرا ولعل المراد سورة مجهولة، فلا يخالفه ذلك ما عند أئمتنا من جواز ذلك على معين من السور القرآنية.
-
وتزويجه صلى الله عليه وسلم أم سليم أبا طلحة رضي الله تعالى عنهما على إسلامه كما تقدم وإعادة امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلقها ثلاثا من غير محلل.
-
وتخصيصه صلى الله عليه وسلم نساء المهاجرين بأن يرثن دور أزواجهن دون بقية الورثة وقد
- ألغز في ذلك بعضهم بقوله:
-
سلم على مفتي الأنام وقل به ... هذا سؤال في الفرائض مبهم
قوم إذا ماتوا تحوز ديارهم ... زوجاتهم فلغيرها لا تقسم
وبقية المال الذي قد خلفوا ... يجري على أهل التوارث منهم
وأنه صلى الله عليه وسلم أول من ينشق عنه القبر، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم أهل البقيع فيخرجون معي ثم أنتظر أهل مكة» ، أي وفي رواية: «وأنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى عليه الصلاة والسلام آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله» .
-
وفيه أن الاستثناء إنما هو من نفخة الفزع التي هي النفخة الأولى التي يفزع بسببها أهل السموات والأرض، وتمر الجبال مر السحاب، وترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة في البحر تضربها الأمواج المعنية بقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) [النازعات: الآية ٦ و ٧] والمعنية بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) [الحج: الآية ١] الآية. قال صلى الله عليه وسلم:
«والأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك، قلنا يا رسول الله فمن استثنى الله في قوله:
إلا من شاء الله: قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: الآية ١٦٩] ، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه» .
-
وفيه أن هذا يقتضي أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يفزعون لأنهم أحياء، ولم يذكرهم صلى الله عليه وسلم مع الشهداء، والقياس قد يمنع لأنه يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل. وأنه من يكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة، وأنه صلى الله عليه وسلم يقوم في المقام المحمود على يمين العرش، وأنه الذي يشفع في فصل القضاء بين أهل الموقف، وأنه له صلى الله عليه وسلم شفاعات في ذلك اليوم وهي إحدى عشرة شفاعة ذكرها في «مزيل الخفاء» وأنه صلى الله عليه وسلم صاحب لواء الحمد في ذلك اليوم، آدم فمن دونه تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، وأنه خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإمامهم في ذلك اليوم كما تقدم.
-
وأول من يؤذن له في السجود. وأول من ينظر إلى الرب عز وجل، وأنه يسجد أوّلا فيقول له الرب جل جلاله، ارفع رأسك يا محمد، قل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم ثانيا، ثم ثالثا كذلك فيشفع.
-
وأنه أول من يفيق من الصعقة. وفيه أن نفخة الصعقة، وهي النفخة الثانية التي هي نفخة الموت لأهل السموات والأرض، إلا أن يقال المراد بالصعقة هنا نفخة رابعة أثبتها ابن حزم.
- ج ٣ ص ٤٢٧
فقد قال الحافظ الجلال السيوطي رحمه الله: وأغرب ابن حزم رحمه الله تعالى، فادعى أن النفخ في الصور يقع أربع مرات، فعليه تكون هذه النفخة ليست هي المذكورة في القرآن، وأنها تكون في الموقف بعد النفخة الثالثة التي هي نفخة البعث التي بسببها يكون القيام من القبور إلى المحشر المعنية بقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: الآية ٦٨] وهذه النفخة الرابعة تسمى نفخة الصعق أيضا، لأن بها يحصل لجميع أهل السموات والأرض في ذلك الوقت غشي وهو شبيه بالموت، ويكون أول من يفيق من تلك الصعقة هو صلى الله عليه وسلم، وحينئذ يجد موسى عليه الصلاة والسلام آخذا بقائمة من قوائم العرش، ويكون قوله: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أنا أول من رفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش» من تخليط بعض الرواة. وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب بأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بقوله لا أدري قبل أن أعلمه الله تعالى بأنه أول من تنشق عنه الأرض على الإطلاق، وأن موسى عليه الصلاة والسلام سبقه إلى العرش لأنه صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من الأرض ينتظر خروج أهل البقيع، ومجيء أهل مكة فليتأمل ذلك.
-
وأول من يمر على الصراط، وأول من يدخل الجنة ومعه فقراء المسلمين، وأن له الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة.
-
وقيل إنه في الجنة لا يصل لأحد شيء إلا بواسطته صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يقرأ في الجنة إلا كتابه، ولا يتكلم في الجنة إلا بلسانه.
-
ومما شارك فيه الأنبياء في هذا القسم، أن من دعاه صلى الله عليه وسلم، في الصلاة تجب عليه الإجابة قولا وفعلا ولو كثيرا، ولا تبطل صلاته بالنسبة لنبينا صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنها تبطل.
-
ومنه أيضا العصمة من الذنب مطلقا كبيرا أو صغيرا عمدا أو سهوا، وعدم التثاؤب والاحتلام، لأن كلا من الشيطان، ولم ير أثر لقضاء حاجته صلى الله عليه وسلم، بل كانت الأرض تبتلعه ويشم من مكانه رائحة المسك. قال: وأنه صلى الله عليه وسلم كان ينظر بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء.
-
واستشكل بما جاء: «أنه صلى الله عليه وسلم لما ابتنى بأم سلمة رضي الله عنها دخل عليها في الظلمة، فوطىء صلى الله عليه وسلم على ابنتها زينب فبكت، فلما كانت الليلة القابلة دخل صلى الله عليه وسلم في ظلمة أيضا فقال: «انظروا ربائبكم لا أطأ عليها» وزينب هذه ولدتها من أبي سلمة بالحبشة، ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل وهي إذ ذاك طفلة فنضح صلى الله عليه وسلم وجهها بالماء، فلم يزل ماء الشباب بوجهها حتى عجزت وقاربت المائة سنة.
-
وكان صلى الله عليه وسلم ينظر من خلفه كما ينظر أمامه، أي وعن يمينه وعن شماله، فقد جاء: «إني لأنظر إلى ما وراء ظهري كما أنظر إلى أمامي» فقيل كان له صلى الله عليه وسلم بين كتفيه
ج ٣ ص ٤٢٨عينان كسم الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثياب، وقيل كانت تنطبع صورة المحسوسات التي خلفه في حائط قبلته كما تنطبع الصور في المرآة. وهذا يدل على أن ذلك خاص بالصلاة، وهو ظاهر أكثر الروايات أي وكانت تلك الصلاة إلى حائط فليتأمل.
-
وكان صلى الله عليه وسلم يرى الثريا اثنا عشر نجما وغيره لا يزيد على تسعة ولو أمعن النظر.
-
واختصت هذه الأمة المحمدية بأمور لم يشاركها فيه من قبلهم من الأمم، وهي أنها خير الأمم، وأكرم الخلق على الله. قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: الآية ١١٠] .
-
وفي الحديث: «إن الله اختار أمتي على سائر الأمم. وإن الله ينظر إليها في أول ليلة من رمضان» وأعطيت الاجتهاد في الأحكام، وأظهر الله ذكرها في الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل، وأثنى عليها، وأعطيت الصلوات الخمس: أي جمعت لهم على ما تقدم، وأعطيت صلاة العشاء.
-
فقد أخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم فضلتم بها» أي بصلاة العشاء «على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم» وفيه ما تقدم.
-
وأعطيت افتتاح الصلاة بالتكبير. وأعطيت التأمين: أي قول آمين عقب الدعاء، فقد جاء: «أعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها هارون فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون عليهما الصلاة والسلام» وتقدم أن آمين عقب الفاتحة ليس من القرآن اتفاقا.
-
وأعطيت الاستنجاء بالحجر. وأعطيت الأذان والإقامة والركوع في الصلاة، وأما قوله تعالى لمريم: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: الآية ٤٣] فالمراد بالركوع الخضوع كما تقدم، ويلزمه أنها أعطيت في الرفع منه «سمع الله لمن حمده» . وفي الاعتدال «اللهم ربنا لك الحمد» إلى آخره. وأعطيت تحريم الكلام في الصلاة دون الصوم عكس من قبلهم. وأعطيت الجماعة في الصلاة. وأعطيت الاصطفاف فيها كصفوف الملائكة. وأعطيت صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء والوتر. وأعطيت قصر الصلاة في السفر، والجمع بين الصلاتين فيه على ما تقدم وفي المطر والمرض على قول اختاره جمع من العلماء ومنهم والدي رحمه الله. وأعطيت صلاة الخوف وصلاة شدته. وأعطيت شهر رمضان على ما تقدم. وأعطيت فيه أمورا منها تصفيد الشياطين.
-
وقد سئلت: ما فائدة تصفيد الشياطين في رمضان مع وجود الفساد والشر وقتل الأنفس فيه؟ وقد أجبت عنه أربعة أجوبة، حاصلها أن فائدة ذلك قلة الشر لا نفيه بالكلية، وقد ذكرت ذلك في كتابي «إسعاف الإخوان في شرح غاية الإحسان» وهو
ج ٣ ص ٤٢٩كتاب ألفته في الصوم وما يتعلق به.
-
ومنها صلاة الملائكة عليهم حين يفطروا. ومنها أن ريح فمهم بعد الزوال أطيب عند الله من ريح المسك، وفيه أن هذا لا يختص بصوم رمضان. ومنها أن الجنة تزين فيه من رأس الحول إلى رأس الحول، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب السماء في أول ليلة منه.
-
ومنها أنه يغفر لهم في آخر ليلة منه. وأعطيت العقيقة عن الأنثي. وأعطيت العذبة في العمامة. وأعطيت الوقف، والوصية بالثلث عند الموت. وأعطيت غفران الذنوب بالاستغفار، وجعل الندم توبة. وأعطيت صلاة الجمعة. وأعطيت ساعة الإجابة في يومها. وأعطيت ليلة القدر. وأعطيت السحور وتعجيل الفطر. وأعطيت الاسترجاع عند المصيبة. وأعطيت الحوقلة: أي لا حول ولا قوة إلا بالله. وأعطيت رفع الإصر عنها، ومنه وجوب القصاص في الخطأ والمؤاخذة بحديث النفس والنسيان وما وقع عليه الإكراه، وأن إجماعها حجة لأنها لا تجتمع على ضلالة: أي محرم. وأعطيت أن اختلاف علمائها رحمة، وكان اختلاف من قبلهم عذابا، والمراد بعلماء الأمة المجتهدون، كما أن المراد ذلك كما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اختلاف أصحابي رحمة» أي ويقاس بأصحابه غيرهم ممن بلغ رتبة الاجتهاد. قال بعضهم: وما ذكره بعض الأصوليين والفقهاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اختلاف أمتي رحمة» لا يعرف من خرّجه بعد البحث الشديد، وإنما يعرف عن القاسم بن محمد بلفظ: «اختلاف أمة محمد رحمة» قال الحافظ السيوطي: ولعله خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا، وأن الطاعون لهم رحمة وكان على من قبلهم عذابا. وأعطيت الإسناد للحديث. قال أبو حاتم الرازي رحمه الله: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام من يحفظون آثار الرسل، أي ويأخذها واحد عن الآخر إلا في هذه الأمة، أي حتى إن الواحد منهم يكتب الحديث الواحد من ثلاثين طريقا أو أكثر، وأن فيها الأقطاب والأنجاب والأوتاد، ويقال لهم العمد والأبدال والأخيار والعصب، فالأبدال بالشام، واختلفت الروايات في عددهم: فأكثر الروايات أنهم أربعون رجلا، وفي بعض الروايات أربعون رجلا، وأربعون امرأة كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا، وكلما ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة، فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم، فعند ذلك تقوم الساعة.
-
وعن الفضل بن فضالة قال: الأبدال بالشام في حمص خمسة وعشرون رجلا، وفي دمشق ثلاثة عشر، وفي بيسان اثنان. وفي رواية عن حذيفة بن اليمان: «الأبدال بالشام ثلاثون رجلا على منهاج إبراهيم عليه الصلاة والسلام» .
- ج ٣ ص ٤٣٠
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أربعون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم الأبدال.