باب: بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى

٣٣٥ فقرة، ج ١ ص ٢٠٤

الصفحة ٣ من ٩

  1. أقول: ورأيت في ترجمة كلام الشيخ كمال الدين الأخميمي أنه لما جاور بمكة رأى الحجر الأسود وقد خرج من مكانه وصار له يدان ورجلان ووجه، ومشى ساعة ثم رجع إلى مكانه.

    ج ١ ص ٢١٩
  2. وقد جاء «أكثروا من استلام هذا الحجر، فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه، إن الله عز وجل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة» أي فقد جاء «ليس في الأرض من الجنة إلا الحجر الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى» وجاء «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع» وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة، والله أعلم.

  3. وجاء «أن آدم أتى ذلك، أي تلك الخيمة: أي التي هي البيت المعمور على ما تقدم ألف مرة من الهند ماشيا من ذلك ثلاثمائة حجة وسبعمائة عمرة، وأول حجة حجها جاءه جبريل وهو واقف بعرفة فقال له: يا آدم برّ نسكك، أما إنا قد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة. وفي رواية: لما حج آدم استقبلته الملائكة بالردم: أي ردم بين جمح الذي هو محل المدعي، فقالوا: بر حجك يا آدم، قد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام.

  4. أقول: وفي تاريخ مكة للأزرقي أن آدم عليه الصلاة والسلام حج على رجليه سبعين حجة ماشيا، وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. والمأزمان: موضع بين عرفة والمزدلفة. قال الطبري: ودون مني أيضا مأزمان، والله أعلم بالمراد منهما هذا كلامه. وجاء «أنه وجد الملائكة بذي طوى وقالوا له: يا آدم ما زلنا ننتظرك ههنا منذ ألفي سنة» وكان بعد ذلك إذا وصل إلى المحل المذكور خلع نعليه، ويحتاج للجمع بين كون الملائكة استقبلته بالردم، وكونها لقيته بالمأزمين، وكونه وجدهم بذي طوي، وبين كونهم حجوا البيت قبله بألف عام، وكونهم حجوا قبله بألفي عام، وبخمسين ألف عام، وهل الملائكة خلقوا دفعة واحدة أم خلقوا جيلا بعد جيل.

  5. ومما يدل على أنهم جيلا بعد جيل ما جاء من نحو «من قال سبحان الله وبحمده، خلق الله ملكا له عينان وجناحان وشفتان ولسان يطير مع الملائكة ويستغفر لقائلها إلى يوم القيامة» وما جاء «إن جبريل في كل غداة يدخل بحر النور فينغمس

    ج ١ ص ٢٢٠فيه» الحديث، لكن في «سفر السعادة» الحديث المنسوب إلى أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال:

    «يأمر الله تعالى جبريل كل غداة أن يدخل بحر النور ينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق الله عز وجل من كل قطرة منها ملكا» لهذا الحديث طرق كثيرة ولم يصح منها شيء؟ ولم يثبت في هذا المعنى حديث هذا لفظه، والله أعلم.

  6. وعند ذلك قال آدم للملائكة: «فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول:

    سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. قال آدم: زيدوا فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله فكان آدم إذا طاف يقولها، وكان طوافه سبعة أسابيع بالليل وخمسة أسابيع بالنهار: أي ولما فرغ من الطواف صلى ركعتين تجاه باب الكعبة، ثم أتى الملتزم أي محله فقال: اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم ما في نفسي وما عندي فاغفر لي ذنبي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي» الحديث.

  7. أقول: قول الملائكة قد طفنا بهذا البيت لا يحسن أن يعنوا به تلك الخيمة المذكورة المعنية بقوله تعالى لآدم: قد أهبطت بيتا إلى آخر ما تقدم، أو كونها أهبطت مع آدم، بل المراد محل ذلك البيت الذي هو الخيمة قبل أن تنزل.

  8. ويجوز أن يكون المراد تلك الخيمة أو نفس تلك الخيمة، بناء على أنها البيت المعمور، وأن الملائكة طافوا بها قبل نزولها إلى الأرض كما تقدم. قال: وعن وهب ابن منبه: قرأت في كتاب من كتب الأول: ليس من ملك بعثه الله إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا بالبيت، ويصلي في جوفه ركعتين، ثم يصعد.

  9. أقول: يجوز أن يكون المراد بإحرامه بنية الطواف بالبيت لا إحرامه بالعمرة بدليل قولة «ثم يطوف سبعا بالبيت» إلى آخره.

  10. ويجوز أن يكون المراد بالبيت في كلام وهب محل تلك الخيمة ما يعم من وجد من الملائكة وبمن بعث بعد ذلك. ولا يخفى أن الأول يبعده قوله حتى يستلم الحجر.

  11. وعلى الثاني يكون فيه دلالة على أن الحجر الأسود كان في تلك الخيمة يبتدأ الطواف بها منه. وجاء عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهما «إن الله عز وجل أوحى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض، ابن لي بيتا، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء» وفي رواية «وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي» أي على ما تقدم، وهذا السياق بظاهره يوافق ما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هبوط آدم كان من الجنة إلى موضع الكعبة ابتداء،

    ج ١ ص ٢٢١والله أعلم. قال «وجاء أن جبريل عليه الصلاة والسلام بعثه الله تعالى إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا» أي قال لهما إن الله تعالى يقول لكما ابنيا لي بيتا. فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب حتى أجابه الماء ونودي من تحته:

    «حسبك يا آدم» وفي رواية «حتى إذا بلغ الأرض السابعة. فقذفت فيها الملائكة الصخر، ما يطيق الصخرة ثلاثون رجلا» اهـ.

  12. وفيه أنه كان أمر آدم ببناء البيت بعد مجيئه إلى تلك الخيمة من الهند ماشيا خالف ظاهر ما تقدم عن عطاء وسعيد بن المسيب «أوحى الله تعالى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض ابن لي بيتا» إذ ظاهره أنه أوحى إليه بذلك وهو في الجنة، إلا أن يقال المراد بالأرض في قوله اهبط إلى الأرض أرض الحرم: أي اذهب إلى أرض الحرم ابن لي بيتا.

  13. ثم لا يخفى أن قوله فقذفت فيه الملائكة الصخر، يقتضي أن إلقاء الملائكة للصخرة كان بعد حفر آدم، وهو لا يخالف ما تقدم عن كعب. «أنزل الله من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم، فقال له: يا آدم هذا بيتي أنزلته معك، ونزل معه الملائكة، فرفعوا قواعده من الحجارة ثم وضع البيت عليها» فيكون إلقاء الملائكة للصخر بعد حفر آدم «فلما تم ذلك الأس جعل ذلك البيت فوق تلك الصخور» ويكون المراد بقوله ونزل معه الملائكة: أي صحبوه من أرض الهند إلى أرض الحرم.

  14. وجاء في بعض الروايات إن آدم وحواء لما أسساه نزل البيت من السماء من ذهب أحمر وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك فوضعوه على أس آدم، ونزل الركن فوضع موضعه اليوم من البيت فطاف به آدم أي كما كان يطوف به قبل ذلك، وبهذا تجتمع الروايات. وحينئذ لا مانع أن ينسب بناء هذا الأساس الذي وضعت الملائكة عليه تلك الخيمة لآدم وأن ينسب للملائكة.

  15. أما نسبته للملائكة فواضح. وأما نسبته لآدم فلأنه السبب فيه، أو لأنه كان إذا ألقت الملائكة الصخر يضع آدم بعضه على بعض، وعلى نسبة بناء ذلك الأس للملائكة ولآدم يحتمل القول بأن أول من بنى الكعبة الملائكة. والقول بأن أول من بنى الكعبة آدم فليتأمل.

  16. وقد جاء أن آدم بناه من لبنان جبل بالشام، ومن طور زيتا جبل من جبال القدس، ومن طور سينا جبل بين مصر وإيليا.

  17. وفي كلام بعضهم أنه جبل بالشام، وهو الذي نودي منه موسى عليه الصلاة والسلام، ومن الجودي وهو جبل بالجزيرة، ومن حرا حتى استوى على وجه الأرض.

  18. أقول: وفي رواية بناه من ستة أجبل: من أبي قيس ومن رضوى ومن أحد فالمتحصل من الروايتين أنه بناء من ثمانية أجبل، ولا مانع من ذلك، واستمر ذلك البيت الذي هو الخيمة إلى زمن نوح عليه الصلاة والسلام، فلما كان الغرق بعث الله تعالى سبعين ألف ملك فرفعوه إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور كما في الكشاف، وكان رفعه لئلا يصيبه الماء النجس، وبقيت قواعده التي هي الأس. وفي العرائس: ثم طافت السفينة بأهلها الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء، حتى أتت الحرم: فلم تدخله ودارت بالحرم أسبوعا.

    ج ١ ص ٢٢٢
  19. وقد رفع الله البيت الذي كان يحجه آدم صيانة له من الغرق، وهو البيت المعمور أي وكون حواء أسست البيت مع آدم يخالف ما جاء أن حواء أهبطت بجدة، وحرّم الله عليها دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم وإلى شيء من مكة لأجل خطيئتها، وأنها أرادت أن تدخل مع آدم إلى مكة فقال لها: إليك عني، قد خرجت من الجنة بسببك فتريدين أن أحرم هذا، فكان آدم إذا أراد أن يلقاها ليلم بها خرج من الحرم كله حتى يلقاها بالحل.

  20. وذكر محمد بن جرير أن الله أهبط آدم على جبل سرنديب بالهند: أي وتقدم ما فيه وحواء بحدة بالحاء المهملة. وقيل بالجيم. فجاء آدم في طلبها فتعارفا بالمحل الذي قيل له بسبب ذلك عرفة، فاجتمعا بالمحل الذي قيل له بسبب ذلك جمع، وزلفت إليه في المحل الذي قيل له بسبب ذلك مزدلفة، وهذا يدل على أن جمع غير مزدلفة، وهو خلاف المشهور من أن جمع هو مزدلفة، إلا أن يقال كل من المحلين من جملة البقعة، وأطلق كل من الاسمين على جميع تلك البقعة.

  21. وقيل سمي المحل عرفة، لأن جبريل عليه الصلاة والسلام لما علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام المناسك وانتهى إلى عرفة وقال له أعرفت مناسك؟ قال نعم.

  22. فسمى عرفة: أي والمراد مناسكه التي قبل عرفة، وإلا فعظم المناسك بعد عرفة، فليتأمل.

  23. وفي الخصائص الصغرى عن رزين أنه روي «أن آدم عليه الصلاة والسلام.

    قال: إن الله أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم أربع كرامات لم يعطنيها: كانت توبتي بمكة وأحدهم يتوب في كل مكان» الحديث، وهو يدل على أن توبته كانت بسبب طوافه بالبيت. ويذكر أن حواء عاشت بعد آدم سنة.

  24. وجاء «أن آدم لما فرغ من بناء البيت أمره الله تعالى بالمسير إلى أن يا بني بيت المقدس، فسار وبناه ونسك فيه» وحينئذ لا يشكل قوله صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: «أي مسجد وضع في الأرض أولا المسجد الحرام، قيل ثم أيّ؟ قال بيت المقدس، قيل: كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة» وحينئذ لا حاجة لجواب الإمام البلقيني إن المراد أن

    ج ١ ص ٢٢٣المدة المذكورة بين أرضيهما في الدحوّ أي دحيت أرض المسجد الحرام، ثم بعد مضي مقدار أربعين سنة دحيت أرض بيت المقدس» .

  25. وفيه أن الإمام البلقيني إنما أجاب بذلك بناء على أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الباني للمسجد الحرام، والباني لمسجد بيت المقدس سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام، فإن بينهما كما قيل أكثر من ألف عام. وكذا لا إشكال إذ كان الباني للمسجد الحرام آدم، والباني لمسجد بيت المقدس أحد أولاده كما قيل بذلك، ومن ثم أجاب بعضهم بأن سليمان إنما كان مجددا لبناء بيت المقدس: وأما المؤسس له فسيدنا يعقوب بن إسحق بعد بناء جده إبراهيم للمسجد الحرام بالمدة المذكورة، وأما على أن الباني لهما آدم فلا إشكال. وفي رواية أن أول من بنى الكعبة أي كلها بعد أن رفعت تلك الخيمة بعد موت آدم شيث ولد آدم بناها بالطين والحجارة: أي فهي أولية إضافية، ثم لما جاء الطوفان انهدم وبقي محله. وقيل إنه استمر ولم يبنه أحد إلى زمن ابراهيم عليه الصلاة والسلام.

  26. ففي رواية «أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أراد بناء الكعبة جاء جبريل فضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة ثم بناها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام على ذلك الأس» ويقال له القواعد: أي كما تقدم، وهذا الأس كما علمت لآدم أو للملائكة أولهما، وإنما قيل له أساس إبراهيم وقواعد إبراهيم لأنه بني على ذلك ولم ينقضه.

  27. ومما يدل للقيل المذكور ما جاء في بعض الروايات عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دثر مكان البيت أي بسبب الطوفان، بدليل ما جاء في رواية «قد درس مكان البيت بين نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وكان موضعه أكمة حمراء، وكان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض وما دعا عنده أحد إلا استجيب له» .

  28. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «لم يحجه هود ولا صالح عليهما الصلاة والسلام، لتشاغل هود بقومه عاد، وتشاغل صالح بقومه ثمود» .

  29. وجاء «إن بين المقام والركن وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا» ، وجاء «إن حول الكعبة لقبور ثلاثمائة نبي، وإن ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود لقبور سبعين نبيا، وكل نبي من الأنبياء إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم وأتى مكة يعبد الله عز وجل بها حتى يموت» وجاء «ما بين الركن اليماني والحجر الأسود روضة من رياض الجنة، وإن قبر هود وصالح وشعيب وإسمعيل في تلك البقعة» .

  30. أقول: ويوافق ذلك قول بعضهم: إن إسمعيل دفن حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود، لكن جاء «إن قبر إسمعيل في الحجر» وذكر المحب الطبري أن

    ج ١ ص ٢٢٤البلاطة الخضراء التي بالحجر قبر إسمعيل عليه الصلاة والسلام.

  31. وقد يقال: لا منافاة بين كون هود وصالح لم يحجا البيت، وبين كونهما دفنا في تلك البقعة، لأنه يجوز أن يكونا ماتا قبل وصولهما إلى البيت، فجيء بهما ودفنا في تلك البقعة. على أن بعضهم ضعف كونهما لم يحجا: أي ويدل له أنه قد جاء «حجه هود وصالح ومن آمن معهما» وفي بعض الروايات «لم يحجه بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء» ويحتاج إلى الجمع بينه وبين ما تقدم من أن كل نبي إذا كذبه قومه إلى آخره على تقدير صحتها.

  32. وقد يقال: لا يحتاج إلى الجمع إلا أن يثبت أن بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء كذبه قومه، على أنه لم يكن بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء كذبه قومه، إلا هود وصالح، وهو يؤيد القول بأنهما لم يحجا، وتقدم ضعفه. وجاء في حديث، راويه متروك «إن نوحا حجت به السفينة، فوقفت بعرفات، وباتت بمزدلفة، وطافت به أي بالحرم» كما تقدم أن السفينة لم تجاوز الحرم، وهذا لا يناسبه قوله «وسعت» لأن السعي بين الصفا والمروة، إلا أن يراد بالسعي نفس الطواف، فهو من عطف التفسير. وفي أنس الجليل ورد حديث شريف «إن السفينة طافت ببيت المقدس أسبوعا، واستوت على الجودي» أي وجاء «إن نوحا قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت العتيق، إنكم في حرم الله وحول بيته، لا يمس أحد امرأة، وجعل بينهم وبين النساء حاجزا» ويذكر أن ولده حاما تعدى ووطئ زوجته، فدعا عليه بأن يسود الله لون بنيه، فأجاب الله دعاءه في أولاده، فجاء ولده أسود، وهو أبو السودان.

  33. وقيل في سبب دعوة نوح وسوادهم غير ذلك. وقد بينت ذلك في كتابي «إعلام الطراز المنقوش في فضائل الحبوش» والله أعلم. وقبر آدم وإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف في بيت المقدس: أي بعد نقل يوسف من بحر النيل كما سنذكره.

    قال: وقد جاء «إن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى إبراهيم: أن ابن لي بيتا.

    فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه؟ فأوحى الله تعالى إليه أن اتبع السكينة: أي وهي ريح لها وجه كوجه الإنسان: أي وقيل كوجه الهر وجناحان، ولها لسان تتكلم به:

    أي وفي الكشاف في تفسير السكينة التي كانت في التابوت الذي هو صندوق التوراة، قيل هو صورة من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه» .

  34. وعن علي رضي الله تعالى عنه «كان لها وجه كوجه الإنسان» هذا كلام الكشاف. وفي رواية «بعث الله ريحا يقال لها الخجوج لها جناحان، ورأس في صورة حية، فكشف لإبراهيم واسماعيل صلى الله عليه وسلم ما حول البيت من أساس البيت الأول» .

  35. وفي رواية «أرسل الله سحابة فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم إن ربك

    ج ١ ص ٢٢٥يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويخط قدرها، ثم قال الرأس له: قد فعلت قال نعم، فارتفعت» فليتأمل الجمع بين هذه الروايات وبينها وبين ما تقدم أن جبريل ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس إلى آخره. وجاء «إن السكينة جعلت تسير ودليله الصرد» وهو الطائر المعروف: أي وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير وغيرها، لأن له صفيرا مختلفا يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته فيدعوه إلى القرب منه فإذا قرب منه قصمه من ساعته وأكله. ويقال له الصوام، لأنه ورد أنه أول طائر صام عاشوراء. فعن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه «رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يدي صرد فقال: هذا أول طير صام عاشوراء» لكن قال الذهبي هو حديث منكر. وقال الحاكم: حديث باطل.

  36. ويذكر أن خالد بن الوليد لما قتل طليحة الكذاب الذي ادعى النبوة في زمنه صلى الله عليه وسلم، وقوي أمره بعد موته صلى الله عليه وسلم قال خالد لبعض أصحابه ممن أسلم: ما كان يقول لكم طليحة من الوحي؟ فقال: كان يقول: والحمام واليمام، والصدر الصوام، ليبلغن ملكنا العراق والشام. وقد سمع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام الصرد يصوّت فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبون.

  37. وفي الكشاف أن ذلك صياح الهدهد، ولا مانع أن يكون ذلك صياحهما.

  38. وسمع طاووسا يصوت فقال: يقول كما تدين تدان. وسمع هدهدا يصوت فقال:

    يقول: من لا يرحم لا يرحم.

  39. ويجمع بينه وبين ما تقدم بأنه يجوز أن الهدهد تارة يقول استغفروا الله يا مذنبون، وتارة يقول من لا يرحم لا يرحم. وسمع خطافا يصوت، فقال: يقول قدموا خيرا تجدوه. وسمع ديكا يصوت فقال: يقول: اذكروا الله يا غافلون. وسمع بلبلا يصوت فقال: يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وسمع رخمة تصوت فقال: تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وقال: الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغا تقول: ويل لمن الدنيا همه. والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد عن الناس أنس.

  40. وعن سيدنا سليمان صلوات الله وسلامه عليه: ليس من الطيور أنصح لبني آدم وأشفق عليهم من البومة، تقول إذا وقفت عند خربة: أين الذين كانوا يتنعمون بالدنيا، ويسعون فيها؟ ويل لبني آدم، كيف ينامون وأمامهم الشدائد، تزودوا، يا غافلون، وتهيؤوا لسفركم.