باب: بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى
٣٣٥ فقرة، ج ١ ص ٢٠٤
الصفحة ٤ من ٩
- ج ١ ص ٢٢٥
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأينا طيرا أعمى يضرب بمنقاره على شجرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتدري ما يقول:
ج ١ ص ٢٢٦فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: إنه يقول: اللهم أنت العدل وقد حجبت عني بصري وقد جعت، فأقبلت جرادة فدخلت في فمه، ثم ضرب بمنقاره الشجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: أتدري ما يقول: قلت: لا، قال إنه يقول: من توكل على الله كفاه» .
-
ويقال لما قال سليمان للهدهد، لأعذبنك عذابا شديدا، قال له الهدهد: اذكر يا بني الله وقوفك بين يدي الله، فلما سمع سليمان صلوات الله وسلامه عليه ذلك ارتعد فرقا وعفا عنه: أي فإن الهدهد كان دليلا له على الماء، لأن الهدهد يرى الماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، فلما فقد سليمان الماء تفقد الهدهد فلم يجده، فأرسل خلفه العقاب، فرآه الهدهد مقبلا من جهة اليمن، فلما رآه الهدهد منقضا عليه قال له بحق من أقدرك علي إلا ما رحمتني.
-
قيل لابن عباس: يا سبحان الله! الهدهد يرى الماء تحت الأرض ولا يرى الفخ؟ فقال: إذا وقع القضاء عمي البصر. قيل عني سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام بالعذاب الشديد الذي يعذبه به الهدهد التفرقة بينه وبين إلفه، وقيل إلزامه خدمة أقرانه، وقيل صحبة الأضداد وقد قيل: أضيق السجون عشرة الأضداد. وقيل الزوجة العجوز. قال تعالى حكاية عنه عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النّمل: الآية ١٦] .
قال بعضهم: عبر عن أصواتها بالمنطق، لما يتخيل منها من المعاني التي تدرك من النطق، فسليمان صلوات الله وسلامه عليه مهما سمع من صوت طائر علم بقوته القدسية الغرض الذي أراده ذلك الطائر، وهذا في طائر لم يفصح بالعبارة، وإلا فقد يسمع من بعض الطيور الإفصاح بالعبارة. فنوع من الغربان يفصح بقوله: الله حق.
-
وعن بعضهم قال: شاهدت غرابا يقرأ سورة السجدة، وإذا وصل إلى محل السجود سجد وقال: سجد لك سوادي، وآمن بك فؤادي، والدرة تنطق بالعبارة الفصيحة.
-
وقد وقع لي أني دخلت منزلا لبعض أصحابنا وفيه درة لم أرها، فإذا هي تقول لي: مرحبا بالشيخ البكري وتكرر ذلك، فعجبت من فصاحة عبارتها.
-
وكان عليه السلام يعرف نطق الحيوان غير الطير، فقد جاء أن سليمان عليه الصلاة والسلام سمع النملة وقد أحست بصوت جنود سليمان، تقول للنمل ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النّمل: الآية ١٨] فعند ذلك أمر سليمان الريح فوقفت حتى دخل النمل مساكنها، ثم جاء سليمان إلى تلك النملة وقال لها:
حذرت النمل ظلمي، قالت: أما سمعت قولي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف: الآية ٩٥] على أني لم أرد حطم النفوس أي إهلاكها، إنما أردت حطم القلوب خشية أن يشتغلن بالنظر إليك عن التسبيح: أي فيمتن.
- ج ١ ص ٢٢٧
فقد جاء مرفوعا «آجال البهائم كلها وخشاش الأرض في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها، قبض الله أرواحها» ويروى «ما من صيد يصاد ولا شجرة تقطع إلا بغفلتها عن ذكر الله تعالى» وفي الحديث «الثوب يسبح، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه» وفي رواية «إن النملة قالت له إنما خشيت أن تنظر إلى ما أنعم الله به عليك فتكفر نعم الله عليها، فقال لها: عظيني، قالت: هل تدري لم جعل ملكك في فص خاتمك؟ قال لا، قالت: أعلمك أن الدنيا لا تساوي قطعة من حجر» .
-
ومن عجيب صنع الله تعالى أن النملة تغتذي بشم الطعام، لأنها لا جوف لها يكون به الطعام. ويذكر أن هذه النملة التي خاطبت سيدنا سليمان أهدت له نبقة فوضعتها في كفه.
-
ويحكى عنها لطيفة لا نطيل بذكرها. وفي فتاوى الجلال السيوطي. قال الثعالبي في زهرة الرياض: لما تولى سليمان عليه الصلاة والسلام الملك جاءه جميع الحيوانات يهنئونه إلا نملة واحدة فجاءت تعزيه، فعاتبها النمل في ذلك، فقالت:
كيف أهنيه وقد علمت أن الله تعالى إذا أحب عبدا زوى عنه الدنيا وحبب إليه الآخرة. وقد شغل سليمان بأمر لا يدرى ما عاقبته، فهو بالتعزية أولى من التهنئة.
-
وجاء في بعض الأيام شراب من الجنة، فقيل له: إن شربته لم تمت، فشاور جنده، فكل أشار بشربه إلا القنفذ فإنه قال له: لا تشربه، فإن الموت في عز خير من البقاء في سجن الدنيا، قال صدقت، فأراق الشراب في البحر.
قال: وصار إبراهيم وإسمعيل صلوات الله وسلامه عليهما يتبعان الصرد حتى وصلا إلى محل البيت صارت السكينة سحابة، وقالت: يا إبراهيم خذ قدر ظلي فابن عليه: أي وفي لفظ «لما أمر إبراهيم ببناء البيت ضاق به ذرعا فأرسل إليه السكينة وهي ريح خجوج ملتوية في هبوبها لها رأس» الحديث فحفر إبراهيم واسمعيل عليهما الصلاة والسلام فأبرزا أي الحفر عن أس ثابت في الأرض. فبنى إبراهيم واسمعيل يناول الحجارة: أي التي تأتي بها الملائكة، كما سيأتي حتى ارتفع البناء اهـ.
-
أقول: يحتمل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما أوحى الله إليه بذلك كان في مكة عند إسمعيل وإنهما كانا بمحل بعيد عن محل البيت. ويحتمل أنهما كانا بغيرها ثم جاآ.
-
وقد قيل في قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [النّحل: الآية ١٢٠] الآية: أي قائما مقام الأمة لانفراده بعبادة الله تعالى في أرضه، لأنه لم يكن على وجه الأرض من يعبد الله سواه، والله أعلم.
قال: ثم لما ارتفع البناء جاء بالمقام أي وهو الحجر المعروف، فقام عليه وهو
ج ١ ص ٢٢٨يا بني وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: الآية ١٢٧] وصار كلما ارتفع البناء ارتفع به المقام في الهواء، فأثر قدم إبراهيم في ذلك الحجر. وقيل إنما أثر في صخرة اعتمد عليها وهو قائم حين غسلت زوجة إسمعيل له رأسه، لأن سارة كانت أخذت عليه عهدا حين استأذنها في الذهاب إلى مكة لينظر كيف حال إسمعيل وهاجر، فحلف لها إنه لا ينزل عن دابته: أي التي هي البراق ولا يزيد على السلام واستطلاع الحال، غيرة من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة ألقى الله تعالى فيها أثر قدمه آية، وفيه كيف يعتمد بقدمه على الصخرة وهو راكب دابته؟ إلا أن يقال لما مال بشقه اعتمد عليها بإحدى رجليه مع ركوبه، وهذا يدل على أن الموجود في المقام أثر قدمه لا قدميه، ووقوفه عليه في حال البناء يدل على أن الموجود فيه أثر قدميه فلينظر، وجعل ارتفاع البيت تسعة أذرع، قيل وعرضه ثلاثين ذراعا. قال بعضهم: وهو خلاف المعروف، ولم يجعل له سقفا ولا بناه بمدر، وإنما رصه رصا وجعل له بابا: أي منفذا لاصقا بالأرض، غير مرتفع عنها، ولم ينصب عليه بابا: أي يقفل، وإنما جعله تبع الحميري بعد ذلك، وحفر له بئرا داخله عند بابه: أي على يمين الداخل منه يلقى فيها ما يهدي إليه، وكان يقال لها خزانة الكعبة كما تقدم.
-
ولما أراد أن يجعل حجرا يجعله علما للناس: أي يبتدئون الطواف منه ويختمون به، ذهب إسمعيل عليه الصلاة والسلام إلى الوادي يطلب حجرا، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام بالحجر الأسود يتلألأ نورا: أي فكان نوره يضيء إلى منتهى أبواب الحرم من كل ناحية. وفي الكشاف: إنه اسودّ لما لمسته الحيض في الجاهلية، وتقدم أنه اسودّ من مسح آدم به دموعه. وجاء «إن خطايا بني آدم سودته» وأما شدة سواده فبسبب إصابة الحريق له أولا في زمن قريش، وثانيا في زمن عبد الله ابن الزبير، وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض زمن نوح، بناء على أنه كان موجودا في تلك الخيمة كما تقدم. وفي رواية: إن إبراهيم عليه الصلاة لما قال لإسمعيل: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه ههنا، قال: يا أبتي إني كسلان لغب أي تعب، قال: عليّ بذلك، فانطلق يأتيه بحجر، فجاءه جبريل بالحجر من الهند وهو الحجر الذي خرج به آدم من الجنة: أي كما تقدم فوضعه إبراهيم موضعه، وقيل وضعه جبريل وبنى عليه إبراهيم، وجاء إسمعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع ذلك الحجر: أي أو بنى عليه فقال: من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: من لا يكلني إليك ولا إلى حجرك: أي وفي لفظ «جاءني به من هو أنشط منك» وفي لفظ «إن إسمعيل جاءه بحجر من الجبل، قال: غير هذا، فرده مرارا لا يرضى ما يأتيه به» وجاء «إن الله تعالى استودع الحجر أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح عليه الصلاة والسلام، وقال: إذا رأيت خليلي يا بني بيتي فأخرجه له: أي فلما انتهى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمحل
ج ١ ص ٢٢٩الحجر نادى أبو قبيس إبراهيم، فقال: يا إبراهيم هذا الركن فجاء فحفر عنه فجعله في البيت» وقيل تمحض أبو قبيس فانشق عنه.
-
أقول: وفي لفظ قال: «يا إبراهيم يا خليل الرحمن إن لك عندي وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من يواقيت الجنة» ومن ثم كان أبو قبيس يسمى في الجاهلية الأمين لحفظه ما استودع، ويسمى أبا قبيس باسم رجل من جرهم اسمه قبيس هلك فيه. وقيل باسم رجل من مذحج بنى فيه يقال له أبو قبيس. وقيل لأنه اقتبس منه الحجر الأسود فسمي بذلك، ويحتاج إلى الجمع بين ما ذكر على تقدير صحته، وما ذكر في ترجمة إلياس أحد أجداده صلى الله عليه وسلم أنه أول من وضع الركن: أي الحجر الأسود حين غرق البيت وانهدم زمن نوح، فكان أول من سقط عليه: أي أول من علم به، فوضعه في زاوية البيت فليتأمل ذلك، والله أعلم: أي وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال عند المقام: أشهد بالله يكررها لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن نورهما طمس لأضاء ما بين المشرق والمغرب» أي من نورهما، ولعل طمس نور الحجر كان سببه ما تقدم فلا مخالفة.
-
وجاء «إنهما يقفان يوم القيامة وهما في العظم مثل أبي قبيس، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء» وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لولا ما مسهما من أهل الشرك، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى» .
-
وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: لما خلق الله الخلق، قال لبني آدم:
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: الآية ١٧٢] فكتب القلم إقرارهم، ثم ألقم ذلك الكتاب الحجر، فهذا الاستلام له إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به. قال رضي الله تعالى عنه: وكان أبي عليّ يقول: إذا استلم الحجر يقول: اللهم أمانتي أديتها، وميثاقي وفيت به ليشهد لي عندك بالوفاء. وفي كلام السهيلي «إن العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين مسح ظهره أن لا يشركوا به شيئا كتبه في صك وألقمه الحجر الأسود، ولذلك يقول المستلم اللهم إيمانا بك، ووفاء بعدك» وقد جاء «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» .
قال الإمام ابن فورك: وكان ذلك سببا لاشتغالي بعلم الكلام، فإني لما سمعت ذلك سألت فقيها كنت أختلف إليه عن معناه فلم يحر جوابا، فقيل لي: سل عن ذلك فلانا من المتكلمين، فسألته فأجاب بجواب شاف، فقلت لا بد لي من معرفة هذا العلم، فاشتغلت به، وهذا الذي قاله السهيلي يروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
-
فعن سيدنا عمر رضي الله عنه «أنه لما دخل المطاف قام عند الحجر وقال:
ج ١ ص ٢٣٠والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك. فقال له عليّ رضي الله تعالى عنه: بلى يا أمير المؤمنين، هو يضر وينفع.
قال ولم؟ قلت: ذاك بكتاب الله، قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قلت: قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ [الأعراف:
الآية ١٧٢] الآية. وكتب ذلك في رق، وكان هذا الحجر له عينان ولسان، فقال له افتح فاك فألقمه ذلك الرق، وجعله في هذا الموضع، فقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، فقال عمر رضي الله عنه: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن» .
-
وعن قتادة قال: ذكر لنا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بني البيت من خمسة أجبل من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجوديّ وحراء.
-
وذكر لنا أن قواعده من حراء التي وضعها آدم مع الملائكة.
-
أقول: تقدم أن تلك القواعد كانت من جبل لبنان، ومن طور سيناء، ومن طور زيتا، ومن الجودي، ومن حراء، إلا أن يقال يجوز أن يكون معظم ذلك كان من حراء فليتأمل.
-
وذكر بعضهم أنه كان له ركنان، وهما اليمانيان: أي لم يجعل له إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلا الركنين المذكورين، فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان.
-
وذكر الحافظ ابن حجر أن ذا القرنين الأول وهو المذكور في القرآن في قصة موسى عليه الصلاة والسلام وهو إسكندر الرومي، قدم مكة فوجد إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك، فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال لهما: من يشهد لكما؟ فقامت خمسة أكبش شهدت: أي قلن نشهد أن إبراهيم وإسمعيل عبدان مأموران بالبناء، فقال: رضيت وسلمت وقال لهما صدقتما.
-
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام بمكة وأقبل ذو القرنين: عليهما فلما كان بالأبطح قيل له: في هذه البلدة إبراهيم خليل الرحمن. فقال ذو القرنين: ما ينبغي لي أن أركب في بلدة فيها إبراهيم خليل الرحمن، فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فسلم عليه إبراهيم واعتنقه، فكان هو أول من عانق عند السلام.
قال الفاكهي: وأظن أن الأكبش المذكورة: أي التي شهدت أحجارا، ويحتمل أن تكون غنما.
-
ووصف ذي القرنين بالأكبر احترازا من ذي القرنين الأصغر وهو الإسكندر اليوناني فإنه كان قريبا من زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وبين عيسى وإبراهيم
ج ١ ص ٢٣١عليهما الصلاة والسلام أكثر من ألفي سنة وكان كافرا والله أعلم.
-
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من بناء البيت، قال: يا رب قد فرغت، قال: أذن في الناس بالحج، قال: أي رب ومن يبلغ صوتي؟ قال الله جل ثناؤه: أذن وعليّ البلاغ، قال: أي رب كيف أقول؟ قال قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم عز وجل، فوقف على المقام وارتفع به حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه شرقا وغربا ينادي بذلك ثلاث مرات: أي وزويت الأرض له يومئذ سهلها وجبلها وبحرها وبرها وإنسها وجنها حتى أسمعهم جميعا فقالوا؟ لبيك اللهم لبيك، وبدأ بشق اليمن، وحينئذ يكون أول من أجاب أهل اليمن، وسيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات.
-
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان أهل اليمن أكثر إجابة ومن ثم جاء في الحديث «الإيمان يمان» وقال صلى الله عليه وسلم في حق أهل اليمن «يريد أقوام أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم» .
-
وروى الطبراني بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من أحب أهل اليمن فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني» .
-
ومما يؤثر عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وقد ذكر في تفسير قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: الآية ٩٧] هو نداء إبراهيم على المقام بما ذكر.
-
وقيل له البيت العتيق لأنه أعتق من الجبابرة لم يدعه: أي بحيث ينسب إليه جبار من الجبابرة الذين كانوا بمكة مع العمالقة وجرهم.
وقال القاضي تبعا للكشاف: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى. قال: وأما الحجاج فإنما كان قصده إخراج ابن الزبير عنه لما تحصن به دون التسلط عليه كذا قال.
قال بعضهم: وعن عبد الله بن عمر أنه قال: إنما سميت بكة أي بالموحدة، لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة، ولينظر من قصده ليهدمه من الجبابرة غير أبرهة.
-
ثم رأيت في المشرف أن ثلاثة غيره قصدوا هدمه: اثنان قاتلتهما خزاعة ومنعتهما، والثالث كان في أول زمان قريش، أراد هدمه حسدا على شرف الذكر لقريش به وأن يا بني عنده بيتا يصرف حجاج العرب إليه، فلما قارب مكة أظلمت الأرض وأيقن بالهلاك، فأقلع عن تلك النية ونوى أن يكسو البيت وينحر عنده، فانجلت الظلمة ففعل ذلك.
- ج ١ ص ٢٣٢
وفيه أن هذا الذي حصلت له الظلمة إنما هو تبع الأول، فإنه لما عمد إلى البيت يريد تخريبه، أرسلت عليه ريح كتعت منه يديه ورجليه، وأصابته وقومه ظلمة شديدة. وفي رواية أصابه داء تمخض منه رأسه قيحا وصديدا: أي يثج ثجا حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه، فدعا بالأطباء فسألهم عن دائه فهالهم ما رأوا منه ولم يجد عندهم فرجا، فعند ذلك قال له الحبر: لعلك هممت بشيء في حق هذا البيت؟
فقال: نعم، أردت هدمه فقال له تب إلى الله مما نويت فإنه بيت الله وحرمه، وأمره بتعظيم حرمته ففعل فبرئ من دائه.
-
وقيل لأنه أول بيت وضع في الأرض، وقيل لأنه أعتق من الغرق بسبب الطوفان في زمن نوح عليه الصلاة والسلام، كذا في الكشاف وغيره. وفيه نظر ظاهر، لما تقدم من دثوره بالطوفان، ولما ذكر في قصة نوح أنه لما بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الأرض، فوقفت بوادي الحرم. فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء فاختضبت رجلاها، إلا أن يقال إن معنى أعتق أنه لم يذهب بالمرة، بل بقي أثره.
-
وفي الخميس عن ابن هشام أن ماء الطوفان لم يصل للكعبة، ولكن قام حولها، وبقيت هي في هواء السماء: أي بناء على الكعبة هي الخيمة التي كانت على زمن آدم عليه الصلاة والسلام. وتقدم عن الكشاف أنها رفعت إلى السماء الرابعة، وأنها البيت المعمور. وهذا كما علمت يدل على أن المراد بالكعبة الخيمة التي كانت لآدم، وقوله قام حولها يريد أنه لم يعل محل تلك الخيمة، ولعله لا ينافيه ما تقدم في قصة نوح فليتأمل.
-
وفي رواية: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام نادى: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج» وفي لفظ «إن ربكم قد اتخذ بيتا وطلب منكم أن تحجوه فأجيبوا ربكم كرر ذلك ثلاث مرات، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك، فليس حاج يحج إلى أن تقوم الساعة إلا ممن كان أجاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة ومن لبى مرتين حج حجتين وهكذا» وفي لفظ «لما نادى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له إلا أجاب: لبيك اللهم لبيك» .
-
أقول: لا يخفى أنه يحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات فيما نادى به إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسيأتي. ومعلوم أن إجابة غير العقلاء إجابة إجلال وتعظيم، ولعل المراد بالكتب مطلق الطلب لا خصوص الوجوب، لأنه لم يفرض الحج على هذه الأمة إلا بعد الهجرة في السنة السادسة، وقيل التاسعة، وقيل العاشرة كما
ج ١ ص ٢٣٣سيأتي. وأما بقية الأمم من بعد إبراهيم فلم أقف على وجوب الحج عليها.
-
وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا أن الصحيح أنه لم يجب الحج إلا على هذه الأمة واستغرب. وفي الخصائص الصغرى: وافترض عليهم أي على هذه الأمة ما افترض على الأنبياء والرسل وهو الوضوء والغسل من الجنابة والحج والجهاد، وهو يفيد أنه كان واجبا على الأنبياء والرسل. وفيه أن الأصل أن ما وجب في حق نبي وجب في حق أمته إلا أن يقوم الدليل الصحيح على الخصوصية، وقوله وهو الوضوء سيأتي ما في الوضوء والله أعلم: أي ثم أمر بالمقام فوضعه قبله: أي ملصقا بالبيت على يمين الداخل، فكان يصلي إليه مستقبل الباب: أي جهته، وأول من أخره عن ذلك المحل ووضعه موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
أي وقد تقدم ذلك عن ابن كثير.
-
أقول: وقيل إن أول من وضعه موضعه الآن النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة. وسيأتي الجمع بين هذين القولين ويأتي ما فيه.
-
وذكر الطبري أن محله أولا المنخفض: أي الذي تسميه العامة المعجنة: أي محل عجن الطين للكعبة، وذلك المنخفض هو محل صلاة جبريل به صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس في اليومين كما سيأتي.
-
ونازع في ذلك العز بن جماعة، وقال: لو كان ذلك لشهر عليه بالكتابة في الحفرة. وردّ بأن ذلك ليس بلازم والناقل ثقة، وهو حجة على من لم ينقل.
-
وذكر ابن حجر الهيتمي أن في رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام صعد أبا قبيس، وقيل صعد ثبيرا وأذن، وأن أول من أجابه أهل اليمن: أي لما تقدم أنه بدأ بشق اليمن. ولا مانع من تعدد ذلك:
أي وقوفه على تلك الأماكن التي هي المقام وأبو قبيس وثبير. ويجوز أن يكون قال في بعض تلك الأماكن ما لم يقله في غيره مما تقدم، فلا مخالفة بين تلك الروايات فيما نادى به إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وجاء إنه لما فرغ من دعائه ذهب به جبريل، فأراه الصفا والمروة وحدود الحرم، وأمره أن ينصب عليها الحجارة، ففعل وعلمه المناسك: أي مع إسمعيل عليهما الصلاة والسلام.