باب: بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى
٣٣٥ فقرة، ج ١ ص ٢٠٤
الصفحة ٦ من ٩
- ج ١ ص ٢٤١
وسبب مقاتلة عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، لأنه امتنع من المبايعة ليزيد أيضا هو والحسين رضي الله تعالى عنهما لما أرسل إليهما يطلب منهما المبايعة له، فامتنعا من ذلك وفرّا من المدينة إلى مكة.
-
ثم لما قتل الحسين رضي الله تعالى عنه: أي لأن الحسين أرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه، فأراد الذهاب إليهم فنهاه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وبين له غدرهم، وقتلهم لأبيه، وخذلانهم لأخيه الحسن رضي الله تعالى عنه. ونهاه ابن عمر وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، فأبى إلا أن يذهب، فبكى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال: واحبيباه. وقال له ابن عمر: أستودعك الله من قتيل. وكان أخوه الحسن قال له: إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك فيخرجوك ويسلموك فتندم ولات حين مناص، وقد تذكر ذلك ليلة قتله، فترحم على أخيه الحسن، ولم يبق بمكة إلا من حزن على مسيره، وقدم أمامه إلى الكوفة مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة للحسين اثنا عشر ألفا، وقيل أكثر من ذلك. ولما شارف الكوفة جهز إليه أميرها من جانب يزيد وهو عبد الله بن زياد عشرين ألف مقاتل، وكان أكثرهم ممن بايع له لأجل السحت العاجل على الخير الآجل، فلما وصلوا إليه ورأى كثرة الجيش طلب منهم إحدى ثلاث، إما أن يرجع من حيث جاء، أو يذهب إلى بعض الثغور، أو يذهب إلى يزيد يفعل فيه ما أراد، فأبوا وطلبوا منه نزوله على حكم بن زياد وبيعته ليزيد فأبى، فقاتلوه إلى أن أثخنته الجراحة فسقط إلى الأرض، فحزوا رأسه وذلك يوم عاشوراء عام إحدى وستين، ووضع ذلك الرأس بين يدي عبد الله بن زياد، ولما جاء خبر قتل الحسين رضي الله تعالى عنه قام ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما في الناس يعظم قتل الحسين وجعل يظاهر بعيب يزيد، وبذكر شربه الخمر وغير ذلك، ويثبط الناس عن بيعته. ويذكر مساوئ بني أمية، ويطنب في ذلك. ولما بلغ يزيد ذلك أقسم أن لا يؤتى به إلا مغلولا، فجاء إليه رجل من أهل الشام في خيل من خيل الشام، وتكلم مع ابن الزبير وعظم على ابن الزبير الفتنة وقال: لا يستحل الحرم بسببك، فإن يزيد غير تاركك ولا تقوى عليه، وأقسم أن لا يؤتى بك إلا مغلولا، وقد عملت لك غلا من فضة وتلبس فوقه الثياب وتبر قسم أمير المؤمنين، فالصلح خير عاقبة، وأجمل بك وبه، فقال له: انظر في أمري، ثم
ج ١ ص ٢٤٢دخل على أمه أسماء رضي الله تعالى عنها واستشارها فقالت: يا بني عش كريما ومت كريما ولا تمكن بني أمية من نفسك فتلعب بك، فامتنع وصار يبايع الناس سرا، ثم أظهر المبايعة، فاجتمع عليه أهل الحجاز ولحق به من انهزم من وقعة الحرة، فلما جاء الجيش إلى مكة حاصر عبد الله وضرب بالمنجنيق، نصبه على أبي قبيس قيل وعلى الأقمر وهما أخشبا بمكة فأصاب الكعبة من ناره ما حرق ثيابها وسقفها فإن الكعبة كانت في زمن قريش مبنية، مدماك من خشب الساج، ومدماك من حجارة كما تقدم.
-
وذكر في الشرف أن الله تعالى بعث عليهم صاعقة بعد العصر، فأحرقت المنجنيق، وأحرقت تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام، ثم عملوا منجنيقا آخر فنصبوه على أبي قبيس.
-
ويذكر أن النار لما أصابت الكعبة أتت بحيث يسمع أنينها كأنين المريض آه آه، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد جاء إنذاره صلى الله عليه وسلم بتحريق الكعبة فعن ميمونة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنتم إذا مرج الدين، فظهرت الرغبة والرهبة، وحرق البيت العتيق» وفي العرائس: إن أول يوم تكلم الناس في القدر ذلك اليوم، فقيل إحراق الكعبة من قدر الله، وقيل ليس من قدر الله، والمتكلم بذلك حينئذ قيل أبو معبد الجهني، وقيل أبو الأسود الدؤلي، وقيل غير ذلك.
-
وقوله أول يوم تكلم الناس في القدر، لعل المراد أول يوم اشتهر واستفيض فيه الكلام من الناس في القدر، فلا يخالف ما حكي أن شخصا قال لعلي رضي الله تعالى عنه وهو بصفين: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا هذا؟ أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال: نعم والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما وطئنا موطئا، ولا قطعنا واديا، ولا علونا شرفا إلا بقضائه وقدره.
-
والتكلم في القدر ليس من خصائص هذه الأمة، فقد تكلمت فيه الأمم قبلها، وفي الحديث «ما بعث الله نبيا إلا في أمته قدرية يشوشون عليه أمر أمته، ألا وإن الله تعالى قد لعن القدرية على لسان سبعين نبيا» وقد جاء في ذم القدرية زيادة على ما تقدم منها «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» وجاء «اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية» وجاء «أخاف على أمتي التكذيب بالقدر» .
-
وإنما كانت القدرية مجوس هذه الأمة، لأن طائفة من القدرية تقول يأتي الخير من الله والشر من العبد، وهؤلاء الطائفة أشبه بالمجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة وأن الخير من النور والشر من الظلمة وهم المانوية، وإنما كان القدر شعبة
ج ١ ص ٢٤٣من النصرانية، لأن أكثر القدرية على أنه ليس من أفعال العبد من خير أو شر ناشئا عن إقدار الله تعالى له على ذلك، بل هو ناشئ عن قدرة العبد واختياره، فقد أثبتوا لله تعالى شريكا، كما أن النصارى أثبتوا الشريك لله تعالى، فهذه الفرقة من القدرية أشبهت النصارى، فكان القدر شعبة من النصرانية بهذا الاعتبار، وقد أوضحت ذلك في تعليقي المسمى ب «المصباح المنير على الجامع الصغير» وفيه «أخر الكلام على القدر لشرار أمتي في آخر الزمان» فإن الحق إسناد الفعل إلى الله تعالى إيجادا وللعبد اكتسابا.
-
وقيل إن سبب بناء عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما للكعبة أن امرأة بخرتها فطارت شرارة فعلقت بثيابها فحصل ذلك، ولا مانع من التعدد. وقد وقع أيضا احتراقها بتبخير المرأة في زمن قريش، ولا مانع من تعدد ذلك كما تقدم.
-
وعدّ بعضهم أن من البدع تجمير المسجد وأن مالكا كرهه. وقد روي أن مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يجمر المسجد النبوي إذا جلس عمر رضي الله عنه على المنبر يخطب، ومع حرق الكعبة حرق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل فإنهما كانا معلقين بالسقف.
-
أقول: ولعل تعليقهما في السقف كان بعد تعليقهما في الميزاب. فقد ذكر بعضهم جاء الإسلام ورأس الكبش معلق بقرنية في ميزاب الكعبة، ويدل لتعليقهما في السقف ما جاء عن صفية بنت شيبة قالت لعثمان بن طلحة «لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من البيت؟ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت قرني الكبش في البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصليا» .
-
وذكر الجلال المحلي في قطعة التفسير أن الكبش المذكور هو الذي قرّبه هابيل جاء به جبريل، فذبحه السيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام مكبرا: أي وحينئذ تكون النار التي أنزلت في زمن هابيل لم تأكله، بل رفعته إلى السماء، وحينئذ يكون قول بعضهم: فنزلت النار فأكلته على التسمح، ويدل لما ذكر الجلال ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه الصلاة والسلام: «ما كان ذبح إبراهيم؟ أي مذبوحه، قال: الذي قرّب ابن آدم» قال بعضهم: وهذا الحديث لم يثبت. قيل ووصف بأنه عظيم، لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، وقيل كان الكبش اختراعا اخترعه الله هناك في ذلك الوقت قال بعضهم: فقد فدى من الموت بصورة الموت وهذا كله بناء على أن الذي قرّبه هابيل كان كبشا. وقيل كان جملا سمينا، وعليه اقتصر القاضي. فلينظر الجمع على تقدير صحة كل، وانصدع الحجر من تلك النار من ثلاثة أماكن، وعند محاصرة الجيش لعبد الله جاء الخبر بموت يزيد.
- ج ١ ص ٢٤٤
ويقال إن ابن الزبير علم بموت يزيد قبل أن يعلم الجيش وهم أهل الشام، فنادى فيهم يا أهل الشام قد أهلك الله طاغيتكم يعني يزيد، فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فعل، ومن أحب أن يرجع إلى شأنه فليفعل، فانفلّ الجيش، وبايع عبد الله بن الزبير جماعة بالخلافة، ودخلوا في طاعته ظاهرا.
-
ويقال إن أمير الجيش طلب من ابن الزبير أن يحدثه فخرج من الصفين حتى اختلفت رؤوس فرسيهما وجعل فرس أمير الجيش ينفر ويكفها فقال له ابن الزبير: ما لك؟ فقال: إن حمام الحرم تحت رجليها فأكره أن أطأ حمام الحرم، فقال تفعل هذا، وأنت تقتل المسلمين فقال له: تأذن لنا أن نطوف بالكعبة ثم نرجع إلى بلادنا، فأذن لهم فطافوا، وقال له: إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر يعني الخلافة فارحل معي إلى الشام، فو الله لا يختلف عليك اثنان، فلم يثق به ابن الزبير وأغلظ عليه القول، فكرّ راجعا وهو يقول: أعده بالملك وهو يعدني بالقتل.
-
ومن ثم قيل: كان في ابن الزبير خلال لا تصلح معها الخلافة: منها سوء الخلق، وكثرة الخلاف. ودخل في طاعة ابن الزبير جميع أهل البلدان إلا الشام ومصر، فإن مروان بن الحكم تغلب عليهما بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية. فإن معاوية هذا مكث في الخلافة أربعين يوما، وقيل عشرين يوما بعد أن كان مروان عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق.
-
وقد كان ابن الزبير لما ولى أخاه نائبا عنه بالمدينة أمره بإجلاء بني أمية وفيهم مروان وابنه عبد الملك إلى الشام، فلما أراد مروان أن يبايع ابن الزبير بدمشق ثنى عزمه عن ذلك جماعة، وقالوا له: أنت شيخ قريش وسيدها، وقد فعل معكم ابن الزبير ما فعل فأنت أحق بهذا الأمر، فوافقهم ومكث تسعة أشهر في الخلافة وهو الرابع من خلفاء بني أمية. وقام بالأمر بعده ولده عبد الملك، وهو أول من سمي عبد الملك في الإسلام، ثم عهد عبد الملك لأولاده الأربعة من بعده: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام. وادعى عمرو بن سعيد أن مروان عهد إليه بعد ابنه عبد الملك، فضاق عبد الملك بذلك ذرعا، واستعجل أمر عمرو بدمشق، فلم يزل به عبد الملك حتى قتله.
-
وفي كلام ابن ظفر أن عبد الملك لما خرج لمقاتلة عبد الله بن الزبير خرج معه عمرو بن سعيد، وقد انطوى على دغل نية وفساد طوية وطماعيته في نقل الخلافة، فلما ساروا عن دمشق أياما تمارض عمرو بن سعيد واستأذن عبد الملك في العودة إلى دمشق، فأذن له، فلما عاد ودخل دمشق صعد المنبر وخطب خطبة نال فيها من عبد الملك، ودعا الناس إلى خلعه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، فاستولى على دمشق وحصن سورها، وبذل الرغائب، وبلغ ذلك عبد الملك وهو متوجه إلى ابن الزبير،
ج ١ ص ٢٤٥فأشير على عبد الملك أن يرجع إلى دمشق ويترك ابن الزبير، لأن ابن الزبير لم يعطه طاعة ولا وثب له على مملكة، فهو في صورة ظالم له، وقصده لعمرو بن سعيد في صورة مظلوم، لأنه نكث بيعته وخان أمانته، وأفسد رعيته، فرجع إلى دمشق فظفر بعمرو بن سعيد.
-
ويقال إن سبب بناء عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه للكعبة أنه جاء سيل فطبقها فكان عبد الله رضي الله تعالى عنه يطوف سباحة: أي ولا مانع من وجود الأمرين الحرق والسيل، فلما رأى عبد الله ما وقع في الكعبة شاور من حضر ومن جملتهم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في هدمها، فهابوا هدمها وقالوا:
نرى أن يصلح ما وهى ولا تهدم، فقال: لو أن بيت أحدكم أحرق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها.
-
وقد حدثته خالته عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لها:
«ألم تري قومك يعني قريشا حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين عجزت بهم النفقة، لولا حدثان قومك بالجاهلية. أي قرب عهدهم- بها» أي وفي لفظ «لولا الناس حديثو عهد بالجاهلية» أي قريب عهدهم بها. أي وفي لفظ «لولا الناس حديثو عهد بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائها لهدمتها وجعلت لها خلفا» أي بابا «من خلفها» أي وفي لفظ «لجعلت لها بابا يدخل منه وبابا بحياله يخرج الناس منه» وفي لفظ «وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، وألصقت بابها بالأرض» أي كما كان عليه في زمن إبراهيم «ولأدخلت الحجر فيها» أي وفي رواية: «لأدخلت نحو ستة أذرع» وفي رواية «ستة أذرع وشيئا» وفي رواية «وشبرا» وفي رواية «قريبا من سبعة أذرع» فقد اضطربت الروايات في القدر الذي أخرجته قريش. وفي لفظ «لأدخلت فيها ما أخرج منها» وفي لفظ «لجعلتها على أساس إبراهيم وأزيد» أي بأن أزيد في الكعبة من الحجر: أي ذلك ما أخرجته قريش خشي صلى الله عليه وسلم أن تنكر قلوبهم هدم بنائهم الذي يعدونه من أكمل شرفهم، فربما حصل لهم الارتداد عن الإسلام.
-
وقد ذكر بعضهم أن كل من بنى الكعبة بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم بينها إلا على قواعد إبراهيم، غير أن قريشا ضاقت بهم النفقة: أي الحلال الحديث، وهذا بناء على أن من بعد إبراهيم وقبل قريش بناها كلها وليس كذلك، بل الحاصل منهم إنما هو ترميم لها فقوله لم يبنها إلا على قواعد إبراهيم ليس على ظاهره، بل المراد أنه أبقاها على ذلك.
قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال لعبد الله: دع بناء وأحجارا أسلم عليها المسلمون وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم: أي فإنه يوشك أن يأتي بعدك من
ج ١ ص ٢٤٦يهدمها فلا يزال يهدم ويا بني، فيتهاون الناس بحرمتها ولكن ارفعها: أي رمها فقال عبد الله: إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع أمره على أن ينقضها، فتحاماها الناس وخشوا أن ينزل بأول الناس يقصدها أمر من السماء، حتى صعدها رجل فألقى منها حجارة فلم ير الناس أصابه شيء فتابعوه اهـ.
-
أي وقيل أول فاعل لذلك عبد الله بن الزبير نفسه رضي الله تعالى عنه وخرج ناس كثير من مكة إلى منى ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأقاموا بها ثلاثا مخافة أن يصيبهم عذاب شديد بسبب هدمها، وأمر ابن الزبير جماعة من الحبشة بهدمها رجاء أن يكون فيهم الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم أنه يهدمها.
-
وفيه أن الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يهدمها ذكر صفته حيث قال: «كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرا حجرا» وجاء في وصفه أنه مع كونه أفحج الساقين أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، ووصف أيضا «بأنه أصلع» وفي لفظ «أجلح» وهو من ذهب شعر مقدم رأسه، ووصف «بأنه أصعل» أي صغير الرأس، «وبأنه أصمع» أي صغير الأذنين «معه أصحابه يتقضونها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» .
-
أي وقوله «ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» لعله لم يثبت عند ابن الزبير وكذا تلك الأوصاف، وهدم الحبشة لها يكون بعد موت عيسى عليه الصلاة والسلام، ورفع القرآن من الصدور والمصاحف: أي وورد أن أول ما يرفع رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام والقرآن. وأول نعمة ترفع من الأرض العسل، وقيل يكون هدمها في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام.
-
وجمع بأنه يهدم بعضها في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، فإذا جاءهم الصريخ هربوا فإذا مات عيسى عادوا وكملوا هدمها.
-
فهدمها عبد الله إلى أن انتهى الهدم إلى القواعد: أي التي هي الأساس. قال وفي رواية: كشف له عن أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئا، وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء، آخذ بعضها في بعض مشبكة كتشبك الأصابع، وأصاب فيه قبر أم إسمعيل عليه الصلاة والسلام، وهذا ربما يدل على أنه لم يصب فيه قبر إسمعيل، وهو يؤيد القول بأن قبره في حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود، لا في الحجر كما ذكره الطبري، وأنه تحت البلاطة الخضراء التي بالحجر كما تقدم، فدعا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم، وأشهدهم على ذلك الأساس، وأدخل عبد الله بن المطيع العدوي عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها، فارتج جوانب البيت، ورجفت مكة بأسرها رجفة
ج ١ ص ٢٤٧شديدة وطارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخلت فيها ففزعوا اهـ.
-
أقول: تقدم في بناء قريش أنهم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها ببعض وأن رجلا أدخل عتلته بين حجرين منها فحصل نحو ما ذكر.
-
وقد يقال: لا مخالفة بين كون تلك الأحجار كانت خضراء وبين كونها حمراء، لأنه يجوز أن تكون حمرة تلك الأحجار ليست صافية، بل هي قريبة من السواد، ومن ثم وصفت: بأنها زرق كما تقدم والأسود يقال له أخضر، كما أن الأخضر غير الصافي يقال له أسود، والصافي يقال له أزرق والله أعلم.
-
وجعل عبد الله على تلك القواعد ستورا فطاف الناس بتلك الستور حتى بني عليها، وارتفع البناء وزاد في ارتفاعها على ما كانت عليه في بناء قريش تسعة أذرع، فكانت سبعا وعشرين ذراعا. زاد بعضهم وربع ذراع، وبناها على مقتضى ما حدثته به خالته عائشة رضي الله تعالى عنها، فأدخل فيه الحجر: أي لأنه يجوز أن يكون إدخال الحجر هو الذي سمعه من عائشة فعمل به دون غير ذلك من الروايات المتقدمة الدال على أن الحجر ليس من البيت، وإنما منه ستة أذرع وشبر أو قريب من سبعة أذرع.
-
وفيه أن هذا أي قوله فأدخل فيه الحجر هو الموافق لما تقدم من أن قريشا أخرجت منها الحجر، وهو واضح إن كان وجد الأساس خارجا عن جميع الحجر.
-
وأما إذا لم يكن خارجا عن جميع الحجر كيف يتعداه ولا يا بني عليه اعتمادا على ما حدثته به خالته عائشة رضي الله تعالى عنها. على أنه سيأتي عن نص حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوا فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من ستة أذرع» فليتأمل، وجعل لها خلفا:
أي بابا من خلفها وألصقه بالأس كالمقابل له.
قال: ولما ارتفع البناء إلى مكان الحجر الأسود وكان في وقت الهدم وجد مصدعا بسبب الحريق كما تقدم، فشده بالفضة، ثم جعله في ديباجة، وأدخله في تابوت وأقفل عليه، وأدخله دار الندوة، فحين وصل البناء إلى محله أمر ابنه حمزة وشخصا آخر أن يحملاه ويضعاه محله وقال: إذا وضعتماه وفرغتما فكبرا حتى أسمعكما فأخفف صلاتي، فإنه صلى بالناس بالمسجد اغتناما لشغلهم عن وضعه لما أحس منهم بالتناقض في ذلك: أي أن كل واحد يريد أن يضعه وخاف الخلاف، فلما كبرا تسامع الناس بذلك، فغضب جماعة من قريش حيث لم يحضرهم.
-
وكون الحجر وجد مصدعا بسبب الحريق، وكون ابن الزبير شده كذلك بالفضة لا ينافي ما وقع بعد ذلك من أن أبا سعيد كبير القرامطة وهم طائفة ملاحدة ظهروا
ج ١ ص ٢٤٨بالكوفة سنة سبعين ومائتين، يزعمون أن لا غسل من الجنابة، وحل الخمر، وأنه لا صوم في السنة إلا يوم النيروز والمهرجان، ويزيدون في أذانهم، وأن محمد ابن الحنفية رسول الله وأن الحج والعمرة إلى بيت المقدس وافتتن بهم جماعة من الجهال وأهل البراري، وقويت شوكتهم حتى انقطع الحج من بغداد بسببه وسبب ولده أبي طاهر، فإن ولده أبا طاهر بنى دارا بالكوفة وسماها دار الهجرة، وكثر فساده، واستيلاؤه على البلاد وقتله المسلمين وتمكنت هيبته من القلوب، وكثرت أتباعه، وذهب إليه جيش الخليفة المقتدر بالله السادس عشر من خلفاء بني العباس غير ما مرة وهو يهزمهم.
-
ثم إن المقتدر سير ركب الحاج إلى مكة فوافاهم أبو طاهر يوم التروية فقتل الحجيج بالمسجد الحرام وفي جوف الكعبة قتلا ذريعا، وألقى القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوسه فكسره، ثم اقتلعه وأخذه معه، وقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها وشققها بين أصحابه، وهدم قبة زمزم وارتحل عن مكة بعد أن أقام بها أحد عشر يوما ومعه الحجر الأسود، وبقي عند القرامطة أكثر من عشرين سنة: أي والناس يضعون أيديهم محله للتبرك، ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع، وهو الرابع والعشرون من خلفاء بني العباس، فأعيد الحجر إلى موضعه، وجعل له طوق فضة شد به زنته ثلاثة آلاف وسبعمائة وتسعون درهما ونصف.
قال بعضهم: تأملت الحجر وهو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط وسائره أبيض، وطوله قدر عظم الذراع.
-
وبعد القرامطة في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة قام رجل من الملاحدة وضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات بدبوس فتشقق وجه الحجر من تلك الضربات، وتساقطت منه شظيات مثل الأظفار، وخرج مكسره أسمر يضرب إلى الصفرة محببا مثل حب الخشخاش فجمع بنو شيبة ذلك الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوه في تلك الشقوق وطلوه بطلاء من ذلك، وجعل طول الباب أحد عشر ذراعا والباب الآخر بإزائه كذلك.
-
فلما فرغ من بنائها خلقها من داخلها وخارجها بالخلوق أي الطيب والزعفران، وكساها القباطيّ: أي وهي ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر.
-
وفي كلام بعضهم أول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير.
-
وأقول: وبناء عبد الله للكعبة من جملة أعلام النبوة لأنه من الإخبار بالمغيبات.
-
ففي نص حديث عائشة رضي الله تعالى عنها «فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه
ج ١ ص ٢٤٩فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من ستة أذرع» وتقدم أن هذا يرد قول بعضهم: أن ابن الزبير أدخل في بنائه جميع الحجر.
قال بعضهم: وهذا منه صلى الله عليه وسلم تصريح بالإذن في أن يفعل ذلك بعده صلى الله عليه وسلم عند القدرة عليه والتمكن منه.
-
وقد قال المحب الطبري: وهذا الحديث يعني حديث عائشة رضي الله تعالى عنها يدل تصريحا وتلويحا على جواز التغيير في البيت إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة.
قال الشهاب ابن حجر الهيتمي: ومن الواضح البين أن ما وهى وتشقق منها في حكم المنهدم أو المشرف على الانهدام فيجوز إصلاحه، بل يندب بل يجب هذا كلامه.
-
وفي شعبان سنة تسع وثلاثين وألف جاء سيل عظيم بعد صلاة العصر يوم الخميس لعشرين من الشهر المذكور هدم معظم الكعبة، سقط به الجدار الشامي بوجهيه، وانحدر معه في الجدار الشرقي إلى حد الباب، ومن الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس، وهدم أكثر بيوت مكة، وأغرق في المسجد جملة من الناس خصوصا الأطفال، فإن الماء ارتفع إلى أن سد الأبواب.
-
وعند مجيء الخبر بذلك إلى مصر جمع متوليها الوزير محمد باشا وهو الوزير الأعظم الآن: أي في سنة ثلاثة وأربعين وألف جمعا من العلماء كنت من جملتهم، ووقعت الإشارة بالمبادرة للعمارة، وقد جعلت للوزير المذكور في ذلك رسالة لطيفة وقعت منه موقعا كبيرا، وأعجب بها كثيرا، حتى أنه دفعها لمن عبر عنها باللغة التركية، وأرسل بها لحضرة مولانا السلطان مراد أعز الله أنصاره، وذكرت فيها أن الحق أن الكعبة لم تبن جميعها إلا ثلاث مرات المرة الأولى: بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام. والثانية: بناء قريش، وكان بينهما ألفا سنة وسبعمائة سنة وخمس وسبعون سنة. والثالثة: بناء عبد الله بن الزبير: أي وكان بينهما نحو اثنتين وثمانين سنة: أي وأما بناء الملائكة وبناء آدم وبناء شيث لم يصح. وأما بناء جرهم والعمالقة وقصي فإنما كان ترميما. ولم تبن بعد هدمها جميعها إلا مرتين: مرة زمن قريش، ومرة زمن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه.
-
وحينئذ يكون ما جاء في الحديث «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع، وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة» معناه قد يهدم مرتين ويرفع في الهدم الثالث من الدنيا.