باب: بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى
٣٣٥ فقرة، ج ١ ص ٢٠٤
الصفحة ٥ من ٩
- ج ١ ص ٢٣٣
ففي العرائس: خرج جبريل بهما يوم التروية إلى منى، فصلى بهما الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم باتا بها حتى أصبحا، فصلى بهما صلاة الصبح، ثم غدا بهما إلى عرفة، فقام بهما هناك حتى زالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر، ثم رجع بهما إلى الموقف من عرفة، فوقف بهما على الموقف الذي يقف عليه الناس الآن، فلما غربت الشمس دفع بهما إلى مزدلفة،
ج ١ ص ٢٣٤فجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بهما حتى طلع الفجر، ثم صلى بهما صلاة الغداة، ثم وقف بهما على قزح حتى إذا أسفر أفاض بهما إلى منى، فأراهما كيف رمى الجمار، ثم أمرهما بالذبح، وأراهما المنحر من منى وأمرهما بالحلق، ثم أفاض بهما إلى البيت، فليتأمل ذلك فإن فيه التصريح بأن إبراهيم وإسمعيل صليا مع جبريل جماعة الصلوات الخمس، وجمعا تقديما بين الظهر والعصر، وتأخيرا بين المغرب والعشاء للنسك، وهو مخالف لقول أئمتنا لم تجمع الصلوات الخمس إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم.
-
ففي الخصائص الصغرى: وخص بمجموع الصلوات الخمس، ولم تجتمع لأحد، وبالعشاء ولم يصلها أحد، وبالجماعة في الصلاة إلا أن يدعى أن المراد الجمع على جهة المداومة على ذلك لجواز أن يكون إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام لم يداوما على ذلك، وفيه ما لا يخفى.
-
وفي الوفاء عن وهب قال: أوحى الله تعالى إلى آدم عليه الصلاة والسلام «أنا الله ذو بكة، أهلها جيرتي، وزوارها وفدي وفي كنفي، أعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا، يعجون بالتكبير عجا، ويرجّون بالتلبية ترجيحا، ويثجون بالكباء ثجا. فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني وضافني ووفد إليّ ونزل بي، وحق لي أن أتحفه بكرامتي، أجعل ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وثناءه لنبي من ولدك يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرمه، وأعلمه مشاعره، ثم يعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له محمد خاتم النبيين، وأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، فمن سأل عني يومئذ فأنا من الشعث الغبر، الموفين بنذورهم، المقبلين على ربهم» .
-
ولما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إبراهيم: الآية ٣٧] أي دعا بذلك وهو على ثنية كداء بالمد. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إبراهيم: الآية ٣٧] كان على الثنية العليا ذكره السهيلي، وعند ذلك نقل له الطائف من فلسطين من أرض الشام: أي وببركة دعائه عليه الصلاة والسلام يوجد بمكة الفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، ذكره في الكشاف.
-
ثم لما فرغ: أي من بناء البيت وحج وطاف بالبيت لقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه، فقال لهم: ما تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فأعلمناه بذلك، فقال: زيدوا
ج ١ ص ٢٣٥ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: زيدوا فيها العليّ العظيم. فقالت الملائكة ذلك.
-
وكان بناء إبراهيم للبيت بعد مضي من عمره مائة سنة، ثم بناه العماليق، ثم بنته جرهم، وقيل عكسه. وقد يتوقف في بناء العماليق له.
-
أما في الأول فلأن أول من نزل مكة مع هاجر وولدها إسمعيل جرهم، وإنهم بعد إسمعيل وبعض ولده كانوا ولاة البيت. وأما في الثاني، فلأن ولاية البيت كانت لخزاعة بعد جرهم كما تقدم، وكيف يبنون البيت ولا ولاية لهم عليه، إلا أن يقال:
لا مانع أن يكونوا حينئذ أهل ثروة، بخلاف جرهم وخزاعة.
-
ثم رأيت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن العماليق كانوا في عزّ وكانت لهم أموال كثيرة، وأن الله سلبهم ذلك لما تظاهروا بالمعاصي، وسلط عليهم الذر حتى خرجوا من الحرم، وتفرقوا وهلكوا، والذر في النمل كالزنبور في النحل.
-
وفي تاريخ مكة للفاكهي أن العماليق قدموا مكة لما قدم وفد عاد للاستسقاء بالبيت. وقيل كانوا بعرفة. ولما أخرج الله تعالى زمزم لإسماعيل بواسطة جبريل.
-
ففي «ربيع الأبرار» أن جبريل أخرج ماء زمزم مرتين: مرة لآدم، ومرة لإسمعيل، وعند ذلك تحولوا إلى مكة. قال المقريزي: لما علموا بذلك. وقيل كانوا بعد جرهم، ولا يصح ذلك. ثم رأيت المقريزي قال: وفي كتاب أخبار مكة للفاكهي ما يدل على تقدم بناء جرهم على بناء العمالقة، ولا يصح ذلك لاتفاقهم على أن ولاية العمالقة على مكة كانت قبل ولاية جرهم، وعلى أنه لم يل مكة بعد جرهم إلا خزاعة.
-
ولا يخفى أن هذا صريح في أن العمالقة بنته ولا بد، وأن بناءهم له كان قبل بناء جرهم له، والعماليق من ولد عملاق أو عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام. قيل وهو أول من كتب بالعربية، وقيل من ولد العيص بن إسحق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ثم بناه قصي جده صلى الله عليه وسلم، وسقفه بخشب الروم وجريد النخل. ثم بنته قريش كما تقدم. ثم بناه بعد قريش عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أي ويكنى أبا خبيب، بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة، وكني بأبي خبيب لأن خبيبا كان رجلا بالمدينة من النساك، طويل الصلاة، قليل الكلام: أي وعبد الله رضي الله تعالى عنه كان مشابها له في ذلك، فكني به.
-
هذا، وفي كلام ابن الجوزي أنه كان لعبد الله بن الزبير ولد يقال له خبيب حيث قال خبيب بن عبد الله بن الزبير ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مائة سوط فمات، لأنه لما حدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا،
ج ١ ص ٢٣٦وفي رواية ثلاثين رجلا، وفي رواية: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا. وفي رواية إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا اتخذوا عباد الله تعالى خولا: أي عبيدا، ومال الله دولا، ودين الله دغلا. وفي رواية بدل دين الله كتاب الله. قال ابن كثير: وهذا الحديث أي ذكر بني أمية وذكر الأربعين منقطع. ولما بلغ الوليد ما ذكر خبيب كتب لابن عمه عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة أن يضرب خبيبا هذا مائة سوط ففعل، ثم برّد ماء في جرة وصبه أي في يوم شات عليه وحبسه، فلما اشتد وجعه أخرجه وندم على ما فعل. فلما مات وسمع بموته سقط إلى الأرض واسترجع، واستعفى من ولاية المدينة، فكان عمر بن عبد العزيز إذا قيل له أبشر، قال: كيف أبشر وخبيب على الطريق أي عائق لي.
-
وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعضهم قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان ومعه ابن عباس على السرير، فدخل عليه مروان بن الحكم، فكلمه في حاجته وقال:
اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فو الله إن مؤنتي لعظيمة، فإني أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة، فلما أدبر مروان قال معاوية لابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
أشهدك بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله تعالى خولا، وكتاب الله دغلا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة؟ فقال ابن عباس:
اللهم نعم» ثم ذكر مروان حاجة فردّ مروان ولده عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية: أنشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا؟ فقال: أبو الجبابرة الأربعة، فقال ابن عباس: اللهم نعم، فإن أربعة من ولدة ولوا الخلافة، فليتأمل هذا فإنه ربما يدل على أن عبد الملك صحابي، إلا أن يقال ذكره قبل وجوده فهو من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وفي كلام ابن كثير: هذا الحديث فيه غرابة ونكارة شديدة. هذا، وقد رأيت عن بعض حواشي الكشاف أن أعداء عبد الله ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما هم الذين كانوا يكنونه بأبي خبيب، لأن خبيبا كان من أخس أولاده، ويرده قول بعضهم: يغلب للشرف كالخبيبين لخبيب بن عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب.
-
وذكر ابن الجوزي أيضا فيمن ضرب بالسياط من العلماء سعيد بن المسيب، ضربه عبد الملك بن مروان مائة سوط، لأنه بعث ببيعة الوليد إلى المدينة فلم يبايع سعيد، فكتب أن يضرب مائة سوط ويصب عليه جرة ماء في يوم شات ويلبس جبة صوف ففعل به ذلك، أي كما فعل بخبيب.
-
ثم رأيت في تاريخ الحافظ ابن كثير لما عهد به عبد الملك لولده الوليد في حياته وانتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع، فضربه نائب المدينة
ج ١ ص ٢٣٧ستين سوطا، وألبسه ثيابا من شعر، وأركبه جملا وطاف به في المدينة، ثم أودع السجن، فلما بلغ ذلك عبد الملك أرسل يعنف والي المدينة على ذلك ويأمره بإخراجه من الحبس، هذا كلامه.
-
وفي كلام البلاذري، وكان جابر بن الأسود عاملا لابن الزبير على المدينة وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا، إذ لم يبايع لابن الزبير، هذا كلامه. إلا أن يقال: لا مانع أن يكون سعيد فعل به الأمران لأن ولاية ابن الزبير سابقة على ولاية عبد الملك والد الوليد.
-
ثم رأيت الحافظ ابن كثير صرح بذلك حيث ذكر أن سعيد بن المسيب ضرب بالسياط المذكورة، وفعل به ما تقدم لما امتنع من المبايعة لابن الزبير، وفعل به ذلك أيضا لما امتنع من البيعة للوليد.
-
وفي طبقات الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في ترجمة سعيد بن المسيب: وضربه عبد الملك بن مروان حيث امتنع من مبايعته، وألبسه المسوح، ونهى الناس عن مجالسته، فكان كل من جلس إليه يقول له: قم لا تجالسني فإنهم قد جلدوني ومنعوا الناس عن مجالستي هذا كلامه، إلا أن يقال، المراد امتنع من قبول مبايعة عبد الملك لولده الوليد فلا مخالفة، وإنما امتنع سعيد بن المسيب من المبايعة للوليد، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد فهو شر لأمتي من فرعون لقومه» وفي رواية «هو أضر على أمتي من فرعون على قومه» زاد في رواية «يسد به ركن من أركان جهنم» وفي لفظ «زاوية من زوايا جهنم» فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك. قال ابن كثير: وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، لا الوليد بن عبد الملك الذي هو عمه.
-
وكان سعيد بن المسيب أعبر الناس للرؤيا قال له رجل: رأيت كأني أبول في يدي، فقال: تحتك ذات محرم، فنظر فإذا بينه وبين امرأته رضاعة. وأخذ سعيد تعبير الرؤيا عن أسماء بنت أبي بكر وهي أخذت ذلك عن والدها أبي بكر رضي الله تعالى عنهما. وعن سعيد أخذ ابن سيرين ذلك.
-
وعن ابن سيرين. كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يعبر الرؤيا في زمنه صلى الله عليه وسلم وفي حضرته. وعن الزهري «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فقصها على أبي بكر. فقال: رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف. قال: يا رسول الله يقبضك الله إلى مغفرة ورحمة، وأعيش بعدك سنتين ونصفا» فكان كما عبر فقد عاش بعده صلى الله عليه وسلم سنتين وسبعة أشهر وقال له: «رأيتني أردفت غنما سودا ثم أردفتها غنما بيضا حتى ما ترى السود فيها، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما الغنم السود فإن العرب يسلمون ويكثرون، والغنم البيض الأعاجم يسلمون حتى لا ترى
ج ١ ص ٢٣٨العرب فيهم من كثرتهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك عبرها الملك سحيرا» .
-
وسبب بناء عبد الله بن الزبير للكعبة أن يزيد بن معاوية لما وجه الجيش عشرين ألف فارس وسبعة آلاف راجل وأميرهم مسلم بن قتيبة لقتال أهل المدينة، لما علم أنهم خرجوا عن طاعته: أي وأظهروا شتمه وأعلنوا بأنه ليس له دين، لأنه اشتهر عنه نكاح المحارم وإدمان شرب الخمر وترك الصلاة وأنه يلعب بالكلاب: أي فقد ذكر بعض ثقات المؤرخين أنه كان له قرد يحضره مجلس شرابه ويطرح له وسادة ويسقيه فضلة كأسه، واتخذ له أتانا وحشية قد ربضت له وصنع لها سرجا من ذهب يركب عليها ويسابق بها الخيل في بعض الأيام، وكان يلبس عليه قباء وقلنسوة من الحرير الأحمر.
-
وقد استفتى الكيا الهراسي من أكابر أئمتنا معاشر الشافعية، كان من رؤوس تلامذة إمام الحرمين نظير الغزالي عن يزيد هذا هل هو من الصحابة؟ وهل يجوز لعنه؟ فأجاب بأنه ليس من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب. وللإمام أحمد قولان: أي في لعنه تلويح وتصريح، وكذلك الإمام مالك وكذا لأبي حنيفة.
-
ولنا قول واحد التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاعب بالنرد والمصيد بالفهود ومدمن الخمر وشعره في الخمر معلوم، هذا كلامه.
-
وسئل الغزالي هل من صرح بلعن يزيد يكون فاسقا؟ وهل يجوز الترحم عليه؟
-
فأجاب بأن من لعنه يكون فاسقا عاصيا، لأنه لا يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم، فقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي صلى الله عليه وسلم، ويزيد صح إسلامه وما صح أمره بقتل الحسين ولا رضاه بقتله، وما لم يصح منه ذلك لا يجوز أن يظن به ذلك، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام، وإذا لم يعرف حقيقة الأمر وجب إحسان الظن به، ومع هذا فالقتل ليس بكفر بل هو معصية، وأما الترحم عليه فهو جائز بل هو مستحب، لأنه داخل في المؤمنين في قولنا في كل صلاة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، هذا كلامه. وكان على ما أفتى به الكيا الهراسي من جواز التصريح بلعنه استاذنا الأعظم الشيخ محمد البكري تبعا لوالده الأستاذ الشيخ أبي الحسن.
-
وقد رأيت في كلام بعض أتباع أستاذنا المذكور في حق يزيد ما لفظه: زاده الله خزيا وضعه، وفي أسفل سجين وضعه.
-
وفي كلام ابن الجوزي: أجاز العلماء الورعون لعنه، وصنف في إباحة لعنه مصنفا.
وقال السعد التفتازاني: إني لأشك في إسلامه، بل في إيمانه، فلعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه، وعلى هذا يكون مستثنى من عدم جواز لعن الكافر المعين بالشخص.
- ج ١ ص ٢٣٩
ولما خلعوا: أي أهل المدينة بيعة يزيد ولوا عليهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وأخرجوا والي يزيد من المدينة وهو مروان بن الحكم وبني أمية حتى قال بعضهم: ما خرجنا عليه حتى خفنا أن نرمى بحجارة من السماء، فكانت وقعة الحرة المشهورة التي كادت تبيد أهل المدينة عن آخرهم، قتل فيها الجم الكثير من الصحابة والتابعين. وقيل المقتول فيها من الصحابة ثلاثة: منهم عبد الله بن حنظلة، ونهبت المدينة، وافتض فيها ألف عذراء: أي ولم تقم الجماعة ولا الأذان في المسجد النبوي مدة المقاتلة وهي ثلاثة أيام.
-
وفي كلام بعضهم: ووقع من ذلك الجيش الذي وجهه يزيد للمدينة، من القتل، والفساد العظيم، والسبي، وإباحة المدينة، وقتل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن التابعين خلق كثيرون. وكانت عدة المقتولين من قريش والأنصار ثلاثمائة وستة رجال، ومن قراء القرآن نحو سبعمائة نفس.
-
وفي التنوير لابن دحية: وقتل من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمائة، ومن حملة القرآن سبعمائة، وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراثت بين القبر الشريف والمنبر، واختفت أهل المدينة حتى دخلت الكلاب المسجد وبالت على منبره صلى الله عليه وسلم، ولم يرض أمير ذلك الجيش من أهل المدينة إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم خول: أي عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، حتى قال له بعض أهل المدينة: البيعة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فضرب عنقه.
-
وروى البخاري «أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما لما أرجف أهل المدينة يزيد دعا بنيه ومواليه وقال لهم: إنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله وبيعة رسوله، وإنه والله لا يبلغني عن أحد منكم أنه خلع يدا من طاعته إلا كان التنصل بيني وبينه ثم لزم بيته» ولزم أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه بيته أيضا، فدخل عليه جمع من الجيش بيته، فقالوا له: من أنت أيها الشيخ؟ فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد سمعنا خبرك، ولنعم ما فعلت حين كففت يدك ولزمت بيتك، ولكن هات المال، فقال: قد أخذه الذين دخلوا قبلكم عليّ وما عندي شيء، فقالوا كذبت ونتفوا لحيته.
-
وأما جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، فخرج في يوم من تلك الأيام وهو أعمى يمشي في بعض أزقة المدينة، وصار يعثر في القتلى ويقول: تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له قائل من الجيش: من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ، فحمل عليه جماعة من الجيش ليقتلوه، فأجاره منهم مروان وأدخله بيته» .
قال السهيلي: وقتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار رضي الله
ج ١ ص ٢٤٠تعالى عنهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان.
-
فقد ذكر أن امرأة من الأنصار دخل عليها رجل من الجيش وهي ترضع صبيها وقد أخذ ما وجده عندها، ثم قال لها، هات الذهب وإلا قتلتك وقتلت ولدك، فقالت له: ويحك إن قتلته فأبوه أبو كبشة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا من النسوة اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الصبي من حجرها وثديها في فمه وضرب به الحائط حتى انتثر دماغه في الأرض، فما خرج من البيت حتى اسودّ نصف وجهه وصار مثلة في الناس.
-
قال السهيلي، وأحسب هذه المرأة جدة للصبي لا أما له، إذ يبعد في العادة أن تبايع امرأة وتكون يوم الحرة في سن من ترضع، أي ولدا صغيرا لها. ووقعة الحرة هذه من أعلام نبوّته صلى الله عليه وسلم.
-
ففي الحديث «أنه صلى الله عليه وسلم وقف بهذه الحرة وقال: ليقتلنّ بهذا المكان رجال هم خيار أمتي بعد أصحابي» .
-
وعن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد وجدت قصة هذه الوقعة في كتاب يهوذا بن يعقوب الذي لم يدخله تبديل، وأنه يقتل فيها رجال صالحون، يجيئون يوم القيامة وسلاحهم على عواتقهم، وهذه الواقعة كانت سنة ثلاث وستين، ويقال كان يزيد أعذر أهل المدينة قبل هذه الوقعة فيما ذكروه، وبذل لهم من العطاء أضعاف ما يعطي الناس، رغبة في استمالتهم إلى الطاعة، وتحذيرهم من الخلاف، ولكن يأبى الله إلا ما أراد.
-
وفي التنوير أن الله ابتلى أمير هذا الجيش الذي هو مسلم بن قتيبة بعد ثلاثة أيام من أخذه البيعة بمرض صار ينبح منه كالكلب إلى أن مات، وولي أمر الجيش بعده الحصين بن نمير بأمر يزيد، فإنه وصى مسلم بن قتيبة لما ولاه إمرة الجيش وقال له:
إذا أشرفت على الموت أي لأنه كان مريضا بالاستسقاء فولّ أمر الجيش للحصين، وهذا الذي وقع من يزيد فيه تصديق لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد» .
-
وقد جاء عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري، وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان والإقامة من القبر الشريف.
-
ومما يؤثر عن سعيد بن المسيب: الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال، ومن استغنى بالله افتقر إليه الناس.
-
ومن جملة من خلع يزيد وقتل من الصحابة في تلك الوقعة مغفل بن سنان
ج ١ ص ٢٤١الأشجعي رضي الله تعالى عنه. روى علقمة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها مثل مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام مغفل بن سنان وقال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت» ففرح ابن مسعود.