تنبيهات

٥٣ فقرة، ج ٤ ص ٣٥٣

الصفحة ١ من ٢

  1. الأول: الأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة ٣]

    ج ٤ ص ٣٥٣
  2. واشتقاقه من الأذن بفتحتين وهو الاستماع، وشرعا: الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة.

    ج ٤ ص ٣٥٤
  3. الثاني: في بعض أسرار الأذان وبدائعه، قال القاضي: «الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات، فأوّله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: «الله أكبر» ، وهذه اللفظة مع اختصارها دالة على ما ذكرناه، ثم صرّح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدّمة على كل وظائف الدين ثم صرّح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات. وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى. ثم دعاهم إلى ما دعاهم الله إليه من العبادات، فدعاهم إلى الصلاة، وعقّبها بعد إثبات النبوّة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام. ثم كرّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمّن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلّي فيها على بيّنة من أمره وبصيرة بإيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه» . انتهى كلام القاضي. قال النووي: «وهو من النفائس الجليلة» وبالله التوفيق.

    قلت: قد ألّف الإمام الحافظ برهان الدين البقاعي [ (١) ] رحمه الله جزءا لطيفا في أسرار الأذان سمّاه «الإيذان بفتح أسرار التشهّد والأذان» . وأنا مورد هنا ما ذكره في الأذان ليستفاد فإنه نفيس جداً.

  4. قال رحمه الله بعد أن أورد أحاديث بعض الأذان والتشهد: «مقصوده- أي الأذان- الإعلام بأوقات الصلاة تنبيها على أن الدين قد ظهر، وانتشر علم لوائه في الخافقين واشتهر، وسار في الآفاق على الرؤوس فبهر، وأذلّ الجبابرة وقهر وأعلم أنه لما كان الدين المحمدي دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره، قد علا على كل دين، فظهر كلّ مخالف،

    ج ٤ ص ٣٥٥وخفقت راياته بعد أن كانت خفيّة، وانتشرت أعلام ألويته بعد أن كانت ملويّة، وبعتاة أهل الأباطيل مطويّة. وقد كان الشّرك منذ أزمان في غاية الظهور، والباطل هو المعمول به والمشهور، فناسب أن يصرّح بأذانه، ويشدى به على غاية إعلانه، ولما كانوا يشركون به سبحانه، ويتعبّدون بسواه، كان نسب الأمور البدائه بالتنبيه على تفرّده بالكبرياء، وتوحّده بالعلاء، فقال بادئا بالاسم الأعظم، الدّالّ على الذّات، المستجمع لجميع الكمالات: «الله» أي الملك الذي لا كفء له ولا سمّي، ولا ضدّ ولا نظير، وأتى بالخبر نكرة ليدلّ على إسناده إليه على الإطلاق، وأنه لا خفاء في انفراده بذلك، فقال: «أكبر» ، ولم يذكر متعلّقا، ذهابا بالتعميم إلى أعلى الغايات وأنهى النهايات ولما كان قد طال ما قرّر الشّرك في الأذهان، وصال به أهل الطّغيان، اقتضى الحال تأكيد ذلك، ولأجل هذا ثنّى التكبير في الإقامة مع أنها فرادى.

  5. «ولما كان المراد من جميع كلمات الأذان مجرّد الإعلام بالوقت وبهذه المقاصد المراد بها نسخ ما عداه، قال مؤكّدا من غير عطف لشيء من الجمل: «الله أكبر» . ولما كان الحال من جميع الأكوان شديد الاقتضاء، لم يذكر التأكيد لتطاول أزمان الشّرك قال ملذّذا لأسماع الموجودات، ومرويا لعطاش أكباد الكائنات: «الله أكبر» . ولما تمّ تقرير ذلك في الأذهان، وعلم علما تاما أن التوحيد قد علا، وقهر جميع الأديان، ارتقب كلّ سامع ما يقال بعده، فقال مبتدئا دورا جديدا من هذا الإعلام لمزيد التقرير عند جميع الأنام: «الله أكبر» .

  6. «فلما علم أن ذلك إلى غير نهاية، ولا حدّ تقف عنده كلّ غاية، قال مترجما لما أنتجه، ملقّنا لكل سامع ما وجب عليه من الجواب، مسرّا بذلك بعض الأسرار، إعلاما بما كان من حال هذا الدّين في أول الأمر، برهانا على حسن هذا التأكيد: «أشهد» أي أعلم علما قطعيّا أنّي في مريد بصري كالناظر إلى محسوس هو في غاية الجلاء: «ألّا إله إلا الله» . ولما كان المقام كما مضى شديد الاقتضاء للتأكيد قال ثانيا: «أشهد ألّا إله إلا الله» .

  7. «فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد، ولم يحتج إلى مزيد، فتلقّى ذلك بالقبول العبيد، فثبتت رسالة الذي أتى بهذا الدّين، وجاهد به الجاحدين، حتى قهرهم وحده صاغرين أجمعين، قال على طريق النتائج المسلّمة: «أشهد أن محمدا» - ذاكرا أشهر أسمائه وأطيبها وأظهرها- «رسول الله» ، مخصّصا وصف الرّسالة الذي هو بين الحقّ والخلق، لأن المقام داع إليه، ومقصور عليه، ثم أتبع ذلك ما اقتضاه الحال من تأكيده في تعظيمه وتمجيده فقال:

    «أشهد أن محمدا رسول الله» . فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد للإعلام، بما كان فيه للإسلام من الشدائد والآلام، أتبعه ما اقتضاه الحال، من رفع الصّوت بهذا المقال مشيرا مع ذلك إلى أن باطن الدّين وظاهره سواء. ليس فيه حقيقة تخالف شريعة، وخاصة أن المتشرّع به يجب

    ج ٤ ص ٣٥٦عليه أن يكون مثل الشّرع، ظاهره وباطنه سواء، لا نفاق فيه بوجه أصلا، فقال: «أشهد ألا إله إلا الله» .

  8. «فلما استقرّ في الأذهان سرّ هذا الإعلان، أتبعه ما اقتضى الحال من الشهادة للآتي بهذا الدّين من صدق المقال، في دعوى الإرسال، فقال: «أشهد أن محمدا رسول الله» ، ثم أكدّه كما مضى فقال: «أشهد أن محمدا رسول الله» . ولما ثبت ذلك، وانجلت دياجير تلك الأمور الحوالك، فتيسّر السّلوك لكل سالك، في أشرف المسالك، قال ذاكرا لما آثرته الرسالة من الخلاص من أشراك الضلالة، والرّدّ على طرقها الميّالة، وأوديتها المغتالة: «حيّ على» - أي هلمّوا أقبلوا جهارا غير خائفين من أحد- إلى «الصلاة» ، بادئا بما هو نهاية الدّين، الجامع لشمله، المميّز لأهله.

  9. «ولما كان الناظر لذلك الحال، يستدعي عجبا من الوصول إلى هذا المآل، قال مؤكّدا: «حي على الصلاة» . فلما تقرّر ذلك كان كأنه قيل: هل من عمل غيرها؟ فقال: «حي على الفلاح» ، فكان ذلك، مع أنه دعاء إلى كل عمل يوجب الفوز والظّفر بكل مراد مؤكدا للدّعاء إلى الصلاة على أبلغ وجه.

  10. «ولا شك أنه أحسن مما ورد في بعض الآثار الموقوفة في الموطّأ، رواية محمد بن الحسن، وجاء مع عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما، وصرّح الحفّاظ بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «حيّ على خير العمل» ، لأنه مع كونه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد صار شعار الرّوافض لا يشمل جميع الأعمال الصالحة، وكان الوارد في الصحيح أبلغ من وجهين: من جهة أنه شامل لكل خير، ومن جهة التعبير عن ذلك باللازم الذي هو الغاية المترتبة على العمل تحبيبا فيه، وتشويقا إليه، مع أنه كان يقوله بعد: حي على الفلاح» .

  11. «ولما كان تطاول الصّولة بالإذلال والقهر، موجبا لاستبعاد الإقبال على كل عمل من أعمال الشّرع على سبيل القهر، أكّد هذا الكلام الدّاعي إلى كل خير لهذا وللإشارة إلى أنه لحسنه جدير «بالتأكيد، وأهل لأن يعرف بمقدار لجلالة آثاره، فقال: «حي على الفلاح» ، وفيه إشارة إلى أن الأمر خطير، والطريق صعب، فلا بد من التّأهّب له بأعظم الزّاد، لتحصل الراحة في المآل والمعاد.

  12. «ولما كان المدعو قد يكون نائما، وكان النوم قد يكون خيرا، إما بأن يكون القصد به راحة البدن للتّقوي على الطاعة، أو أن يكون للتّخلّي عن المعصية، وكان أكثر ما يكون ذلك في آخر الليل، كان التثويب خاصّا بأذان الصبح، فقال فيه: «الصلاة» - التي هي أعظم الفلاح، ومن أعظم مقاصد هذا الأذان الإعلام بوقتها والدّعاء إليها- «خير من النوم» . ولما كان من يغلبه

    ج ٤ ص ٣٥٧النوم محتاجا إلى الإزعاج، أكّد ذلك بالتكرير، فقال: «الصلاة خير من النوم» . ولما كان للصبح أذانان كان التثويب ربما كان في الأول، فكان دعاء إلى قيام الليل الذي شرّع له ذلك الأذان، كما بيّن سرّه في بعض الروايات في قوله: «ليرجع قائمكم وينبّه نائمكم» . وربما كان في الثاني، فكان دعاء إلى فرض الصبح، وهو بالأول أنسب، لأن الفرض له حاث يحثّ عليه، وداع ملحّ يدعو إليه، وهو الوجوب الذي من أخلّ به عوقب، ومن جاوز حدّه ليم وعذّب.

  13. «ولما تمّ الدّين بجملته، وكمل أصلا وفرعا، قولا ونية وعملا، برمّته، علّل الدّعاء إليه مرغّبا مرهّبا، بقوله، مذكّرا بما بدأ الأمر به، لاستحضار عظمته التي أظهر بها الدّين، وأذلّ بها المعتدين، بعد أن كانوا على ثقة من أنه لا غالب لهم، «الله أكبر» ، ثم أكّد بمسيس الحاجة إلى ذلك في الترغيب والترهيب، فقال: «الله أكبر» . فلما تمّ الأمر، وجلا التشويق والزّجر، لم تدع حاجة إلى تربيع التكبير هنا كما كان في الأول، فختم بما بدأ به من التوحيد إعلاما بأنه لا يقبل شيء من الدّين إلا به مقارنا له من ابتدائه إلى انتهائه، فقال: «لا إله إلا الله» .

  14. «ولما كان قد وصل إلى حد لا مزيد عليه، لم يحتج إلى تأكيد، حتى ولا بلفظ الشهادة إعلاما بأنه ليس وراء هذا إلا السيف لو توقّف عنه، أو ما عاند فيه. ولما كان من أجل ما يراد بالأذان- كما مضى- الإعلام بظهور الإسلام على جميع الأديان، وأنه قد أورق عوده، وزكا وجوده، وثبت عموده، وعزّ أنصاره وجنوده، جاء على سبيل التعديد، والتقرير والتأكيد، من غير عاطف ولا لافت عن هذا المراد ولا صارف تنبيها على أن كلّ جملة منه ركن برأسه، مستقل بذلك بنفسه، معرّب عما هو المراد من الإظهار بالتّعداد.

  15. «هذا ما شرحه الله تعالى لعباده من الأذان في حال النوم واليقظة، في الليل والنهار، على وفاء لا مزيد عليه، كما صرح به في

    قوله- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم رب هذه الدعوة التامّة، فمن زاد حرفا فما فوقه فقد أساء وتعدّى وظلم» .

  16. ومن الواضح البيّن أن المعنى في إجابة السامع لألفاظه بها الإيذان باعتقاده، والإذعان لمراده، وأنه تخصيص الجواب في الدعاء إلى الصلاة والفلاح، بالحوقلة، والمراد بها سؤال المعونة على تلك الأفعال الكرام بالتّبرّؤ من القدرة على شيء بغير تقدير الله، ردّا للأمر إلى أهله، وأخذا له من معدنه وأصله، والإقامة فرادى، لأنه لما ثبت بالأذان أمر الوحدانية والرسالة، وعلم المدعوّ ما نسب إليه، صار الأمر غنيّا عن التأكيد، فلم يحتج إلى غير الإعلام بالقيام إلى ما قد دعي إليه، وأعلم بوقته، وأكّد التكبير بما ذكر في الأذان نوع تأكيد لما تقدم من مزيد الاهتمام والإقامة لإسراع من عنده بعض غفلة أو توان» . انتهى.

  17. الثالث: اختلف في السنة التي فيها شرع [الأذان] . قال الحافظ: «والرّاجح أنه كان في السنة الأولى، وقيل: بل في الثانية» .

  18. الرابع: قول ابن عمر: فقال عمر: «أو لا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة» .

  19. فقال

    ج ٤ ص ٣٥٨رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال قم فناد بالصلاة» .

    قال النووي: هذا الدعاء دعاء إلى الصلاة غير الأذان وكان قد شرّع قبل الأذان. قال الحافظ: والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كان عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. وكان اللفظ الذي ينادي به بلال هو «الصلاة جامعة» ، كما رواه ابن سعد، وسعيد بن منصور عن سعيد بن المسيّب مرسلا. وقد وقع للقاضي أبي بكر العربي هنا كلام غير محرّر طعن فيه في صحة حديث ابن عمر الثابت في الصحيح» وقد بسط الحافظ الكلام على ردّه.

  20. الخامس: روى الطبراني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه رأى الأذان، وسنده واه، ووقع في الوسيط للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلا. وعبارة الجيلي في شرح التنبيه: أربعة عشر رجلا وأنكره ابن الصلاح [ (١) ] [فقال: لم أجد هذا بعد إمعان البحث] ثم النووي [في تنقيحه فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف وإنما الثابت خروج عمر يجرّ رداءه] ، ونقل مغلطاي عن بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعة عشر رجلا من الأنصار. قال الحافظ: «الحق أنه لا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض الطرق» .

  21. وروى الحافظ ابن أبي أسامة عن كثير بن مرة [ (٢) ] إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أول من أذّن بالصلاة جبريل في السماء فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا، فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلم، ثم جاء بلال، فقال: «سبقك بها عمر» [ (٣) ] .

  22. وسنده/ واه جدا، في سنده سعيد بن سنان [ (٤) ] ، قال الذهبي في المغني: «متروك متّهم» .

  23. السادس: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، منها للطبراني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله تعالى إليه:

    ج ٤ ص ٣٥٩بالأذان، فنزل به، فعلّمه بلالا، وفي سنده، طلحة بن زيد الرّقّي هالك. قال الحافظ أبو الفرج بن رجب: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد بغير شك، قلت: وبغيره أيضا.

  24. ولابن شاهين عن علي بن أبي طالب: «علم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الأذان ليلة أسرى به وفرضت عليه الصلاة» ،

    وفي سنده حصين بن مخارق، وهو وضاع. وللدار قطني في الإفراد، وعن أنس رضي الله عنه «أن جبريل أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- بالأذان حين فرضت الصلاة» ، وسنده ضعيف.

  25. ولابن مردويه من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «لما أسري بي أذّن جبريل، فظنّت الملائكة أنه يصلّي بهم، فقدّمني فصلّيت» ، وفي سنده من لا يعرف. وقال الذهبي في مختصر الإمام، أصل الإلمام لابن دقيق العيد [ (١) ] : «هذا حديث منكر بل موضوع» . وللبزّار وغيره من حديث قال: «لما أراد الله عز وجل أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابة يقال لها البراق فركبها [حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وأن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب، صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر] ، فذكر بقية الأذان، وفي آخره: «ثم أخذ الملك بيده فأمّ أهل السماء..» وفي إسناده زياد بن المنذر [ (٢) ] وهو متروك أيضاً. وقال ابن معين [ (٣) ] : عدو الله كذّاب. وقال الذهبي: «هذا من وضعه» . وقال ابن كثير: «هذا الحديث الذي زعم السهيلي أنه صحيح هو منكر، تفرّد به زياد بن المنذر الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية من الرافضة وهو

    ج ٤ ص ٣٦٠من المتهمين، ولو كان النبي- صلى الله عليه وسلم- سمعه ليلة الإسراء لأمر به بعد الهجرة» . ولابن شاهين من طريق زياد المذكور، قال: «قلت لابن الحنفية: كنا نتحدث أن الأذان كان رؤيا، فقال: هذا والله الباطل، لكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما عرج به بعث إليه ملك علّمه الأذان» . قال [الحافظ ابن حجر] : «هذا باطل ويمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدّد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة، وأما قول القرطبي لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء إن يكون مشروعا في حقه، ففيه نظر لقوله في أوله: «لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان» ، وكذا قول المحب الطبري، يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام، [وهذا] فيه نظر أيضا لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه» .

  26. ولابن شاهين من طريق زياد أيضا عن الباقر عن أبيه عن أبي رافع عن علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا علي إن الله علّمني الصلاة والأذان، أتاني جبريل بالبراق» ،

    وزياد [راويه] كذّاب. ولأبي الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نزل الأذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرض الصلاة» ، وفي سنده عبد العزيز بن مروان [ (١) ] ، وهو تالف. قال الحافظ: «والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر «أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يصلّي بغير أذان، منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ثم في حديث عبد الله بن زيد» - انتهى كلام ابن المنذر. وقد حاول السهيلي الجمع بينهما فتكلف وتعسّف والأخذ بما صحّ أولى، فقال بانيا على صحته الحكم في مجيء الأذان على لسان الصحابي في المنام فقصّه فوافق ما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- سمعه فقال: «إنها لرؤيا حقّ» ، وعلم حينئذ أن مراد الله بما أريه في السماء أن يكون سنّة في الأرض، وقوّى ذلك عنده موافقته رؤيا عمر للأنصاري لأن السكينة تنطق على لسان عمر» .. انتهى.

  27. ويؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف إليه عمر للتقوية التي ذكرها. ولكن قد يقال: فلم اقتصر على عمر؟ فيمكن أن يجاب ليصير في معنى الشهادة. وقد جاء في رواية ضعيفة سبقت ما ظاهره أن بلالا أيضا رأى، لكنها مؤوّلة، فإن لفظها: «سبقك بها عمر» ، يحمل المراد بالسّبق على مباشرة التأذين برؤيا عبد الله بن زيد.

  28. السابع: قال السهيلي: «اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي

    ج ٤ ص ٣٦١- صلى الله عليه وسلم- من المؤمنين لما فيه من التنويه من الله تعالى بعبده والرفع لذكره، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه به وأفخم لشأنه، وهذا معنى بيّن، فإن الله تعالى يقول: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [سورة الشرح، الآية: ٤] ، فمن رفع ذكره أن أشار به على لسان غيره» . انتهى كلام السهيلي- وهذا حسن بديع.

  29. الثامن: من أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن مروان- وهو تالف- عن عبد الله بن الزبير قال: «أخذ الأذان من أذان إبراهيم عليه السلام وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [سورة الحج، الآية: ٢٧] الآية، قال: «فأذّن النبي- صلى الله عليه وسلم-» ، وما رواه أبو نعيم بسند فيه مجاهيل عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: «أن جبريل نادى بالأذان لآدم عليه السلام حين أهبط من الجنة» .

  30. التاسع: ذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان دون غيره، كونه لما عذّب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان المشتمل على التوحيد من ابتدائه إلى انتهائه.

  31. العاشر: استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، ورؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي. وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك بأنه- صلى الله عليه وسلم- أمر بمقتضاها لينظر أيقرّ على ذلك أم لا، ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، ويؤيد الأول حديث عبيد بن عمير، أحد كبار التابعين:

    «أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي- صلى الله عليه وسلم-: فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال» . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سبقك بذلك الوحي»

  32. [ (١) ] .

  33. وهذا أصحّ كما حكاه الداودي عن ابن إسحاق «أن جبريل أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بثمانية أيام» .

  34. الحادي عشر: قيل أن الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان إعلام للغائبين متكرّر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثمّ استحبّ أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة.

  35. الثاني عشر: في بيان غريب ما سبق:
  36. «بدء» الأذان، بفتح الموحدة وسكون الدال [المهملة] وبالهمزة، أي ابتداؤه.

  37. «الحين» : الزمان قل أو كثر.

  38. «يتحيّنون» الصلاة: أي يطلبون حينها.

    ج ٤ ص ٣٦٢
  39. «المواقيت» جمع ميقات: وهو الوقت المضروب للفعل.

  40. «الدّعوة» : بالفتح: الأذان.