ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطلب العدو
١٥ فقرة، ج ٦ ص ١٠٠
- ج ٦ ص ١٠٠
قال محمد بن عمر، وابن سعد:
خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- غداة الأربعاء راكبا مقنعّا في الحديد.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال: وخلف سعد بن عبادة- رضي الله عنه- في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة.
قال ابن إسحاق: ولمّا مر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والمسلمون بحبيب مسجّى ببرد أبي قتادة استرجعوا، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ليس بأبي قتادة، ولكنّه قتيل لأبي قتادة، وضع عليه برده لتعرفوا أنّه صاحبه»
-
[ (٢) ] .
-
قال ابن سعد قال سلمة لحقنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والخيول عشاء قال أبو قتادة- رضي الله عنه- في حديثه السّابق: وأقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن معه من أصحابه، فلمّا نظر إليهم العسكر فروا قال: فلما انتهوا إلى موضع المعسكر إذا بفرس أبي قتادة قد عرقبت
فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله!! قد عرقبت فرس أبي قتادة، قال: فوقف عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم فقال:
«ويح أمك، ربّ عدو لك في الحرب» مرتين. ثم أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه حتّى إذا
ج ٦ ص ١٠١انتهوا إلى الموضع الّذي تعالجنا فيه إذا هم بأبي قتادة- فيما يرون مسجّى في ثيابه، فقال رجل من الصّحابة: يا رسول الله، قد استشهد أبو قتادة، قال، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا قتادة، والّذي أكرمني بما أكرمني به أن أبا قتادة على آثار القوم يرتجز» . فدخلهم الشّيطان أنهم ينظرون إلى فرسي قد عرقبت، وينظرون إليه مسجى عليه ثيابي [ (١) ] .
قال: فخرج عمر بن الخطاب وأبو بكر- رضي الله عنهما- يسعيان حتى كشف الثوب، فإذا وجه مسعدة، فقالا: الله أكبر، صدق الله ورسوله، مسعدة يا رسول الله. فكبّر الناس، ولم ينشب أن طلع عليهم أبو قتادة يحوش اللّقاح،
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أفلح وجهك يا أبا قتادة، أبو قتادة سيّد الفرسان، بارك الله فيك يا أبا قتادة» [ (٢) ] .
قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، سهم أصابني، والّذي أكرمك بما أكرمك، وفي ولدك وفي ولد ولدك- وأحسب عكرمة قال وفي ولد ولد ولدك. ما هذا بوجهك يا أبا قتادة؟ قد ظننت أنّي قد نزعته، قال: «ادن مني يا أبا قتادة» قال: فدنوت منه. قال: فنزع النّصل نزعا رفيقا، ثم بزق فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ووضع راحته عليه، فو الذي أكرم محمدا- صلى الله عليه وسلّم- بالنبوة ما ضرب عليّ ساعة قط، ولا قرح قط عليّ.
-
وروى محمد بن عمر وابن سعد عن أبي قتادة قال: لمّا أدركني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: اللهم بارك له في شعره وبشره، وقال: أفلح وجهك، قلت: ووجهك يا رسول الله، قال:
«قتلت مسعدة» ؟ قلت: نعم، وذكر نحو ما تقدم قال: فمات أبو قتادة وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة.
-
وذهب الصّريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الإمداد، فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم والإبل، والقوم يعتقبون البعير والحمار حتى انتهوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بذي قرد قال ابن إسحاق: واستنقذوا عشر لقاح زاد- فيها جمل لأبي جهل، وأفلت القوم بعشر.
-
وكانت راية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- العقاب، يحملها سعد بن زيد، وكان شعارهم أمت أمت.
-
وصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ صلاة الخوف، وسيأتي بيانها في أبواب صلاته- صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
ج ٦ ص ١٠٢وقال سلمة: ولحقني عمّي بسطيحة فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت.
-
وروى ابن سعد عنه قال: لحقنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والخيول عشاء انتهى.
قال سلمة: فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد أخذ تلك الإبل، وكلّ ما قد استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم، وشوى لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- من سنامها وكبدها فقلت: يا رسول الله!! قد حميت القوم الماء، وهم عطاش خلفي، فانتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى مخبر إلا قتلته. فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه في ضوء النّار، وقال: «يا سلمة أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم. والذي أكرمك. فقال: «ملكت فأسجح، إنهم ليغبقون» [ (١) ] وفي لفظ ليقّرون في أرض غطفان» ،
- فجاء رجل من غطفان وقال:
-
نحر لهم فلان جزورا، فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا، قالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين.
قال ابن إسحاق: وقسّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه في كل مائة جزورا.
-
وأقام- صلى الله عليه وسلّم- بذي قرد يوما وليلة يتحسّب الخبر.
-
وفي حديث سلمة أنهم كانوا خمسمائة.
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد: ويقال سبعمائة، وبعث سعد بن عبادة- رضي الله عنه- بأحمال تمر، وبعشر جزائر فوافت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي قرد،
قال سلمة: فلمّا أصبحنا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجّالتنا سلمة»
-
[ (٢) ] .
-
ثم أعطاني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سهم الفارس والراجل فجمعهما لي جميعا، ثم أردفني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بينها وبينه قريب من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق، فجعل ينادي: هل من يسابق؟ إليّ رجل يسابق إلى المدينة، فعل ذلك مرارا،
وأنا وراء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مردفي، قلت له: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي خلّني فلأسابق الرّجل، قال: «إن شئت» قلت: أذهب، فطفر عن راحلته، وثنيت رجلي، فطفرت عن الناقة، ثم ارتبطت عليه شرفا أو شرفين، يعني استبقيت نفسي، ثمّ عدوت حتّى ألحقه، فأصكّ بين كتفيه بيدي، وقلت: سبقتك والله، فضحك وقال: والله إن أظن، فسبقته حتى قدمنا المدينة، فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر.
ج ٦ ص ١٠٣قال محمد بن عمر وابن سعد: ورجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة يوم الاثنين، وقد غاب خمس ليال.
-
وروى الزبير بن بكار عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي قال: مر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة ذي قرد على ماء يقال له بيسان، فسأل عنه، فقيل: اسمه يا رسول الله بيسان- وهو مالح- فقال: «بل هو نعمان وهو طيب» فغيّر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الاسم- وغير الله عز وجل الماء، فاشتراه طلحة، فتصدّق به