الباب الثالث في تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم على نفخ الروح في آدم صلى الله عليهما وسلم

٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٧٧

  1. عن عبد الله بن عمرو [ (١) ] رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» [ (٢) ] وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.

    ج ٢ ص ٧٧
  2. رواه مسلم.

  3. زاد صاحب اللطائف: ومن جملة ما كتب في الذّكر وهو أمّ الكتاب: أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.

  4. وعن العرباض- بكسر العين المهملة- ابن سارية [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته [ (٤) ] .

  5. رواه الإمام أحمد [ (٥) ] والحاكم وصححه.

    قال الطيبي [ (٦) ] في «شرح المشكاة» : «انجدل» مطاوع جدله إذا ألقاه على الأرض، وأصله الإلقاء على الجدالة- بفتح الجيم والدال المهملة- وهي الأرض الصّلبة وهذا على سبيل إنابة فعل مناب فعل، يعني لا يجوز إجزاء منجدل على أن تكون مطاوعا لجدل لما يلزم منه أن يكون آدم منفصلاً من الأرض الصلبة، بل هو ملقّى عليها. والطينة: الخلقة من قولهم: طانه الله على طينتك. والجارّ الذي هو «في» ليس بمتعلق بمنجدل، لما يلزم منه أن يكون آدم مظروفاً في طينته، إنما هو خبر ثان لأنّ، والواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب،

    ج ٢ ص ٧٨والمعنى: كتبت خاتم الأنبياء في الحال الذي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء تخلّقه لمّا يفرغ من تصويره وإجراء الروح.

  6. وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب [ (١) ] رحمه الله تعالى في اللطائف: المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله تعالى ويخرجه إلى دار الدنيا حيّاً، وأن ذلك كان مكتوباً في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم صلى الله عليه وسلّم، وفسّر أمّ الكتاب باللّوح المحفوظ وبالذّكر في قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.

  7. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سأل عن أمّ الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه كن كتاباً. فكان كتاباً.

  8. ولا ريب أن علم الله تعالى قديم أزلي لم يزل عالماً بما يحدثه من خلقه، ثم إن الله تعالى كتب ذلك عنده في كتاب عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.

  9. وفي صحيح البخاري [ (٢) ] عن عمران بن حصين [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلّ شيء، ثم خلق السماوات والأرض»

  10. [ (٤) ] .

  11. وقوله في هذا الحديث:

    «إني عند الله في أم الكتاب»

  12. ليس المراد به- والله أعلم- أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوباً في أم الكتاب في ذلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق الله تعالى من النوع الإنساني.

  13. وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحالة وجبت له صلى الله عليه وسلم النبوة. وهذه مرتبة ثالثة وهو

    ج ٢ ص ٧٩انتقاله صلى الله عليه وسلم من رتبة العلم والكتابة إلى رتبة الوجود العيني الخارجي. فإنه صلى الله عليه وسلّم استخرج من ظهر آدم ونبئ فصارت نبوّته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب.

  14. فعن ميسرة- بفتح الميم وسكون المثناة التحتية- الفجر [ (١) ]- بفتح الفاء وسكون الجيم- رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» .

  15. رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم وصححه.

    قال الإمام أحمد في رواية منها: وبعضهم يرويه متى كتبت من الكتابة؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد» . رواه ابن عساكر

    فتحمل هذه الرواية مع حديث العرباض السابق على وجوب نبوته صلى الله عليه وسلم وثبوتها وظهورها في الخارج، فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب شرعاً كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أو قدراً كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي.

  16. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟

    قال: «وآدم بين الروح والجسد» [ (٢) ] .

  17. رواه الترمذي [ (٣) ] وحسنه.

  18. وعن الصّنابحيّ [ (٤) ] مرسلاً- وهو بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة ومهملة- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله متى جعلت نبيا؟

    قال: «وآدم بين الروح والجسد» [ (٥) ] .

  19. رواه أبو نعيم

    [ (٦) ] .

  20. وروى الآجريّ [ (١) ] في كتاب الشريعة، عن سعيد بن أبي راشد [ (٢) ] قال: سالت عطاء [ (٣) ] رحمه الله تعالى: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم نبيّاً قبل أن يخلق الخلق؟ قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام.

    قال الحافظ ابن رجب: عطاء هذا الظاهر انه الخراساني، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من كتابة نبوته صلى الله عليه وسلم في أمّ الكتاب عند تقدير المقادير. ويرحم الله القائل حيث قال:

    سبقت نبوّته وآدم طينة ... فله الفخار على جميع النّاس

    سبحان من خصّ النّبيّ محمّداً ... بفضائل تتلى بغير قياس!

    ج ٢ ص ٨٠