الباب الأول في بدء أمر الكعبة المشرفة

٢١ فقرة، ج ٢ ص ١٣٩

  1. «قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ.

    ج ٢ ص ١٣٩
  2. وروى ابن أبي شيبة [ (٢) ] والإمام أحمد وعبد بن حميد والشيخان وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أوّل؟ قال:

    المسجد الحرام. قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال أربعون سنة

    [ (٣) ] .

  3. وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن علي- رضي الله تعالى عنه- في الآية قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى.

  4. وروى ابن جرير عن الحسن في الآية قال: إن أول بيت وضع للناس يعبد الله تعالى للذي ببكّة.

  5. وروى ابن أبي حاتم والأزرقي [ (١) ] عن كعب الأحبار- رضي الله تعالى عنه قال-: كان البيت غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى الأرض بأربعين عاماً ومنه دحيت الأرض.

    ج ٢ ص ١٤٠
  6. الغثاء كغراب: ما جاء به السّيل من نبات قد يبس.

  7. وروى ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:

    وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.

  8. وروى عبد الرزاق [ (٢) ] والأزرقي والجنديّ [ (٣) ] في تاريخهما عن مجاهد [ (٤) ]- رحمه الله تعالى- قال: خلق الله تعالى موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة. زاد عبد بن حميد: ودحيت الأرض من تحت الكعبة.

  9. وروى ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: خلق الله تعالى البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها خشفة، فدحيت الأرض من تحته.

  10. الخشفة بمعجمتين: واحدة الخشف وهي حجارة تنبت بالأرض نباتاً ويروى: بحاء مهملة والعين بدل الفاء، وهي أكمة لاطئة بالأرض والجمع خشف. وقيل: هو ما غلبت عليه السهولة، أي ليس بحجر ولا طين. ويروى حشفة بالحاء المهملة والفاء، وهو اليابس الفاسد من التمر.

  11. وروى ابن المنذر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: إن الكعبة خلقت قبل

    ج ٢ ص ١٤١الأرض بألفي سنة وهي من الأرض إنما كانت خشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة يسبّحان، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها وسط الأرض.

  12. وروى البيهقي في الشعب عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال:

    رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منهما الأرض: وإن أول جبل وضعه الله- تعالى- علي وجه الأرض أبو قبيس ثم مدّت منه الجبال»

  13. [ (١) ] .

  14. وروى ابن أبي حاتم عن عطاء وعمرو بن دينار [ (٢) ]- رحمهما الله تعالى- قالا: بعث الله تعالى ريحاً فسفقت الماء فأبرزت موضع البيت على خشفة بيضاء فمدّ الله تعالى الأرض منها فلذلك هي أمّ القرى.

  15. وروى ابن مردويه عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «أم القرى مكة» .

    قال السهيلي رحمه الله تعالى: وفي التفسير أن الله- سبحانه وتعالى- لما قال للسماوات والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ لم يجبه بهذا إلا أرض الحرم.

  16. وروى عبد بن حميد والأزرقيّ واللفظ له عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال:

    لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرض بعث الله- تعالى- ريحا صفّاقة فصفقت الريح الماء فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كأنها قبّة، فدحا الله تعالى الأرض من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت [مكة] [ (٣) ] أم القرى.

  17. سفقت يقال بالسين والصاد المهملتين: أي ضرب بعضه ببعض.

  18. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه لما خلق الله تعالى السماوات والأرض كان أول شيء وضعه فيها البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء لها بابان أحدهما شرقيّ والآخر غربيّ، فجعله مستقبل البيت المعمور، فلما كان زمن الغرق رفع في ديباجتين فهو فيهما إلى يوم القيامة واستودع الله تعالى الركن أبا قبيس.

  19. وروى عبد الرزاق في المصنّف وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح- رحمه الله تعالى- قال: لما أهبط الله تعالى آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع دعاء أهل السماء فأنس بهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله- تعالى- في دعائها وفي صلاتها فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله عز وجل- في دعائه وفي صلاته فتوجه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلي مكة، وأنزل الله- تعالى- عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكان على موضع البيت الآن فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله- تعالى- الطوفان فرفعت تلك الياقوتة.

    ج ٢ ص ١٤٢
  20. وروى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق معمر [ (١) ] عن قتادة وابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه- رحمه الله تعالى- قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم.

  21. فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال الله تعالى: يا آدم إني قد أهبطت بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي ويصلّي عنده كما يصلّى عند عرشي فاخرج إليه. فخرج إليه آدم ومدّ له في خطوه وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر، فجعله خطوة فلم يضع قدميه في شيء من الأرض إلا صار عمراناً وبركة حتى انتهى إلي مكة، وكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان من عظم المصيبة حتى إن كانت الملائكة لتبكي لبكائه وتحزن لحزنه، فعزاه الله- تعالى- بخيمة من خيام الجنة وضعها الله- تعالى- له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الركن وهو ياقوتة بيضاء من ربض الجنة وكان كرسياً لآدم صلى الله عليه وسلم يجلس عليه، فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم بمكة حرسه الله- تعالى- له وحرس له تلك الخيمة بالملائكة. كانوا يحرسونها ويدرأون عنها سكان الأرض، وساكنوها يومئذ الجن والشياطين ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة، والأرض يومئذ طاهرة طيبة نقية لم تنجس ولم يسفك فيها الدم ولم تعمل فيها الخطايا فلذلك جعلها الله تعالى مسكن الملائكة وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الله- تعالى- بالليل والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفّاً واحداً مستديرين بالحرم كله، الحلّ من خلفهم والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جن ولا شيطان من أجل مقام الملائكة حرّم الحرم حتى اليوم. وكان آدم صلى الله عليه وسلم إذا أراد

    ج ٢ ص ١٤٣لقاء حواء ليلمّ بها لأجل الولد خرج من الحرم حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض آدم، ورفعها الله تعالى إليه. وذكر الحديث.