تفسير الغريب

٨ فقرات، ج ٢ ص ١٤٣

  1. قال الحافظ: رحمه الله تعالى: أول بضم اللام. قال أبو البقاء [ (١) ] : وهي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد، والتقدير: أول كلّ شيء ويجوز الفتح مصروفاً وغير مصروف ثم أي: بالتنوين وتركه. وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي- رضي الله تعالى عنه- أخرجه إسحاق بن راهويه [ (٢) ] وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عنه قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى.

    ج ٢ ص ١٤٣
  2. وتقدم في أول الباب وسيأتي الكلام على الأقصى في الكلام على تفسير أول سورة الإسراء في أبواب المعراج.

  3. قوله:

    أَربعون سنة

    قال ابن الجوزي: فيه إشكال، لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ومستنده في أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى ما رواه النّسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنهما- مرفوعاً بإسناد صحيح أن سليمان صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا. الحديث.

  4. وروى الطبراني من حديث رافع بن عمير أن داود- عليه الصلاة والسلام- ابتدأ بناء

    ج ٢ ص ١٤٤بيت المقدس، ثم أوحى الله- تعالى- إليه: إني لأقضي بناءه على يد سليمان. وفي الحديث قصة.

    قال ابن الجوزي- رحمه الله تعالى-: والجواب: أن الإشارة إلى أوّل البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا إن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة بنصّ القرآن. وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما الصلاة والسلام لمّا بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما كان غيرهما أسسه.

    قال الحافظ: وقد مشى ابن حبان [ (١) ] في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال: في هذا الخبر ردّ على من زعم أن بين إسماعيل وداود- عليهما الصلاة والسلام- ألف سنة. ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة وهذا عين المحال لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- البيت وبين موسى- عليه الصلاة والسلام. ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة.

  5. وقد تعقّبه الحافظ ضياء الدين المقدسي [ (٢) ] بنحو ما أجاب به ابن الجوزي.

    قال الخطّابي [ (٣) ] : يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله تعالى قبل بناء داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ثم داود وسليمان، فزادا فيه وسعاً

    ج ٢ ص ١٤٥فأضيف إليهما بناؤه. قال: وقد ينسب هذا المسجد الأقصى إلى إيلياء، فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره ولست أحقّق لم أضيف إليه.

    قال الحافظ: الاحتمال الذي ذكره أولا موجّه. وقد رأيت لغيره إن أول من أسس المسجد الأقصى آدم صلى الله عليه وسلم. وقيل: الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقيل: سام بن نوح صلى الله عليه وسلم وقيل: يعقوب صلى الله عليه وسلم فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديداً كما وقع في الكعبة. وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم صلى الله عليه وسلم أو يعقوب صلى الله عليه وسلّم أصلاً وتأسيساً، ومن داود صلى الله عليه وسلم تجديداً لذلك أو ابتداء بناء، فلم يكمل على يديه حتى كمّله سليمان. لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. وقد وجدت ما يشهد له. ويؤيده قول من قال: إن آدم هو الذي أسس كلاّ من المسجدين.

  6. وذكر ابن هشام [ (١) ] في كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. وبناء آدم البيت مشهور.

  7. وقيل إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فاتخذ فيه مسجداً وصلى فيه ليكون قبلة لبعض ذريته. وأما ظنّ الخطّابي أن إيلياء اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة. وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان إن إيلياء مدينة بيت المقدس فيها ثلاث لغات: مد آخره. وقصره. وحذف الياء الأولى.

  8. وعلى ما قاله الخطّابي يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها.