فيما يتصل بمولده الشريف

٥ فقرات، ج ١ ص ٤

  1. وقد قدمت إرهاصات لمولده الشريف، أفزعت كسرى وقيصر واهتز لمقدمه الوجود.

    ج ١ ص ٤
  2. فقد رووا- رحمهم الله- أنه «لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم. فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجّعاً، ثم رأى إنه لا يدّخر ذلك عن مرازبته، فجمعهم، ولبس تاجه وجلس على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده، قال:

    أتدرون فيما بعثت إليكم؟ قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران فازداد غمّاً إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله فقال الموبذان: وأنا- أصلح الله الملك- قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدثٌ يكون في ناحية العرب- وكان أعلمهم من أنفسهم- فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني، فلما ورد عليه، قال له: ألك علم بما أريد أن أسالك عنه؟ فقال: لتخبرني، أو ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي منه علم، وإلا أخبرته بمن يعلم. فأخبره بالذي وجه به إليه فيه، قال:

    ج ١ ص ٥علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له: سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح، حتى انتهى إلي سطيح، وقد أشفى على الضريح.

  3. فسلم عليه، وكلمه فلم يرد إليه سطيح جوابا فأنشأ يقول:

    أصمّ أم يسمع غطريف اليمن ... أم فاد فاز لم به شأو العنن

    يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيخ الحي من آل سنن

    وأمّه من آل ذئب بن حجن ... أزرق نهم النياب صرّار الأذن

    أبيض فضفاض الرداء والبدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن

    يجوب بي الأرض علنداة شزن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن

    ترفعني وجنا وتهوي بي وجن ... حتى أتى عاري الجآجي والقطن

    تلفّه في الريح بوغاء الدّمن ... كأنما حثحث من حضني ثكن

    قال: فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلاً صعاباً، تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاماً. يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشّرفات، وكل ما هو آتٍ آت. ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول:

    شمّر فإنك ماضي العزم شمّير ... لا يفزعنّك تفريق وتغيير

    إن يمسي ملك بني ساسان أفرطهم ... فإنّ ذا الدهر أطوار دهارير

    فربّما ربما أضحوا بمنزلة ... يخاف صولهم الأسد المهاصير

    منهم أخو الصّرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وشابور وسابور

    والناس أولاد علّات فمن علموا ... أن قد أقلّ فمحقور ومهجور

    ورب قوم لهم صحبان ذى أذن ... بدت تلهّيهم فيه المزامير

    وهم بنو الأم إما إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور

    والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور

    قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى أضجره بما قال له سطيح، فقال كسرى إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكاً كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان- رضي الله عنه-.

  4. ومشتهرة حادثة الفيل تلك التي واكبت مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، ذلك المولد الذي كان ثمرة الالتقاء القصير بين عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب ومما يمتاز به هذا الكتاب، جمع آراء الأئمة في مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وتفصيل أدلة كل فريق بما يربو على أربعين صحيفة.

    ج ١ ص ٦
  5. وكان مولده صلى الله عليه وسلم في التاسع أو الثاني عشر شهر ربيع الأول (٢٠ إبريل ٥٧١ م) ، وقد أقيمت مكتبة في المكان الذي ولد فيه- عليه السّلام- ويؤمها كثير من الحجاج لعيشوا في رياض المكان الذي شهد مولد المصطفى صلّى الله عليه وسلم ذلك الصفي يتيم الأبوين الذي مات أبواه فكفله جده، ومن بعد جده عمه.