تفسير الغريب

١٠٦ فقرة، ج ٢ ص ٢٤٧

الصفحة ١ من ٣

  1. إساف: بكسر الهمزة وفتح السين المخففة. نائلة- بنون فألف فمثناة تحتية: اسما صنمين.

    ج ٢ ص ٢٤٧
  2. أصغر بني أبيه: قال السهيلي: هذا غير معروف. ولعل الرواية أصغر بني أمّه، وإلا فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس كان أصغر من حمزة. قال السهيلي: وله وجه وهو أن يكون عبد الله أصغر ولد أبيه حين أراد نحره ثم ولد بعد ذلك حمزة والعباس.

    قال أبو ذر الخشنيّ رحمه الله تعالى: قوله أصغر بني أبيه: يعني في ذلك الوقت.

  3. أشوى بشين معجمة: قال في النهاية: يقال رمى فأشوى إذا لم يصب المقتل. وقال الخشني: يقال أشويت من الطعام إذا أبقيت منه.

  4. القداح- بكسر القاف: جمع قدح. كذلك: السهم الذي كانوا يستقسمون به.

  5. ومن شعر عبد الله والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما أورد الصلاح الصّفدي في تذكرته وشيخنا رحمهما الله في المسالك:

    لقد حكم السّارون في كل بلدةٍ ... بأنّ لنا فضلاً على سادة الأرض

    وأنّ أبي ذو المجد والسّؤدد الذي ... يشار به ما بين نشز إلى خفض

    وجدّي وآباءٌ له أثّلوا العلى ... قديماً بطيب العرق والحسب المحض

    وسيأتي الكلام على وفاته في أبواب المولد إن شاء الله تعالى.

  6. تنبيه:
  7. روى مسلم من طريق حماد بن سلمة [ (١) ] ، عن ثابت، عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «في النار» . فلما قفى [ (٢) ] دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار» .

  8. قال الشيخ رحمه الله تعالى في مسالك الحنفا في والدي المصطفى: قوله: «إن أبي وأباك في النار» لم يتفق عليه الرواة، وإنما ذكره حماد بن سلمة، عن ثابت. وقد خالفه معمر عن ثابت، فلم يذكر: إن أبي وأباك في النار. ولكن قال له: إذا مررت بقبر كافر فبشّره بالنار.

  9. وهذه اللفظة لا دلالة فيها على والده صلى الله عليه وسلّم بأمر البتة. وهو أثبت من حيث الرواية. فإن معمراً أثبت من حمّاد. فإن حمّاداً تكلّم في حفظه، ووقع له أحاديث مناكير ذكروا أن ربيبه دسّها في كتبه. وكان حمّاد لا يحفظ فحدّث بها فوهم. ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئاً، ولا أخرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت.

    ج ٢ ص ٢٤٨
  10. وقد قال الحاكم في المدخل: ما خرّج مسلم لحمّاد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد أخرج له في الشواهد عن طائفة، وأما معمر فلم يتكلّم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت.

  11. ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل رواية معمر، عن ثابت، عن أنس.

  12. فروى البزّار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر ابن سعد، عن أبيه، أنّ أعرابياً، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلّم: أين أبي؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال:

    «حيثما مررت بقبر كافر فبشّره بالنار» .

  13. وهذا الإسناد على شرط الشيخين. فتعيّن الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره.

  14. وقد زاد الطبراني والبيهقي في آخره قال: فأسلم الأعرابي بعد وقال: لقد كلّفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار.

  15. وقد

    روى ابن ماجة عن طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان. فأين هو؟ قال: «في النار» . قال:

    فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «حيثما مررت بقبر مشرك فبشّره بالنار» . قال: فأسلم الأعرابي بعد وقال لقد كلّفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار.

    قال الشيخ رحمه الله تعالى: فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم وراه الأعرابي بعد إسلامه أمراً مقتضياً للامتثال، فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة. فعلم أن اللفظ الأول من تصرّف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه.

  16. وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظٌ تصرف فيه الراوي، وغيره أثبت منه. كحديث أنس في نفي قراءة البسملة. وقد أعلّه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بذلك وقال: إنّ الثابت من طريق آخر نفي سماعها، ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه، فأخطأ.

    ج ٢ ص ٢٤٩قال الشيخ رحمه الله تعالى: ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة.

  17. ثم رأيت طريقاً أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر وأزيد وضوحاً. وذلك أنه قد صرّح فيه بأن السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى الله عليه وسلم، فعدل عن ذلك تجملاً وتأدباً.

  18. فروى الحاكم في المستدرك وصححه عن لقيط بن عامر [ (١) ] رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا في جاهليته في خير؟ فقال رجل من عرض قريش: إن أباك المنتفق في النار. فكأنّه وقع حرّ بين جلد وجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل، فقلت: وأهلك يا رسول الله؟ فقال: «ما أتيت عليه من قبر قرشيّ ولا عامري مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوؤك» .

  19. هذه الرواية لا إشكال فيها، وهي أوضح الروايات وأبينها.

  20. ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضاً بالأدلة الآتية في المسلك الأول والحديث إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول.

  21. تتمة: ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وأنه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، وهذا مما يدل على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ليسا في النار. لأنّهما لو كانا فيها لكانا أهون عذاباً من أبي طالب، لأنهما أقرب منه مكاناً، وأبسط عذراً، فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا. بخلاف أبي طالب، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذاباً. فليس أبواه من أهلها. وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.

  22. تنبيه: أجاب جماعة عن الأحاديث الواردة في عدم نجاة الأبوين بأنها وردت قبل ورود الآيات والأحاديث الآتية في المسلك الأول. كما أجابوا بذلك عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار. وقالوا: الناسخ لأحاديث الأطفال قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وإذا علم ما تقرر فللعلماء رضي الله تعالى عنهم في والدي المصطفى صلى الله عليه وسلّم مسالك:

    الأول: أنهما لم تبلغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور: تأخر زمانهما وبعد ما بين

    ج ٢ ص ٢٥٠الأنبياء السابقين. فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم: عيسى صلى الله عليه وسلم. وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم نحو ستمائة سنة، ثم أنهما كانا في زمن جاهلية. وقد طبق الجهل الأرض شرقاً وغرباً وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفراً يسيراً من أحبار أهل الكتاب مفرّقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها. ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عمّرا عمراً طويلاً بحيث يقع لهما فيه التنقيب، فإن والده صلى الله عليه وسلّم صحح الحافظ العلائي أنه عاش من العمر نحو ثماني عشرة سنة. ووالدته صلى الله عليه وسلّم ماتت وهي في حدود العشرين تقريباً.

  23. ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان لا سيما وهي امرأة مضنونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال، والغالب على النساء أنهن لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع، خصوصاً في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلاً عن نسائه. ولهذا لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا: «أبعث الله بشراً رسولاً» وقالوا: «لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين» .

  24. فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه، فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها، إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة، وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجياً بشرطه الآتي في الأحاديث الآتية، وأنه لا يعذب ابتداء قبل الامتحان كما سيأتي بيان ذلك.

  25. هذا مذهبنا لا خلاف فيه بين أئمتنا الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول. وقد نص على ذلك إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم والمختصر، وتبعه جميع الأصحاب فلم يشذّ أحد منهم بخلاف، واستدلوا على ذلك بعدّة آيات منها قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في الآية قال: «إن الله ليس بمعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر أو تأتيه من الله بينة» ومنها قوله تعالى:

    ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ومنها قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أوردهما الزركشي في شرح جمع الجوامع استدلالاً على قاعدة أن شكر المنعم ليس بواجب عقلاً بل بالسمع، وهذه القاعدة أي قاعدة شكر المنعم مرجعها إلى قاعدة كلامية وهي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وإنكارهما متفق عليه بين الأشاعرة كما هو معروف في كتب الكلام والأصول. وقد أطنب الأئمة في تقريرها.

  26. وترجع مسألة من لم تبلغه الدعوة إلى قاعدة ثانية أصولية وهي: أن الغافل لا يكلّف وهذا هو الصواب في الأصول للآية الثانية.

  27. ثم اختلفت عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة، وأحسنها من قال: إنه ناج. وإياها اختار السبكي رحمه الله تعالى.

    ج ٢ ص ٢٥١
  28. ومنهم من قال: على الفطرة. ومنهم من قال: مسلم.

    قال الغزالي رحمه الله تعالى: التحقيق أن يقال: في معنى المسلم.

  29. وقد مشى على هذا المسلك في والدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قوم من العلماء فصرّحوا بأنهما لم تبلغهما الدعوة. حكاه عنهم سبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى في «مرآة الزمان» ومشى عليه الإمام الآبي في شرح مسلم.

  30. وكان شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي يعول عليه ويجيب به إذا سئل عنهما.

  31. وقد ورد في أهل الفترة أحاديث كثيرة أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار. والمصحّح منها ثلاثة: الأول،

    حديث الأسود ابن سريع رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة يحتجّون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم: ورجل مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار. فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها فيسحب إليها» .

  32. الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه موقوفاً، مثل حديث الأسود بن سريع [ (١) ] .

  33. رواهما الإمام أحمد وإسحاق في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وإسنادهما صحيح.

  34. ورواه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق آخر عنه.

  35. الثالث:
  36. حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك.

  37. فيقول لهم ربهم: أرأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فيرجعون إلى ربهم فيقولون: ربنا أجرنا منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها. فينطلقون حتى إذا رأوها

    ج ٢ ص ٢٥٢فرقوا ورجعوا فقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً» .

  38. رواه البزّار والحاكم وصححه وأقره الذهبي.

  39. وورد من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول. ويقول المعتوه: أي رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً. ويقول المولود: لم أدرك العمل. قال: فترفع لهم نار فيقال لهم: ردوها. أو قال: ادخلوها.

  40. فيدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل، فيقول الله تبارك وتعالى: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب» .