تفسير الغريب
١٠٦ فقرة، ج ٢ ص ٢٤٧
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٢ ص ٢٥٢
رواه البزار من طريق عطية العوفي [ (١) ] وفيه ضعف. والترمذي يحسّن حديثه [ (٢) ] خصوصاً إذا كان له شاهد، وحديثه هذا له عدة شواهد تقتضي الحكم بحسنه وثبوته.
-
ومن حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الله تبارك وتعالى لعنقٍ من جهنم، ابرزي. فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه: فيقول من كتب عليه الشقاء يا ربّ أندخلها ومنها كنا نفرق، ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعاً فيقول الله: قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشدّ تكذيباً ومعصية. فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار» [ (٣) ] .
-
رواه البزار وأبو يعلى.
-
ومن حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً:
يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني. وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب. إني آمركم بأمر فتطيعون؟ فيقولون: نعم.
- ج ٢ ص ٢٥٣
فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: ولو دخلوها ما ضرّتهم فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعاً، ثم يأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك فيقول الرب:
قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون، ضميهم. فتأخذهم» .
-
رواه الطبراني وأبو نعيم
[ (١) ] .
-
قال الحافظ رحمه الله تعالى في الإصابة في ترجمة أبي طالب في القسم الرابع من حرف الطاء من الكنى، بعد أن أورد قصة الامتحان: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعاً فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن، وثبت أنه في ضحضاح من النار.
-
وذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى قصة الامتحان أيضاً في والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر أهل الفترة وقال: أن منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب إلا أنه لم يقل إن الظن في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبا.
-
ولا شك أن الظن بهما أن يوفقهما الله تعالى حينئذ للإجابة، لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه تمام في فوائده بسند ضعيف من حديث ابن عمر مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي» الحديث.
-
وروى الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أبويه فقال: «ما سألتهما ربي وإني لقائم يومئذ المقام المحمود»
-
[ (٢) ] . فهذا تلويح بأنه يرجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود، وذلك بأن يشفع لهما ليوفقا للطاعة عند الامتحان. ولا شك في أنه صلى الله عليه وسلم يقال له عند قيامه في ذلك المقام: سل تعط واشفع تشفع، كما في الأحاديث الصحيحة، فإذا سأل ذلك أعطيه.
-
وينضم إلى ذلك ما رواه أبو سعد النيسابوري في «شرف المصطفى» وعمر الملا في سيرته عن عمران بن حصين مرفوعاً: سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي.
-
فأعطاني ذلك» وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال: من رضا محمد صلى الله عليه وسلم إن لا يدخل أحدا من أهل بيته النار.
- ج ٢ ص ٢٥٤
فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً، لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك قوة، كما تقرر في علم الحديث.
-
وروى الطبراني عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي، وإن شفاعتي تنال حاء وحكم»
-
[ (١) ] .
قال في النهاية: حاء وحكم: قبيلتان جافيتان من وراء رمل يبرين. انتهى. ويبرين بمثناة تحتية فباء موحدة فراء فمثناة تحتية فنون ويقال يبرون. قال أبو عبيد البكري: هو رمل معروف في ديار بني سعد بن تميم.
-
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خلفة الآبي [ (٢) ] في شرح مسلم في شرح حديث:
«إن أبي وأباك في النار»
-
[ (٣) ] وأورد قول الإمام النووي فيه أي الحديث: إن من مات كافراً في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين. ثم قال الآبي: انظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي رحمه الله تعالى:
ليس لنا أن نقول ذلك. فقد
قال صلى الله عليه وسلم: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» .
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ولعله يصح ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم أحيا [الله] له أبويه فآمنا به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا. ولا يعجز الله سبحانه وتعالى شيء.
-
ثم أورد قول النووي وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل.
ثم قال: قلت: تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولم يدركوا الثاني، كالأعراب الذي لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلّم. والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين. ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم.
-
ولما دلت القواطع على أنه لا يعذب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين.
-
فإن قلت: صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره. قلت: قد
ج ٢ ص ٢٥٥أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة: الأول أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع.
-
الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء والله أعلم بالسبب.
-
الثالث: قصر التعذيب في هذه الأحاديث على من بدّل وغيّر الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام: الأول من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة [ (١) ] وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبّع وقومه.
-
الثاني: من بدّل وغيّر وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلّل وحرّم وهم الأكثر، كعمرو ابن لحيّ أول من سيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي. وزادت طائفة على ما شرعه أن عبدوا الجن والملائكة وخرقوا البنين والبنات، واتخذوا بيوتاً جعلوا لها سدنة وحجاباً يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة.
-
الثالث: من لا يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع ديناً، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله. وفي الجاهلية من كان كذلك.
-
فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام فيحمل من صحّ تعذيبه على أهل القسم الثاني بكفرهم بما لا يعذرون به. وأما القسم الثالث فهم أهل فترة حقيقةً، وهم غير معذّبين للقطع كما تقدم.
-
وأما القسم الأول فقد قال صلى الله عليه وسلم في كل من قسّ وزيد: إنه يبعث أمة وحده. وأما تبّع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى. ما أورده الآبي رحمه الله تعالى.
-
المسلك الثاني: أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفيّة دين جدهما إبراهيم صلى الله عليه وسلم، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه في الجاهلية. ومال إلى هذا المسلك الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى. وزاد أن آباءه صلى الله عليه وسلّم كلهم إلى آدم كانوا على التوحيد.
-
كما قال في كتابه «أسرار التنزيل» ما نصه: قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه.
-
واحتجوا عليه بوجوه. منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً. ويدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
. قيل معناه: أنه كان ينقل نوره من
ج ٢ ص ٢٥٦ساجد إلى ساجد قال: وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين، وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله: «وتقلبك في الساجدين» على وجوه أخرى، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان.
قال: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم. ما كانوا مشركين
- قوله عليه الصلاة والسلام:
-
«لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»
وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فوجب أن لا يكون أحد من أجداده صلى الله عليه وسلّم مشركاً. انتهى كلام الإمام فخر الدين.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد وجدت له أدلة قوية ما بين عام وخاص. فالعام مركب من مقدمتين: إحداهما: إنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن كل جد من أجداده صلى الله عليه وسلم خير أهل قرنه لحديث البخاري: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه» وتقدمت أحاديث كثيرة في هذا المعنى في باب فضل العرب وفي باب طهارة أصله صلى الله عليه وسلّم.
-
الثانية: أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين فصاعداً يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض. فروى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر في التفسير بسند صحيح على شرط الشيخين عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعداً فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها» .
-
وروى الإمام أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرطهما، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض.
-
وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج ما قاله الإمام. لأنه إن كان كل جد من أجداده صلى الله عليه وسلم من جملة السبعة المذكورين في زمانه فهو المدعى. وإن كان غيرهم لزم أحد أمرين: إما أن يكون غيرهم خيراً منهم، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح، وإما أن يكونوا خيراً منه وهم على الشرك وهو باطل بالإجماع، وفي التنزيل: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا خير أهل الأرض كل في زمانه.
-
وأما الخاص فروى ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام» .
-
وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده والحاكم وصححه، عن ابن عباس
ج ٢ ص ٢٥٧رضي الله تعالى عنهما قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا. وفي التنزيل حكاية عن نوح صلى الله عليه وسلم: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً» وسام بن نوح مؤمن بنص القرآن والإجماع، بل ورد في أثر أنه نبي رواه ابن سعد والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر عن محمد بن السائب، وولده أرفخشذ صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس. رواه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر وفيه أنه أدرك جدّه نوحاً وأنه دعا له أن يجعل الله تعالى الملك والنبوة في ولده. وولد أرفخشذ إلى تارح ورد التصريح بإيمانهم.
-
روى ابن سعد من طريق محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس ما زالوا ببابل وهم على الإسلام من عهد نوح إلى أن ملكهم نمرود فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا.
-
فعرف من مجموع هذه: الآثار أن أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمرود. وفي زمنه كان إبراهيم صلى الله عليه وسلّم. وآزر إن كان والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب وإن كان عمه فلا استثناء. وهذا القول، أعني أن آزر ليس أبا إبراهيم، ورد عن جماعة من السلف. رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، من طرق بعضها صحيح. ورواه ابن المنذر عن ابن جريج بسند صحيح وابن أبي حاتم عن السّدّي بسند صحيح.
-
وقد وجه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقاً شائعاً وإن كان مجازاً. وبسط الشيخ الكلام على ذلك، وتركته لأنه خلاف الظاهر.