تفسير الغريب

١٠٦ فقرة، ج ٢ ص ٢٤٧

الصفحة ٣ من ٣

  1. وقد صحت الأحاديث في البخاري وغيره وتضافرت نصوص العلماء بأن العرب من عهد إبراهيم وهم على دينه ولم يكفر أحد منهم إلى عهد عمرو بن عامر الخزاعي، وهو الذي يقال له عمرو بن لحي، فهو أول من عبد الأصنام وغير دين إبراهيم وحمل العرب على ذلك فتبعته. وكان عمرو بن لحي قريباً من زمن كنانة جد النبي صلى الله عليه وسلّم ولهذا مزيد بيان يأتي قبيل أبواب البعثة.

    ج ٢ ص ٢٥٧
  2. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ما يشهد لإيمان عدنان ومعدّ وربيعة ومضر وخزيمة وأسد وإلياس وكعب بن لؤي. وسيأتي بيان ذلك في تراجمهم.

    ثم قال: فتلخص من مجموع ما سقناه: أن أجداده صلى الله عليه وسلّم من آدم إلى كعب بن لؤي ومن ولده مرّة مصرّح بإيمانهم، إلا آزر فإنه مختلف فيه. فإن كان والد إبراهيم فإنه مستثنى، وإن كان عمه كما هو أحد القولين فيه فهو خارج عن الأجداد وسلمت سلسلة النسب.

  3. وبقي بين مرّة وعبد المطلب أربعة أجداد لم أظفر فيهم بنقل. وعبد المطلب يأتي الكلام عليه في ترجمته إن شاء الله تعالى.

  4. ويرحم الله الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي حيث قال:

    تنقّل أحمدٌ نوراً مبيناً ... تلألأ في وجوه الساجدينا

    تقلّب فيهم قرناً فقرناً ... إلى أن جاء خير المرسلينا

    المسلك الثالث: أن الله تعالى أحياهما له صلى الله عليه وسلم حتى آمنا به. وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من الأئمة وحفاظ الحديث واستندوا إلى حديث ورد بذلك لكن إسناده ضعيف.

    ج ٢ ص ٢٥٨
  5. وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وليس بموضوع، وقد نصّ ابن الصلاح في علوم الحديث وسائر من تبعه على أن ابن الجوزي تسامح في كتابه الموضوعات فأورد فيه أحاديث وحكم بوضعها وليست بموضوعة بل هي ضعيفة فقط، وربما تكون حسنة أو صحيحة.

  6. قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته:

    وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عنى أبا الفرج

    وقد ألف شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر [ (١) ] رحمه الله تعالى كتاباً سماه: «القول المسدّد في الذّب عن مسند أحمد» أورد فيه جملة من الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي في مسند أحمد. ودرأ عنها أحسن الدرء، ووهّم ابن الجوزي في حكمه عليها بالوضع، وبيّن أن منها ما هو ضعيف فقط من غير أن يصل إلى حد الوضع، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وأبلغ من ذلك أن منها حديثاً مخرّجاً في صحيح مسلم. حتى قال شيخ الإسلام: هذه غفلة شديدة من ابن الجوزي حيث حكم على هذا الحديث بالوضع وهو في أحد الصحيحين. انتهى.

  7. وسبقه إلى شيء من هذا التعقب شيخه حافظ عصره زين الدين العراقي، ورأيت في فهرست مصنفات شيخ الإسلام أنه شرع في تأليف تعقبات على ابن الجوزي، ولم أقف على هذا التأليف، وقد تتبّعت أنا منه جملة من الأحاديث ليست بموضوعة، فمنها ما هو في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومستدرك الحاكم وغيرها من الكتب المعتمدة وبيّنت حال كل حديث منها ضعفاً وحسناً وصحة في تأليف حافل، يسمى: «النكت البديعات على الموضوعات» .

  8. وهذا الحديث الذي نحن في ذكره خالف ابن الجوزي فيه كثير من الأئمة والحفاظ فذكروا أنه من قسم الضعيف الذي يجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا من قسم الموضوع، منهم الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، والحافظ أبو القاسم، ابن عساكر والحافظ أبو حفص ابن شاهين، والحافظ أبو القاسم السهيلي، والإمام القرطبي، والحافظ محب الدين الطبري، والعلامة ناصر الدين بن المنير، والحافظ فتح الدين بن سيد الناس، ونقله عن بعض أهل العلم.

    ج ٢ ص ٢٥٩
  9. ومشى عليه الصلاح الصّفدي في نظم له والحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في أبيات له فقال:

    حبا الله النبي مزيد فضلٍ ... على فضلٍ وكان به رؤوفا

    فأحيا أمّه وكذا أباه ... لإيمانٍ به فضلا لطيفا

    فسلّم فالقديم بذا قديرٌ ... وإن كان الحديث به ضعيفا

    وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخط شيخ الإسلام ابن حجر أنه أجاب فيها بهذا، إلا أني لم أقف على ذلك، وإنما وقفت على كلامه الذي قدمته في المسلك الثاني.

  10. وقال السهيلي رحمه الله تعالى في أوائل «الروض الأنف» بعد إيراد حديث أنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما ما نصه: «والله قادر على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه صلى الله عليه وسلّم أهلٌ أن يختصه بما شاء من كرامته» . وقال في موضع آخر من الكتاب في حديث

    أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: «لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك»

  11. ما نصه: «في قوله: جدّ أبيك ولم يقل جدك يعني أباه تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره: أن الله تعالى أحيا أمه وأباه وآمنا به» انتهى.

  12. مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وإنما أورد ابن الجوزي حديثاً آخر من طريق آخر في إحياء أمه فقط وفيه قصة بلفظٍ غير لفظ الحديث الذي أورده السهيلي. فعلم أنه حديث آخر مستقل وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخاً للأحاديث الواردة لما يخالف ذلك، ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه وبينها.

    وقال القرطبي رحمه الله تعالى: فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى آخر مماته، فيكون هذا مما فضّله الله به وأكرمه. قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما به بممتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يحيِ الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلّم قال: وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته صلى الله عليه وسلم وفضيلته؟.

  13. وبسط الشيخ رحمه الله تعالى الكلام على ذلك في «مسالك الحنفا» ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في باب وفاة أمه صلى الله عليه وسلم.

    ج ٢ ص ٢٦٠
  14. خاتمة وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديث مسلم ونحوه على ظاهرها من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا: لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك.

    قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم: وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى الله عليه وسلم:

    «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات»

  15. [ (١) ] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية.

  16. وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية رحمه الله تعالى عن رجل قال: إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار. فأجاب: بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه: أنه في النار.

  17. ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف. قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه «الفجر المنير» : الله أعلم بحال أبويه صلى الله عليه وسلم. وقال الباجيّ [ (٢) ] في شرح الموطّأ: قال بعض العلماء: أنه لا يجوز أن يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم بفعل مباح ولا غيره، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح وليس له المنع منه، ولا يأثم فاعل المباح وإن وصل ذلك إلى أذى غيره. قال:

    ولذلك

    قال النبي صلى الله عليه وسلم إذ أراد علي ابن أبي طالب أن يتزوج ابنة أبي جهل: «إنما فاطمة بضعة مني وإني لا أحرّم ما أحل الله، ولكن لا والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبداً» .

  18. فجعل حكمها في ذلك حكمه أنه لا يجوز أن تؤذى بمباح. واحتج على ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فشرط على المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا. وأطلق الأذى في خاصة النبي صلى الله عليه وسلم من غير شرط. انتهى.

  19. وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة قال: حدثنا نوفل بن الفرات. وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. قال: كان رجل من كتّاب الشام مأموناً عندهم استعمل رجلا على كورة الشام وكان أبوه يزنّ بالمانيّة [ (١) ] فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال: ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة من كور المسلمين كان أبوه يزنّ بالمانيّة؟ قال: أصلح الله أمير المؤمنين وما على من كان أبوه كان أبو النبي صلى الله عليه وسلم مشركاً. فقال عمر آه. ثم سكت ثم رفع رأسه ثم قال: أأقطع لسانه؟ أأقطع يده ورجله؟ أأضرب عنقه؟ ثم قال: لا يلي شيئاً ما بقيت.

    قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتاً أختم بها هذا التأليف فقلت:

    إنّ الذي بعث النبي محمداً ... أنجى به الثقلين مما يجحف

    ولأمه وأبيه حكمٌ شائعٌ ... أبداه أهل العلم فيما صنّفوا

    فجماعةٌ أجروهما مجرى الذي ... لم يأته خبر الدعاة المسعف

    والحكم فيمن لم تجئه دعوة ... أن لا عذاب عليه حكمٌ يؤلف

    فبذاك قال الشافعية كلهم ... والأشعريّة ما بهم متوقّف

    وبسورة الإسراء فيه حجّة ... وبنحو ذا في الذكر آيٌ تعرف

    ولبعض أهل الفقه في تعليله ... معنىً أدقّ من النسيم وألطف

    ونحا الإمام الفخر رازيّ الورى ... منحىً به للسامعين تشنّف

    إذ هم على الفطر الذي ولدوا ولم ... يظهر عناد منهم وتخلّف

    قال الألى ولد النبي المصطفى ... كلٌّ على التوحيد إذ يتحنّف

    من آدم لأبيه عبد الله ما ... فيهم أخو شركٍ ولا مستنكف

    فالمشركون كما بسورة توبةٍ ... نجسٌ وكلّهم بطهرٍ يوصف

    وبسورة الشعراء فيه تقلّبٌ ... في الساجدين فكلّهم متحنّف

    هذا كلام الشيخ فخر الدين في ... أسراره هطلت عليه الذّرّف

    فجزاه ربّ العرش خير جزائه ... وحباه جنّات النّعيم تزخرف

    فلقد تديّن في زمان الجاهل ... يّة فرقةٌ دين الهدى وتحنّفوا

    زيد بن عمرو بن نوفل هكذا الصدّ ... يق ما شركٌ عليه يعكف

    قد فسّر السّبكي بذاك مقالةً ... للأشعريّ وما سواه مزيّف

    ج ٢ ص ٢٦٢إذ لم تزل عين الرضا منه على ال ... صّدّيق وهو بطول عمر أحنف

    عادت عليه صحبة الهادي فما ... في الجاهليّة للضّلالة يقرف

    فلأمّه وأبوه أحرى سيّما ... ورأت من الآيات ما لا يوصف

    وجماعةٌ ذهبوا إلى إحيائه ... أبويه حتى آمنا لا خرّفوا

    وروى ابن شاهين حديثاً مسنداً ... في ذاك لكنّ الحديث مضعّف

    هذي مسالك لو تفرّد بعضها ... لكفى فكيف بها إذا تتألّف

    وبحسب من لا يرتضيها صمته ... أدباً ولكن أين من هو منصف

    صلّى الإله على النبي محمّدٍ ... ما جدّد الدين الحنيف محنّف

    ابن عبد المطلب عبد المطلب: مفتعل من الطلب. يكنى أبا الحارث، وأبا البطحاء، واسمه شيبة الحمد.

    قال السهيلي: وهو الصحيح. وقيل عامر. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: ولا يصح: واختلف لم سمّي شيبة. فقيل: إنه ولد وفي رأسه شيبة وكانت ظاهرة في ذؤابته. وقيل: لأن أباه وصّى أمه بذلك. ولقّب عبد المطلب لأن أباه هاشماً قدم المدينة تاجراً فنزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي النجار. ذكر هذا النسب مصعب. وقال الزهري:

    عمرو بن زيد بن عدي بن النجّار. وقال ابن إسحق رحمه الله تعالى: زيد بن عمرو بن أسد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجّار.

    ج ٢ ص ٢٦١
  20. فلمح ابنته سلمى بنت عمرو فأعجبته فخطبها إلى أبيها فأنكحه إياها وشرط عليه أنها لا تلد ولداً إلا في أهلها. فمضى هاشم ولم يبنِ بها حتى رجع، فبنى بها عند أهلها وسكن معها سنين، ثم ارتحل إلى مكة بها، فلما أثقلت خرج بها فوضعها عند أبيها ومضى إلى الشام فمات بغزة من وجهه ذلك. وولدت عبد المطلب فمكث بالمدينة سبع سنين أو ثمانياً، ثم إن رجلا من أهل تهامة من بني الحارث بن عبد مناف مرّ بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال له الرجل: ممن أنت يا غلام؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فانصرف الرجل حتى قدم مكة فوجد المطلب بن عبد مناف جالساً في الحجر فقال له: قم يا أبا الحارث. فقام إليه فقال: تعلّم أني جئت الآن من يثرب فوجدت غلماناً ينتضلون. وقصّ عليه ما رأى من عبد المطلب. قال: وإذا أظرف غلام رأيته قط ولا يحسن أن يترك مثله. قال المطّلب: أغفلته والله! أما والله لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى آتيه. فأعطاه الحارث ناقته فركبها.

  21. فخرج المطلب بن عبد مناف حتى أتى المدينة عشيّاً ثم خرج براحلته حتى أتى بني عديّ ابن النجار فإذا بغلمان من بين ظهراني المجلس، فلما نظر إلى ابن أخيه قال: هذا ابن هاشم؟ فقال القوم: نعم. وعرف القوم المطّلب. فقالوا: نعم هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة لا تعلم أمه فإنها إن علمت حلنا بينك وبينه. فأناخ راحلته ثم دعاه فقال: يا بن أخي أنا عمّك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك فاركب. فو الله ما كذب أن جلس على عجز الرّحل وجلس المطّلب على الرحل ثم بعث راحلته فانطلق به. فلما علمت أمه أن عمه ذهب به علقت تدعو من حزنها على ابنها وقالت:

    كنّا ولاة حمّه ورمّه [ (١) ] ... حتّى إذا قام على أتمّه

    انتزعوه غيلةً من أمّه ... وغلب الأخوال حقّ عمّه

    وقيل إنه أخذه بإذن أمّه.

    ج ٢ ص ٢٦٣
  22. ولما دخل المطلب مكة دخل ضحوةً مردفه خلفه والناس في أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحّبون به ويقولون: من هذا معك؟ فيقول هذا عبدي ابتعته بيثرب. ثم خرج به حتى جاء الحزورة فابتاع له حلّة، ثم أدخله على امرأته خديجة ابنة سعيد بن سعد بن سهم، فلما كان العشي ألبسه الحلّة ثم أجلسه في مجلس بني عبد مناف وأخبرهم خبره. وجعل بعد ذلك يخرج في تلك الحلّة فيطوف في سكك مكة وكان أحسن الناس وجها فيقولون: هذا عبد المطلب. لقول المطلب: هذا عبدي. فثبت اسمه عبد المطلب. وترك شيبة.

  23. وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرّهم.

  24. حمّة: بحاء مهملة يجوز ضمها وفتحها يعني قليلة. رمّة: براء يجوز فتحها وضمها يعني كثيرة.

  25. وروى البلاذري عن محمد بن السائب وغيره قالوا: كان عبد المطلب من حلماء قريش وحكمائها، وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان في جوار عبد المطلب يهودي يقال له أذينة وكان اليهودي يتسوّق في أسواق تهامة بماله، فغاظ ذلك حرباً فألّب عليه فتيان قريش وقال: هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض في بلادكم بمالٍ جمّ كثير من غير جوار ولا خيل، والله لو قتلتموه وأخذتم ماله ما خفتم تبعة ولا عرض لكم أحدٌ يطلب دمه. فشدّ عليه عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وصخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقتلاه. فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلاً، فلم يزل يبحث

    ج ٢ ص ٢٦٤عن أمره حتى عرف خبره، فأتى حرب بن أمية فأنّبه بصنيعه وطلب دم جاره، فأجار حرب قاتليه ولم يسلمهما وأخفاهما، وطالبه عبد المطلب بهما فتغالظا في القول حتى دعاهما المحك واللجاج إلى المنافرة، فجعلا بينهما النجاشيّ صاحب الحبشة، فأبى أن يدخل بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي جد عمر بن الخطاب، فقال لحرب: يا أبا عمرو تنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأوسم منك وسامة، وأعظم منك هامة، وأقل منك لامة. وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مددا، وإني لأقول قولي هذا، وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصيت في العرب، جلد المريرة، تحبك العشيرة، ولكنك نافرت منفراً. فنفر عبد المطلب، فغضب حرب.

  26. وأغلظ لنفيل وقال: من انتكاس الدهر جعلت حكما. وكانت العرب تتحاكم إليه فقال في ذلك نفيل:

    أولاد شيبة أهل المجد قد علمت ... عليا معدّ إذا ما هزهز الورع

    وشيخهم خير شيخ لست تبلغه ... أنيّ وليس به سخفٌ ولا طمع

    يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعاً ... يسقي الحجيج وماذا يبلغ الهبع

    أبوكما واحد والفرع بينكما ... منه العشاش ومنه الناضر الينع

    فترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة. ولم يفارق حرباً حتى أخذ منه مائة ناقة ودفعها إلى ابن عم اليهودي، وارتجع ماله إلا شيئاً يسيراً كان قد تلف فغرمه من ماله. فقال الأرقم بن نضلة بن هاشم في ذلك:

    وقبلك ما أردى أميّة هاشمً ... فأورده عمروٌ إلى شرّ مورد

    أيا حرب قد حاربت غير مقصّر ... شآك إلى الغايات طلاّع أنجد