ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بذي طوى، ودخوله مكة، وطوافه وسعيه:

١٣١ فقرة، ج ٩ ص ٤٦١

الصفحة ٢ من ٤

  1. قلت وهو قائم في الركابين- كما عند أبي داود- عن العدّاء بن خالد-[ (١) ] رضي الله تعالى عنه-.

    ج ٩ ص ٤٦٨
  2. ونص الخطبة بعد الحمد لله، والثناء عليه، «أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدميّ، وإن أول دمائكم أضع، وفي رواية: وإن أول

    ج ٩ ص ٤٦٩دم أضع من دمائنا دم ربيعة، وفي رواية: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني سعد بن بكر فقتلته هذيل [ (١) ] .

  3. وعند ابن إسحاق، والنسائي، في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن كل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.

  4. أما بعد أيها الناس الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه إن يطمع فيما سوى ذلك فقد رضي بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس إن النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، وفي رواية «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثلاثة متوالية: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» .

  5. «أما بعد أيها الناس: اتقوا الله واستوصوا بالنساء خيرا، فإنّهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهم شيئا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» . وفي رواية «بكتاب الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

  6. فاعقلوا أيها الناس قولي- فإني قد بلغت- وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبدا- إن اعتصمتم به- أمرين، وفي رواية أمرا بينا كتاب الله عز وجل وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلّم-.

  7. أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ لمسلم، وفي رواية: أخو المسلم وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمن أنفسكم واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله عز وجل ومناصحة أولي الأمر، وعلى لزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن تكن الدنيا نيّته يجعل الله فقره بين عينيه ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيّته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته وتأتيه الدنيا وهي راغمة، فرحم الله امرأ سمع مقالتي حتى يبلغه غيره، ورب حامل فقه وليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه،

    ج ٩ ص ٤٧٠أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، فإن جاء بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله، ولا تعذبوهم، أوصيكم بالجار- حتى أكثر- فقلنا إنه سيورثه.

  8. أيها الناس: إن الله قد أدى لكل ذي حق حقه، وإنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادّعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، العارية مؤدّاة، والنحلة مردودة، والدين مقضيّ والزعيم غارم.

  9. أما بعد: فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدينا مخالف هديهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأخر الله هذه وقدم هذه، يعني: قدم المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغيب الشمس، وندفع من المزدلفة حتى تطلع الشمس، وهدينا مخالف لهدي الأوثان والشرك» .

    قلت:

    وفي حديث المسور بن مخرمة- رضي الله تعالى عنه- قال: خطبنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعرفات فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة» ، رواه الطبراني برجال الصحيح [ (١) ] .

  10. «وأنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد» .

  11. ثلاث مرات.

    قلت:

    روى البيهقي، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خطب بعرفات، فلما قال: «لبيك اللهم لبيك، قال إنما الخير خير الآخرة» [ (٢) ] .

    قال أبو محمد: وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن عباس بقدح لبن فشربه أمام الناس ووهّماه في ذلك وقال: «إنما كان ذلك بعد ذلك حين وقف بعرفة كما سيأتي» .

  12. وروى ابن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: كان الرجل الذي يصرخ في الناس (تحت لبة ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-) بقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو بعرفة: ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي قال: يقول له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- (اصرخ. وكان صيتا) قل أيها الناس إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: هل تدرون أي شهر هذا؟ فيقول لهم وفي رواية فيصرخ فيقولون نعم الشهر الحرام، فيقول قل لهم إني وفي رواية: فإن الله قد حرم.

    ج ٩ ص ٤٧١
  13. «فلما أتمها أمر بلالا فأذن ثم أقام الصلاة فصلّى الظهر، ركعتين أسرّ فيهما بالقراءة وكان يوم جمعة، فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة» .

  14. قلت

    في حديث جابر، وجعل بطن ناقته القصواء وهو عليها إلى الصّخرات وجعل جبل المشاة بين يديه.

  15. وأمر الناس أن يرتفعوا عن بطن عرنة- بالنون- ووقف- صلى الله عليه وسلّم- من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس وهو يدعو الله تبارك وتعالى ويبتهل ويتضرع إليه رافعا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين وأخبرهم أن خير الدعاء يوم عرفة.

  16. ومما حفظ من دعائه- صلى الله عليه وسلّم- هناك: «اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، وإليك مآبي، ولك تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما يجيء به الريح، ومن شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر بوائق الدهر.

  17. اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذلّ جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما يا خير المسؤولين. ويا خير المعطين» .

  18. «لا إله إلا أنت وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي صدري نورا وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، ومن شر بوائق الدهر» رواه البيهقي.

  19. أنزل عليه هناك الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة/ ٣] .

    ج ٩ ص ٤٧٢
  20. وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم فمات، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يكفن في ثوبه، ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطى رأسه ولا وجهه وأخبر أنه يبعث يوم القيامة يلبي.

  21. فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصّفرة أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسّكينة، وضم إليه زمام ناقته القصواء حتى إن رأسها ليصيب طرف رجله، وهو يقول: «أيها الناس عليكم السكينة، فإن البرّ ليس بالإيضاع» ، أي ليس بالإسراع، وأفاض من طريق المأزمين وكان دخل مكة من طريق ضبّ» .

    قلت:

    وفي حديث ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أفاض من عرفات وهو يقول:

    «إليك تغدو قلفا وضينها ... مخالفا دين النصارى دينها»

  22. رواه الطبراني وقال: المشهور في الرواية أنه من فعل ابن عمر أي: لا مرفوعا، والله تعالى أعلم [ (١) ] .

  23. ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء، فإذا وجد فجوة- وهو المتسع- نصّ سيره أي رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة من تلك الربى أرخى للناقة- وهي العضباء- زمامها قليلا حتى تصعد، وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية،

    فلما كان في أثناء الطريق مال إلى الشّعب وهو شعب الأذاخر عن يسار الطريق بين المأزمين- نزل- صلى الله عليه وسلّم- فبال وتوضأ خفيفا، فقال أسامة: الصلاة يا رسول الله: فقال: «الصلاة أمامك» ، ثم سار حتى أتى المزدلفة.

    قلت: نزل قريبا من النار التي على قزح فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر بالأذان فأذّن المؤذن، ثم أقام الصلاة فصلى المغرب قبل حطّ الرحال، وتبريك الجمال، فلما حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصل بينهما شيئا ثم نام حتى أصبح ولم يحيي تلك الليلة، وأذن في تلك الليلة، قلت عند السحر لمن استأذنه من أهل الضعف من الذرية والنساء، ومنهن سودة وأم حبيبة أن يتقدموا إلى منى قبل حطمة الناس،

    ج ٩ ص ٤٧٣وذلك طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر.

  24. وأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، ورمى من النساء أسماء بنت أبي بكر، وأم سلمة قبل الفجر. قال في البداية فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الفجر، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهن أثقل حالا، وأبلغ في الستر.

  25. وفي حديث ابن عباس- قدّمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أغيلمة بني عبد المطلب على نساء محمد يلطح أفخاذنا ويقول: «أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [ (١) ] رواه أحمد

    وجئت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ببقيّة نسائه حتى يدفعن معه حين يصبح.

  26. فلما برق الفجر، صلاها في أول الوقت خلافا لمن زعم أنه صلاها قبل الوقت بأذان وإقامة، يوم النحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك،

    ثم ركب القصواء حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فوقف على قزح وقال: «كل المزدلفة موقفنا إلا بطن محسّر» ،

    فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء والتضرّع والتهليل، والتكبير، والذكر، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس.

    قلت:

    وكان أهل الجاهلية لا يدفعون حتى تطلع الشمس على ثبير، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إنّ قريشا خالفت هدي إبراهيم، فدفع طلوع الشمس.

  27. وهنالك سأله عروة بن مضرّس بن الطائي، فقال: يا رسول الله: إني جئت من جبل طيّء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد أتم حجّه وقضى تفثه» [ (٢) ] .

  28. ثم سار بمزدلفة مردفا للفضل بن عباس، وهو يلبي في مسيره، وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش، وفي طريقه ذلك، أمر الفضل بن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسرها من الجبل، تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء، فارموا، وإياكم والغلوّ في الدّين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلّو في الدّين» ،

    وفي طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها- وكان شيخا كبيرا

    ج ٩ ص ٤٧٤لا يستمسك على الراحلة- فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فوضع يده على وجهه فصرفه إلى الشق الآخر لئلا تنظر إليه ولا ينظر إليها.

  29. قلت في حديث جابر وكان الفضل رجلا حسن الشّعر أبيض وسيما، والله تعالى أعلم.

    فقال العباس لويت عنق ابن عمك، فقال: «رأيت شابا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما» .

  30. وسأله آخر هناك عن أمّه، وقال: «إنها عجوز كبيرة، وإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها» ، قال: «أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم. قال «فحج عن أمك»

  31. فلما أتى بطن محسّر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته- صلى الله عليه وسلّم- في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب الفيل ما قص الله علينا. ولذلك سمي الوادي وادي محسّر، لأن الفيل حسر فيه أي أعيا وانقطع عن الذهاب.

  32. ومحسّر برزخ بين منىّ ومزدلفة لا من هذه ولا من هذه، وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منها، فمنى من الحرم، وهي مشعر، ومحسّر من الحرم وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعرنة ليست بمشعر، وهي من الحل وعرفة حل ومشعر.

    قلت: كذا في أكثر الروايات.

  33. وفي حديث أم جندب، عند أبي داود وغيره، أنه كان راكبا يظله الفضل بن العباس وهو غريب مخالف للروايات الصحيحة [ (١) ] .

  34. وسلك الطريق الوسطى بين الطّريقين، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى.

    قلت: قال ابن سعد: ولم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة.

  35. «فأتى جمرة العقبة فوقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذ قطع التلبية وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، وبلال وأسامة معه، أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظله بثوب من الحر» .

    قلت: الذي كان يظله بلال كما في حديث أبي أمامة، عن بعض الصحابة رواه ابن سعد [ (٢) ] .

  36. وفي حديث أم جندب الأزدية أنه الفضل بن العباس، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والبيهقي فإنهما كانا يتناوبان [ (١) ] .

    ج ٩ ص ٤٧٥
  37. قلت

    وروى مسلم وابن سعد والبيهقي عن جابر قال: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي راحلته يوم النحر» ويقول لنا: «خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» [ (٢) ] ، وفي حديث أم جندب: فازدحم الناس فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف» ، ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى ورمى الناس» [ (٣) ] .

  38. وفي حديث حذافة بن عبد الله العلائي أنه رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- رمى جمرة العقبة في بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك [ (٤) ] .

    قلت: «ولم يقف عند جمرة العقبة، ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة» .

  39. وروى الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الناس بمنى وأنزلهم منازلهم، فقال: «لينزل المهاجرون هاهنا» وأشار إلى يمين القبلة، «والأنصار هاهنا» وأشار إلى ميسرة القبلة، «ثم لينزل الناس حولهم» ، وعلمهم مناسكهم، ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم [ (٥) ] .

    قال ابن كثير: ولست أدري أكانت قبل ذهابه إلى البيت، أو بعد رجوعه منه إلى منى؟.

    قلت جزم- صاحب الهدي: «بأنها كانت قبل ذهابه إلى البيت، وكان عمرو بن خارجة تحت جران ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهي تقصع بجرّتها وإن لعابها ليسيل بين كتفيه قال الحافظ: قال بعض الشراح: إنه بلال، والصواب: أنه أبو بكرة-

    فقال- صلى الله عليه وسلم- وهو على ناقته العضباء بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «إلا أن الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، والسنّة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ألا أي، وفي رواية: ألا تدرون، وفي رواية: أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال:

    «أليس هذا يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى

    ج ٩ ص ٤٧٦ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذو الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «فأي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس البلدة؟» قلنا: بلى. قال فإن دماءكم وأموالكم- قال محمد- وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» ، ثم قال: «ألا هل بلغت؟» قلنا: نعم، قال: «اللهم فاشهد» . رواه الإمام أحمد والشيخان [ (١) ] .

  40. وروى الإمام أحمد، والبخاري، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، فقال: «أيها الناس: أيّ يوم هذا؟ قالوا يوم حرام، قال: فأيّ بلد هذا؟ قالوا بلد حرام، قال: فأيّ شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: «فإن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا» . فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه [إلى السماء] فقال: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت؟» [ (٢) ] .