ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بذي طوى، ودخوله مكة، وطوافه وسعيه:
١٣١ فقرة، ج ٩ ص ٤٦١
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٩ ص ٤٧٦
وروى الشيخان نحوه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: «ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا شهرنا هذا، قال: «ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: بلدنا هذا، قال: «ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا:
يومنا هذا، قال: «فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت ثلاثا؟» كل ذلك يجيبونه ألا نعم قال: «ويحكم أو قال: ويلكم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» [ (٣) ] .
-
ثم انصرف إلى النحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده بالحربة وكان ينحرها قائمة معقولة اليسرى وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنين عمره- صلّى الله عليه وسلم-
ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها ولحومها، في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا، وقال: من شاء اقتطع» .
قلت: في حديث ابن جريج عن جعفر بن محمد عن جابر ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها والله تعالى أعلم.
قال ابن جريج: قلت من الذي أكل مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وشرب من المرق؟ قال جعفر:
ج ٩ ص ٤٧٧علي بن أبي طالب أكل مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وشرب من المرق.
-
وقول أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نحر بيده سبع بدن قياما.
-
حمله أبو محمد- رحمه الله تعالى- على أنه- صلى الله عليه وسلم- لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكان، وأمر عليا فنحر ما بقي، أو أنه لم يشاهد إلا نحره- صلى الله عليه وسلّم- سبعا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره- صلى الله عليه وسلّم- للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى وشاهد، وأنه- صلى الله عليه وسلّم- نحر بيده مفردا سبع بدن كما قال أنس ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال عروة بن الحارث الكندي أنه شاهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ أخذ بأعلى الحربة، وأمر عليا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر.
-
وحديث عبد الله بن قرط- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قرب له بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها. تكلم بكلمة خفية لم أفهمها.
فقلت: ما قال؟ قال من شاء اقتطع لا يلزم منه أنه نحر خمسا فقط، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالا، فقرّب منها خمس بدنات رسلا، وكان ذلك الرّسل يبادرن ويتقربن إليه، لكي يبدأ بكل واحدة منهن.
قلت: وضحى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن نسائه بالبقر [ (١) ] .
-
ونحر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمنحره بمنى، وأعلمهم أن منى كلها منحر، وأن فجاج مكة طريق ومنحر
وسئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يبنى له بناء بمنى يظلّه من الحرّ، فقال: لا منى مناخ لمن سبق إليه [ (٢) ] .
-
فلما أكمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه،
فقال للحلاق- وهو معمر بن عبد الله بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف- وحضر المسلمون يطلبون من شعره- وهو قائم على رأسه بالموسى، ونظر في وجهه وقال: «يا معمر أمكنك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من شحمة أذنه وفي يدك الموسى» ، قال معمر، فقلت: أما والله يا رسول الله أن ذلك من نعم الله علي ومنّه.
قال للحلاق: «خذ» ، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه قسم شعره على من يليه، ثم
ج ٩ ص ٤٧٨أشار إلى الحلّاق، فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: «هاهنا أبو طلحة» ، فدفعه إليه.
قال ابن سعد: وحلق رأسه وأخذ من شاربه وعارضيه وقلم أظفاره وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن [ (١) ] .
-
وروى البخاري، عن ابن سيرين، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ شعره، قال: وهذا لا يناقض رواية مسلم: لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره، ويختص بالشق الآخر، لكن
قد روى مسلم- أيضاً- من حديث أنس «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: «احلق» فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس» .
-
ففي هذه الرواية، كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن وفي الأولى أنه كان الأيسر وفي رواية أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أعطاه أم سليم ولا يعارض هذا دفعه لأبي طلحة لأنها امرأته،
وفي لفظ: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال: «ها هنا أبو طلحة» فدفعه إليه،
وفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعر شقّ رأسه الأيسر، ثم أظفاره وقسمها بين الناس.
-
وكلمه خالد بن الوليد في ناصيته حين حلق فدفعها إليه فكان يجعلها في مقدم قلنسوته، فلا يلقى جمعا إلا فضّه.
-
وحلق أكثر أصحابه- صلى الله عليه وسلّم- وقصّر بعضهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «اللهم اغفر للمحلقين» ، ثلاثا كل ذلك يقال: والمقصرين يا رسول الله، فقال: «والمقصرين في الرابعة» .
قلت:
قال ابن سعد: وأصاب الطيب بعد أن حلق، ولبس القميص، وحلّ الناس، وجاءه رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن انحر قال: «انحر ولا حرج» ، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أنحر. قال: «احلق ولا حرج» ، فما سئل عن شيء يومئذ قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج» [ (٢) ] .
-
وبعث عبد الله بن حذافة السهمي، وقيل: كعب بن مالك ينادي في الناس، بمنى: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله» [ (٣) ] .
ج ٩ ص ٤٧٩قلت: ونادى مناديه بمنى أنها أيام أكل وشرب وباءة ذكره ابن سعد [ (١) ] .
-
فانتهى المسلمون عن صيامهم إلا محصورا بالحج أو متمتعا بالعمرة إلى الحج، فإن الرّخصة من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يصوموا أيام منى، والله تعالى أعلم.
-
ثم أفاض- صلى الله عليه وسلم- إلى مكة قبل الظهر راكبا، (وأردف معاوية بن أبي سفيان من منى إلى مكة) ، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، وهو طواف الصدر، ولم يطف غيره، قال: هو الصواب.
-
في حديث عائشة، وابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أخّر طواف يوم النّحر إلى الليل [ (٢) ] ، علقه البخاري، ورواه الأربعة.
قلت: قال ابن كثير: والأشبه أن هذا الطواف كان قبل الزوال، ويحتمل أنه كان بعده.
-
فإن حمل هذا أنّه أخّر ذلك إلى ما بعد الزوال كأنه يقول: إلى العشي صح ذلك، وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا، ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أنه- صلى الله عليه وسلّم- طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم، وأما الطواف بالليل، فهو طواف الوداع، ومن الرواة من يعبّر عنه بطواف الزيارة
ثم أتى زمزم بعد أن قضى طوافه، وهم يسقون، فقال: «لولا أن يغلبكم الناس عليها يا ولد عبد المطلب لنزلت، فسقيت معكم» [ (٣) ] .
-
ويقال: إنه نزع دلوا لنفسه، ثم ناوله الدلو، قلت: ثم مجّ فيها فأفرغ على سقايتهم في زمزم.
-
وفي حديث ابن عباس عند البخاري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشراب من عندها، فقال:
اسقني، فقالت: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني (مما يشرب الناس) » ، فشرب منه، ثم أتى زمزم [ (٤) ] ،
والله تعالى أعلم.
قال: فشرب وهو قائم.
قال: والأظهر أن ذلك كان للحاجة، وهل كان في طوافه هذا راكبا؟ أو ماشيا؟. وقد تقدم ما رواه مسلم وغيره، عن جابر، قال: طاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه.
- ج ٩ ص ٤٨٠
وروى الشيخان، عن ابن عباس قال: طاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه.
قال ابن القيم: وهذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلا، وليس بطواف القدوم، لوجهين:
أحدهما: أنه قد صح عنه. أن الرّمل في طواف القدوم. ولم يقل أحد قط رملت به راحلته وإنما قالوا رمل نفسه.
-
والثاني قول عمرو بن الشريد: أفضت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا، وهذا ظاهره، انه من حين أفاض معه، ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع، ولا ينقض هذا بركعتي الطواف، فإن شأنهما معلوم، قال: والظاهر أن عمرو بن الشريد إنما أراد الإفاضة معه من عرفة، ولهذا قال: حتى أتى جمعا وهي مزدلفة، ولم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر، ولا ينقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال ثم ركب، لأنه ليس بنزول مستقر، وإنما مست قدماه الأرض مسّا عارضا.
-
ثم رجع- صلى الله عليه وسلم- إلى منى.
-
واختلف: أين صلى الظهر يومئذ؟ ففي الصحيحين عن ابن عمر: أنه- صلى الله عليه وسلّم- أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وفي مسلم عن جابر أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر بمكة، وكذلك قالت عائشة واختلف في ترجيح أحد القولين على الآخر.
-
ورجح أبو محمد بن حزم وغيره الثاني، ورجح ابن القيم الأول.
وقال ابن كثير: فإن علمنا بها أمكن أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلى بأصحابه بمنى أيضا.
-
وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها وقال في موضع آخر: يحتمل أنه رجع إلى منى، في آخر وقت الظهر، فصلى وطافت صفية ذلك اليوم. ثم حاضت، قال: فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ولم تودع.
-
وكان رمي الجمار حين تزول الشمس قبل الصلاة، وكان إذا رمى الجمرتين علاهما ورمى جمرة العقبة من بطن الوادي.
-
وكان يقف عند الجمرة الأولى أكثر مما يقف عند الثانية، ولا يقف عند الثالثة، وإذا رماها انصرف، وكان إذا رمى الجمرتين وقف عندهما، ورفع يديه لا يقول ذلك في رمي العقبة فإذا رماها انصرف.
- ج ٩ ص ٤٨١
ونهى أن يبيت أحد بليالي منى، ورخص للرعاة أن يبيتوا عند منى، من جاء منهم فرمى بالليل أرخص له في ذلك وقال: ارموا بمثل حصى الخذف [ (١) ] .
-
كان أزواجه يرمين مع الليل، ثم رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح انتظر زوال الشمس،
فلما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب، فبدأ بالجمرة الأولى، التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، يقول مع كل حصاة: «الله أكبر»
-
ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة، ثم أتى- صلى الله عليه وسلّم- إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار، مما يلي الوداع فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك، ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلها عن يمينه، واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء.
-
فلما أكمل الرمي من فوره ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل: وهو الأصح أن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وذكر ما يتعلق بالدعاء بعد الصلاة، وقد تقدم بما فيه.
قال: والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة، ثم يرجع فيصلي، لأن جابرا وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه وأيضا فإن وقت الزوال للرمي أيام منى، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر.
-
وروى الترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يرمي الجمار إذا زالت الشمس زاد ابن ماجة. قدر ما إذا فرغ من رميه- صلى الله عليه وسلّم- صلى الظهر [ (٢) ] .
-
وذكر الإمام أحمد: أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يرمي يوم النحر راكبا، وأيام منى ماشيا، في ذهابه ورجوعه.
قال ابن القيم: وقد تضمّنت حجّته- صلى الله عليه وسلّم- ست وقفات للدعاء في الموقف: الأول:
ج ٩ ص ٤٨٢على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث: بعرفة، والرابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسادس: عند الجمرة الثانية.
-
وخطب- صلى الله عليه وسلّم- الناس بمنى خطبة عظيمة.
قلت: قال ابن سعد: على راحلته القصواء.
-
قال عمرو بن خارجة وهي تقصع بجرتها، وإن لعابها ليسيل بين كتفيّ في وسط أيام التشريق. فقيل: هو ثاني يوم النحر، وهو أوسطها- أي خيارها- لما سيأتي. وهو الحادي عشر من ذي الحجة، وهو يوم الرؤوس سمي بذلك لأنهم كانوا يذبحون يوم النحر ثم يطبخون الرؤوس تلك الليلة فيبكّرون على أكلها، وكان عم أبي حرّة الرقاشي آخذ بزمام ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يذود عنه الناس.
-
وسببها أنه- صلى الله عليه وسلّم- أنزلت عليه سورة النصر في هذا اليوم، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له، فوقف للناس بالعقبة، فاجتمع إليه الناس،
وفي رواية: ما شاء الله من المسلمين، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلّا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلّغت؟» قالوا: بلّغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلّغ أوعى من سامع» ، ثم قال: «أي شهر هذا؟» فسكتوا فقال: هذا شهر حرام، «أي بلد هذا؟» فسكتوا فقال:
بلد حرام،: «أي يوم هذا؟» فسكتوا قال: يوم حرام، ثم قال: «إن الله تعالى قد حرّم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، ثم قال: إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم» ، ألا هل بلغت؟ قال: الناس نعم، قال: «اللهم اشهد، ألا وإن من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع وان كل دم في الجاهلية موضوع وأن أول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد بن ليث فقتلته هذيل» ، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم قال: «اللهم فاشهد فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم. ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا. ألا لا تظلموا إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» .
-
فقال عمرو بن يثربي يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فاحترزتها، فقال: إن لقيتها تحمل شفرة وأزنادا بخبت الجميش فلا تهجها.
ثم قال أيها الناس: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً
ج ٩ ص ٤٨٣وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة/ ٣٧] ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» ، ثم قرأ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة/ ٣٦] ثلاث متواليات: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان، والشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت؟
قال الناس: نعم فقال: اللهم اشهد» .
ثم قال: «أيها الناس. إن للنساء عليكم حقا، وإن لكم عليهن حقا، فعليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله تعالى قد أذن لكم أن تهجروهن بالمضاجع، وأن تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلّغت؟ قال الناس: نعم، قال: اللهم اشهد.
ثم قال: أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به، إن المسلم أخو المسلم، إنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا بطيب نفس منه، إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، لا تظلموا أنفسكم، لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله تعالى، ألا هل بلّغت؟ قال الناس: نعم قال: اللهم اشهد.
-
ثم انصرف إلى منزله وصلى الظهر والعصر يوم النّفر بالأبطح، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- إنما نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالمحصب، لأنه كان أسمح لخروجه.
-
واستأذنه العباس عمه في المبيت بمكة ليالي منّى من أجل سقايته، فأذن له، واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى، فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر قال ابن عيينة في هذا الحديث. رخص للرعاء أن يرموا يوما، ويتركوا يوما.
-
ولم يتعجل- صلى الله عليه وسلّم- في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، وأفاض- صلى الله عليه وسلّم- يوم الثلاثاء بعد الظهر، إلى المحصّب وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة فوجد، أبا رافع قد ضرب فيه قباء هنالك، وكان على ثقله توفيقا من الله تعالى دون أن يأمره به رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة
ج ٩ ص ٤٨٤فطاف للوداع ليلا سحرا، ولم يرمل في هذا الطواف.
-
ثم خرج إلى أسفل مكة قلت: من المسجد من باب الحرورية وهو باب الخيّاطين. رواه الطبراني، عن ابن عمر.