الثاني: في مخاطبته صلى الله عليه وسلم للناس.
٢٠ فقرة، ج ١٠ ص ٣٨٢
- ج ١٠ ص ٣٨٢
وروى أبو داود وأبو الشيخ عن ابن مسعود- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «لا يبلّغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليهم، وأنا سليم الصّدر» . ورواه التّرمذيّ وزاد «قال عبد اللَّه: فأتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بمال فقسّمه النبي صلى اللَّه عليه وسلم فانتهيت إلى رجلين جالسين وهما يقولان: ما أراد محمد بالقسمة التي قسمها، وجه اللَّه تعالى، ولا الدّار الآخرة فتثبّت حين سمعتها فأتيته فأخبرته فقال: «دعني عنك فقد أوذى موسى بأكثر من ذلك فصبر» .
-
وروى البيهقي عن علي- رضي اللَّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أجود الناس كفا وأصدقهم لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبّه يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى اللَّه عليه وسلم.
-
وروى الترمذي عنه قال: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب ولا مشاحّ، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث:
المراء، والإكثار، وما لا يعنيه.
- ج ١٠ ص ٣٨٣
وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا ولا يعيره ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه، وكأنما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب مما يتعجّبون منه.
-
ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول: «إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز فيه فيقطعه بنهي أو قيام» ويؤلّفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذّر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّن الحسن ويقويه، ويقبّح القبيح ويوهيه معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة لا يقوم من مجلسه إلّا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ولا يوطّن المواطن وينهى عن إيطانها، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته متعادلين، يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب» .
-
وروى الإمام أحمد وابن سعد عن جابر بن سمرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصّمت، وكان أصحابه يتناشدون الأشعار في المسجد وأشياء من أمور الجاهلية فيضحكون ويتبسم.
-
وروى ابن سعد والترمذي في الشمائل عن زيد بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكرنا الدّنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.
-
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال من قريش، فذكروا النّساء فتحدثوا فيهن، فتحدث معهم حتى أحببت أن يسكت.
-
وروى الخرائطي عن أبي حازم وحفص بن عبد الله بن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة، فإذا رآهم قد كسلوا عرف ذلك فيهم
ج ١٠ ص ٣٨٤حدّثهم في بعض أحاديث الدّنيا، حتى إذا نشطوا أقبل يحدثهم في حديث الآخرة.
-
شرح غريب ما سبق.
-
البشر: بكسر الباء الموحدة طلاقة الوجه وبشاشته.
-
الصخاب: من الصخب وهو الضجة، واختلاط الأصوات للخصام.
-
الفحاش والعياب: فعال من الفحش في القول وعيب الناس والوقيعة فيهم.
-
تؤبن: بضم المثناة الفوقية وبهمزة ساكنة وموحدة ونون أي لا يقذف، ولا يرمي بعيب.
-
الحرم: جمع حرمة وهي المرأة.
-
لا تنثى فلتاته: بضم المثناة الفوقية ونون فمثلثة أي لا يتحدث بهفوة أو نزلة كانت في مجلسه من بعض القوم، يقال: نثوت الحديث أنثوه نثوا إذا ادعيته والفلتات جمع فلتة، وهو ها هنا السقطة والزلة.
-
وقوله: كأنما على رؤسهم الطير يريد أنهم يسكنون ولا يتحركون ويغضّون أبصارهم، والطير لا تسقط إلا على ساكن.
-
وقوله: «لا يقبل الثناء إلا من مكافئ» إلى آخره يريد أنه إذا ابتدأ بثناء ومدح عرف ذلك إذا اصطنع معروفا فاثنى عليه مثن، وشكر له قبل ثناء وأنكر ابن الأعرابي هذا التأويل، وقال:
المعنى لا يقبل الثناء عليه ممن يعرف حقيقة إسلامه، ويكون من المنافقين الذين يقولون بأفواههم، ما ليس في قلوبهم.
وقال الأزهري: معناه لا يقبل إلا من مقارب غير مجاوز حد مثله، ولا يقتصر عما دفعه الله تعالى إليه.
-
والمكافأة: المجاوزة على الشيء.
-
وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، كيف أصبحت؟ قال: «بخير من رجل لم يصبح صائما، ولم يعد سقيما» .