الباب الثالث في عصمته - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة وبعدها كغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
٥ فقرات، ج ١٢ ص ٤٥٤
- ج ١٢ ص ٤٥٤
قال القاضي- رحمه الله تعالى-: الصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله تعالى وصفاته والتشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة كما نبهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول.
قلت: وقد أوردت في باب [....] ما فيه كفاية.
-
ولم ينقل عن أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبّئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك، ومستند هذا الباب النقل، وقد استدلّ بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله.
قال القاضي: وأنا أقول: قد رمت قريش نبينا- صلى الله عليه وسلّم- بكل ما افترته وعيّر
ج ١٢ ص ٤٥٥كفّار الأمم وأنبيائها بكل ما أمكنها، واختلقته مما نصّ الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمّه بترك ما كان قد جامعهم عليه.
-
ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، وبتلوّنه في معبوده محتجبين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه، إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه، كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة، وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة ١٤٢] كما حكاه الله تعالى عنهم، وقد استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب ٧] وبقوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ إلى قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران ٨١] قال: فطهّره الله تعالى في الميثاق وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم أخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب هذا ما لا يجوّزه إلا ملحد.
-
هذا معنى كلامه.
-
وكيف يكون ذلك وقد أتاه جبرائيل- عليه السلام- وشق قلبه صغيرا واستخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا [كما تظاهر أخبار المبدأ] وكيف يكون نبيا وآدم بين الروح والجسد، ثم يجوز عليه شيء من النقائص التي نزه الله تعالى عنها أنبياءه، وهذا ما لا يقوله إلا جاهل أو معاند.