الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - الصغائر
١٢٥ فقرة، ج ١٢ ص ٤٧٠
الصفحة ٣ من ٤
- ج ١٢ ص ٤٧٦
وقيل: خطبها على خطبته.
-
وقيل: بل أحبّ بقلبه أن يستشهد.
- ج ١٢ ص ٤٧٧
وحكى السمرقندي أنّ ذنبه الذي استغفر منه قوله لأحد الخصمين: لَقَدْ ظَلَمَكَ، فظلّمه بقول خصمه.
-
وقيل: بل لما خشي على نفسه، وظنّ من الفتنة بما بسط له من الملك والدّنيا. وإلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود من ذلك- ذهب أحمد بن نصر، وأبو تمام، وغيرهما من المحققين.
وقال الدّاوديّ: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظنّ بنبيّ محبّة قتل مسلم.
-
وقيل: إنّ الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نعاج غنم، على ظاهر الآية.
-
وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها تعقّب، وأمّا إخوته فلم تثبت نبوّتهم فيلزم الكلام على أفعالهم. وذكر الأسباط وعدّهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحا في كونهم من أهل الأنبياء.
قال المفسرون: يريد من نبّئ من أبناء الأسباط.
-
وقد قيل: إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان، ولهذا لم يميّزوا يوسف حين اجتمعوا به، ولهذا قالوا: أرسله معنا غدا نرتع ونلعب، وإن ثبتت لهم نبوّة فبعد هذا، والله أعلم.
-
وأما قول الله تعالى فيه: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف ٢٤] فعلى طريق كثير من الفقهاء والمحدّثين أنّ همّ النّفس لا يؤاخذ به، وليس سيئة، لقوله- صلى الله عليه وسلم- عن ربّه: «إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة» ، فلا معصية في همّه إذا.
-
وأما على مذهب المحقّقين من الفقهاء والمتكلّمين فإنّ الهمّ إذا وطّنت عليه النفس سيئة. وأما ما لم توطّن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه.
-
وهذا هو الحقّ، فيكون- إن شاء الله- همّ يوسف من هذا، ويكون قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف ٥٣] .
-
أي ما أبرّئها من هذا الهمّ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكّي قبل وبرّئ، فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة- أنّ يوسف لم يهمّ، وأن الكلام فيه تقديم وتأخير، أي: ولقد همّت به، ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها، وقد قال الله تعالى- عن المرأة وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [يوسف ٣٢] . وقال تعالى:
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ [يوسف ٢٤] . وقال تعالى: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف ٢٣] الآية.
- ج ١٢ ص ٤٧٨
قيل في «ربي» : الله تعالى. وقيل: الملك.
-
وقيل: همّ بها، أي بزجرها ووعظها.
-
وقيل: همّ بها، أي غمّها امتناعه عنها.
-
وقيل: همّ بها: نظر إليها.
-
وقيل: همّ بضربها ودفعها.
-
وقيل: هذا كلّه كان قبل نبوّته.
-
وقد ذكر بعضهم: ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبّأه الله، فألقى عليه هيبة النبوّة، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه.
-
وأمّا خبر موسى صلى الله عليه وسلم مع قتيله الذي وكزه فقد نصّ الله تعالى أنه من عدوّه، قال: كان من القبط الذين على دين فرعون.
-
ودليل السورة في هذا كلّه أنّه قبل نبوّة موسى.
وقال قتادة: وكزه بالعصا، ولم يتعمّد قتله، فعلى هذا لا معصية في ذلك.
-
وقوله: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص ١٥] . وقوله: ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص ١٦] - قال ابن جريج: قال ذلك من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر.
وقال النقّاش: لم يقتله عن عمد مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد بها رفع ظلمه، قال:
وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة، وهو مقتضى التّلاوة.
-
وقوله تعالى- في قصّته: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [طه ٤٠] ، أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء. قيل في هذه القصة وما جرى له مع فرعون. وقيل: إلقاؤه في التابوت واليمّ، وغير ذلك.
-
وقل: معناه أخلصناك إخلاصا، قاله ابن جبير ومجاهد، من قولهم: فتنت الفضّة في النار إذا خلّصتها. وأصل الفتنة معنى الاختبار، وإظهار ما بطن، إلا أنه استعمل في عرف الشرع في اختبار أدّى إلى ما يكره.
-
وكذلك ما روي في الخبر الصحيح، من أن ملك الموت جاءه فلطم عينه ففقأها ...
-
الحديث ...
-
ليس فيه ما يحكم به على موسى بالتعدّي وفعل ما لا يجب له، إذ هو ظاهر الأمر، بيّن
ج ١٢ ص ٤٧٩الوجه، جائز الفعل، لأنّ موسى دافع عن نفسه من أتاه لإتلافها، وقد تصوّر له في صورة آدميّ، ولا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك الموت، فدافعه عن نفسه مدافعة أدّت إلى ذهاب عين تلك الصورة التي تصوّر له فيها الملك امتحانا من الله له، فلما جاءه بعد، وأعلمه الله تعالى أنه رسوله إليه استسلم.
-
وللمتقدمين والمتأخّرين على هذا الحديث أجوبة هذا أشدّها عندي، وهو تأويل شيخنا الإمام أبي عبد الله المازري.
-
وقد تأوّله قديما ابن عائشة وغيره على صكّه ولطمه بالحجّة، وفقء عين حجّته، وهو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة معروف.
-
وأمّا قصة سليمان وما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ [ص ٣٤] ، فمعناه ابتلينا، وابتلاؤه:
ما حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلّهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل. فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله.
قال أصحاب المعاني: والشقّ هو الجسد الذي ألقي على كرسيّه حين عرض عليه، وهي عقوبته ومحنته.
-
وقيل: بل مات فألقي على كرسيّه ميّتا.
-
وقيل: ذنبه حرصه على ذلك وتمنّيه.
-
وقيل: لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص، وغلب عليه من التّمنّي.
-
وقيل: عقوبته أن سلب ملكه، وذنبه أن أحبّ بقلبه أن يكون الحقّ لأختانه على خصمهم.
-
وقيل: أوخذ بذنب قارفه بعض نسائه. ولا يصحّ ما نقله الأخباريّون من تشبّه الشيطان به، وتسلّطه على ملكه، وتصرّفه في أمته بالجور في حكمه، لأنّ الشياطين لا يسلّطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله.
-
وإن سئل: لم يقل سليمان في القصة المذكورة: إن شاء الله؟ - فعنه أجوبة: أحدها- ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي أن يقولها، وذلك لينفذ مراد الله تعالى.
- ج ١٢ ص ٤٨٠
والثاني- أنه لم يسمع صاحبه وشغل عنه.
-
وقوله: هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص ٣٥] . لم يفعل هذا سليمان غيرة على الدنيا ولا نفاسة بها، ولكن مقصده في ذلك- على ما ذكره المفسرون- ألا يسلّط عليه أحد كما سلّط عليه الشيطان الذي سلبه إياه مدّة امتحانه على قول من قال ذلك.
-
وقيل: بل أراد أن يكون له من الله فضيلة وخاصة يختصّ بها كاختصاص غيره من أنبياء الله ورسله بخواصّ منه.
-
وقيل: ليكون ذلك دليلا وحجّة على نبوّته، كإلانة الحديد لأبيه، وإحياء الموتى لعيسى، واختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالشفاعة، ونحو هذا.
-
وأما قصة نوح عليه السلام فظاهرة العذر، وإنه أخذ فيها بالتأويل وظاهر اللّفظ، لقوله تعالى: وَأَهْلَكَ، فطلب مقتضى هذا اللفظ، وأراد علم ما طوي عليه من ذلك، لا أنه شكّ في وعد الله تعالى، فبيّن الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو غير صالح، وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا، ونهاه عن مخاطبته فيهم، فووخذ بهذا التأويل، وعتب عليه، وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في السؤال فيه، وكان نوح- فيما حكاه النقاش- لا يعلم بكفر ابنه.