تنبيهات
١١٠ فقرة، ج ١٣ ص ١٠٦
الصفحة ١ من ٣
- الأوّل: الأمراض نوعان:
-
أمراض مادّيّة: تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتّى أخّرت أفعاله الطبيعيّة، وهي الأمراض الأكثرية، وسببها: إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأوّل، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النّفع البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التّراكيب المتنوّعة، وإملاء الآدمي بطنه من هذه الأغذية، واعتياده ذلك، أورثته أمراضا متنوّعة، فإذا توسّط في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلا في كميته وكيفيّته، كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.
-
ومراتب الغذاء ثلاث:
ج ١٣ ص ١٠٧أحدها: مرتبة الحاجة.
-
والثانية: مرتبة الكفاية.
-
والثالثة: مرتبة الفضلة، فأخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط قوّته، ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطن، ويدع الثّلث الآخر للماء، والثّلث للنّفس، وهذا أنفع ما للبدن والقلب، فإنّ البطن إذا امتلأ من الطّعام، ضاق عن الشّراب، فإذا ورد عليه الشّراب، ضاق عن النّفس، وعرض عليه الكرب والتّعب بحمله، بمنزلة حامل الحمل الثّقيل، والشبع المفرط يضعف القوى والبدن، وإنما يقوى البدن بحسب ما يقل من الغذاء لا بحسب كثرته، ومن تأمّل هديه- صلى الله عليه وسلم- وجده أفضل هدي لحفظ الصحة، فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنّوم واليقظة والحركة والسّكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس.
-
الثاني: كان- عليه الصلاة والسلام- إذا عاف طعاما لم يأكله، ولم يكره نفسه عليه، وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة، وكان يحبّ اللّحم، ويحبّ من الذّراع، لأنّه أخفّ على المعدة، وأسرع انهضاما، وكذلك لحم الرقبة والعضد، وكان يحب الطواء والعسل، وهذه الثلاثة من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن، والكبد والأعضاء وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوّة، ولا ينفر منها إلا من به علّة أو آفة، وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها، وهذا أيضاً من أكبر أسباب حفظ الصحة، فإن الله- تعالى- بحكمته جعل في كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم ويغني عن كثير من الأدوية إذا لم يسرف في تناولها ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناول الغذاء بعد التّخلّي منها فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا، وقلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم إلا وهو أسقم النّاس وأبعدهم من الصّحّة والقوّة.
-
ولم يأكل طعاما في وقت شدّة حرارته، ولا طبيخا بايتا يسخّن له بالغد، ولا جمع قطّ بين غذاءين، وكان يأكل متورّكا على ركبتين، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى، وهذه الهيئات أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأن الأعضاء كلّها تكون على وضعها الطبيعيّ وأردأ الجلسات للأكل الاتّكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطّعام على هيئته، ويعوقه عن سرعة تعوّده إلى المعدة، ولذا
قال- عليه الصلاة والسلام-: «لا آكل متّكئا» رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة،
فإنه يمنع مجرى الطعام ويعوقه على سرعة نفوذه إلى المعدة وقد نهى عن الأكل منبطحا عن ابن عمر والحاكم عن علي.
- ج ١٣ ص ١٠٨
الثالث: قال ابن القيم: وأما هديه- عليه الصلاة والسلام- في الشّراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصّحّة، فإنّ الماء إذا جمع وصفّي مع الحلاوة والبرودة كان من أنفع شيء للبدن، ومن أكبر أسباب الصّحّة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوبته الأصليّة، ويرد عليه بدل ما تحلّل منها، ويرقّق الغذاء وينفذه في العروق وإذا كان باردا أو خالطه ما يحليه كالعسل أو الزّبيب أو التّمر أو السّكّر كان من أنفع ما يدخل البدن ويحفظ عليه صحّته، والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضدّ هذه الأشياء، والبائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه، فإنّ الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والذي يشرب لوقته بمنزلة الفطير.
-
وكان من هديه- عليه الصلاة والسلام- الشّرب قاعدا، لأنّ في الشّرب قائما آفات عديدة، [منها أنه لا يحصل به الرّيّ التّامّ، ولا يستقرّ في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء] [ (١) ] فينزل بسرعة واحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكلّ هذا يضرّ بالشارب، وأمّا الشّرب منبطحا فالأطبّاء تكاد تحرّمه ويقولون لأنه يضرّ بالمعدة.
-
وكان من هديه- صلى الله عليه وسلم- أنه يشرب في ثلاثة أنفاس، وفي هذا الشرب حكم جمّة وفوائد مهمّة، وقد نبّه- عليه الصلاة والسلام- على مجامعها
لقوله إنّه أروى وأمرأ وأبرأ.
-
وكان- عليه الصلاة والسلام- يشرب نقيع التّمر يلطف به كيموسات الأغذية الشديدة، وله نفع عظيم في زيادة القوّة وحفظه الصّحّة.
-
وكان يشرب اللّبن خالصا تارة ومشوبا بالماء أخرى وله نفع عظيم في حفظ الصحة، وترطيب البدن، وريّ الكبد، ولا سيّما اللبن الذي يرعى دوابه والقيصوم والخزامى وما أشبهها فإن لبنها غذاء من الأغذية، وشراب مع الأشربة، ودواء مع الأدوية.
-
وكان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات ويسخنها، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أنفع للمعدة من كلّ حلو دخلها وإنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصفراء لحدّته ودفع مضرته بالخلّ، قوله «فإنّه أروى» : أشدّ ريا فأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء وهو الشّفاء أن يبرأ من شدّة العطش ودائه لتردّده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدّفعة الثّانية ما
ج ١٣ ص ١٠٩عجزت الأولى عن تسكينه، والثّالثة ما عجزت عنه الثّانية، وأيضا، فإنّه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد، وهلة واحدة، فيطفئ الحرارة الغريزيّة، ويؤدّي إلى فساد مزاج المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة.
-
وقوله: «وأمرأ» : بميم بعد الهمزة، أي: ألذّ وأنفع، وقيل: أسرع انحدارا عن المريء لسهولته وخفّته عليه.
-
ومن آفات الشّرب دفعة واحدة أنّه يخاف منه الشّرق، لأنّ الشارب إذا شرب تصاعد البخار الدّخانيّ الحارّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فإذا أدام الشّرب اتّفق نزول الماء وصعود البخار، فيتدافعان ويتعالجان ومن ذلك يحدث الشرق ولا يهنأ الشارب ولا يتم ريه وقد علم بالتجربة أن ورود الماء على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها، ولذا
قال- صلى الله عليه وسلم-: «أصل الكباد من العبّ» .
قال في المنهج السّويّ: الكباد بضم الكاف وتخفيف الباء. وجع الكبد.
-
الرابع: في كثرة أمراضه.
-
روى ابن السّنيّ وأبو نعيم عن هشام عن عروة عن أبيه قال: «قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، وفي لفظ: يا خالة، إني لأفكر في أمرك وأتعجّب، إني وجدتك عالمة بالطب، فمن أين؟ قالت: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما طعن في السّنّ كثرت أسقامه، فوفدت إليه وفود العرب والعجم فتنعت له فكنّا نعالجه» [ (١) ] .
-
وروى ابن سعد عنها قالت: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلا سقّاما، وكانت العرب تنعت له فيتداوى بما تنعت له العرب فيتداوى» .
-
وروى البيهقي وأبو داود عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات» ومسح عنه بيده.
-
وروى مسلم عنها قالت: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا اشتكى رقاه جبريل، بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شرّ حاسد إذا حسد، وشرّ كلّ عين» [ (٢) ] .
-
وروى الخطيب عن أنس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا اشتكى تقمّح كفا من شونيز وشرب عليه ماء وعسلا [ (٣) ] .
-
وروى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا
ج ١٣ ص ١١٠مرض أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوّذات
وروى الترمذي عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشيّة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشيّة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف فيه.
-
وروى أبو داود والحاكم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرّات: أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم، أن يشفيك.
-
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخلتم على المريض فوسّعوا له في الأجل، فإن ذلك لا يردّ شيئا وهو يطيّب نفس المريض» .
-
وروى الحاكم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا عاد أحدكم مريضا فليقل: اللهم، اشف عبدك ينكأ لك عدوّا أو يمشي لك إلى الصلاة» .
-
وروى أبو يعلى عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعود مرضانا ويشهد جنائزنا.
-
وروى الحميدي برجال ثقات عن عبد الرحمن بن أزهر- رضي الله تعالى عنه- قال:
«جرح خالد بن الوليد في يوم حنين، فمر بي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا غلام، وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد، فخرجت وأنا أسعى بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا أقول:
من يدل على رحل خالد، حتى أتاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو مستند إلى رحل، قد أصابته جراحة، فجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنده، ودعا له أو نفث عليه [ (١) ] .
-
وروى البخاري في الأدب وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا عاد مريضا جلس عند رأسه ثم قال سبع مرات:
«أسأل الله العظيم، ربّ العرش العظيم أن يشفيك، فإن كان في أجله تأخير عوفي من وجعه
[ (٢) ] .
-
الخامس: في إرشاده- صلى الله عليه وسلم- إلي ما يفعله العائذ وما له من الفضل.
-
روى ابن حبان والطبراني في الكبير وابن السني في عمل يوم وليلة والحاكم عنه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «ضع يدك على المكان الذي تشتكي منه فامسح بها سبع مرّات،
ج ١٣ ص ١١١وقل: أعوذ بعزّة الله وقدرته من شرّ كلّ ما أجد في كل مسحة»
-
[ (١) ] .
-
وروى ابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرج في عنقي خرّاج فتخوّفت منه، فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ضعي يدك عليه ثم قولي ثلاث مرّات: بسم الله، اللهم، أذهب عنّي شرّ ما أجد بدعوة نبيّك الطبيب المبارك، والمكين عندك، بسم الله» .
-
وروى الطبراني في الكبير وابن السّنّيّ في عمل يوم وليلة عن ميمونة بنت أبي عسيب- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه وقولي: بسم الله، داوني بدوائك، واشفني بشفائك، واغنني بفضلك عمن سواك، وأحدر عني أذاك» .
-
وروى البيهقي في الشّعب عن واثلة: أنّ رجلا اشتكى إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وجعا في حلقه، فقال: «عليك بقراءة القرآن»
-
[ (٢) ] .
-
وروى أبو داود عن أبي الدرداء- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من اشتكى منكم شيئا، أو اشتكى أخ له، فليقل: ربّنا الله الذي في السماء [تقدّس اسمك أمرك في السّماء والأرض كما رحمتك في السّماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطّيّبين] [ (٣) ] ، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ»
-
[ (٤) ] .
-
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخلتم على المريض، فنفّسوا له في أجله، فإن ذلك لا يردّ شيئا، وهو يطيّب نفس المريض»
-
[ (٥) ] .
-
وروى الحاكم عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا عاد أحدكم مريضا، فليقل: اللهم، اشف عبدك ينكأ لك عدوّا، أو يمشي لك إلى الصلاة»