[معرفته صلى الله عليه وسلم بلهجات العرب]
١٨ فقرة، ج ٣ ص ١٠٠
- ج ٣ ص ١٠٠
وليس كلامه صلى اللَّه عليه وسلم مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع غيرهم، فانظر دعاؤه صلى اللَّه عليه وسلم لبني نهد وقد وفدوا عليه صلى اللَّه عليه وسلم في جملة الوفود
فقام طهفة بن رهم النهدي يشكو الجدب فقال: أتيناك يا رسول اللَّه من غور تهامة بأكوار الميس ترتمي بها العيس، نستحلب الصبير، ونستجلب الخبير ونستعضد البرير، ونستخيل الرهام، ونستجيل الجهام، من أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاء، قد نشف المدهن ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا إليك يا رسول اللَّه من الوثن، والعنن، وما يحدث به الزمن، لنا دعوة السلام. وشريعة الإسلام، ما طما البحر، وقام يعار، وكنا نعم همل أغفال. ما تبل ببلال.
فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها. وابعث رعاتها في الدّثر بيانع الثمر وافجر لهم الثمد، وبارك لهم في المال والولد، من أقام الصلاة، كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا اللَّه كان مخلصا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك ووضائع الملك لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة ولا تثاقل عن الصلاة» [ (٢) ] .
-
ثم كتب معهم كتابا إلى بني نهد: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى بني نهد بن زيد: السلام على من آمن باللَّه عز وجل ورسوله. لكم يا بني نهد في الوظيفة
ج ٣ ص ١٠١الفريضة ولكم الفارض والفريش. وذو العنان الركوب والفلق الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم، ما لم تضمروا الرماق. وفي لفظ: الأرماق. وتأكلوا الرباق من أقر بما في هذا الكتاب، فله من اللَّه الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة.
-
رواه أبو نعيم في المعرفة والديلمي في مسند الفردوس عن عمران بن حصين، وأبو نعيم عن حذيفة بن اليمان رضي اللَّه تعالى عنهم مختصرا.
-
وكتابه صلى اللَّه عليه وسلم لدى المشفار مالك بن نمط لما لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك فقال مالك بن نمط: يا رسول اللَّه نصية من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، من مخلاف خارف ويام، لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير، ما أقام لعلع، وما جرى يعفور بصلع.
-
فكتب إليهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «هذا كتاب من محمد رسول اللَّه لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وجفاف الرمل، مع وافدها ذي المعشار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها ويرعون عفاءها لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوري، وعليهم فيه الصالغ والقارح» .
رواه أبو القاسم الزجاجي في أماليه عن ... معضلا.
-
وكتابه صلى اللَّه عليه وسلم لقطن بن حارثة ويقال حارثة بن قطن قال الشيخ في «مناهل الصفا» وهو المعروف: العليمي بن كلب: «هذا كتاب من محمد لعمائر كلب وأحلافها ومن ظأره الإسلام من غيرهم مع قطن بن حارثة العليمي بإقام الصلاة لوقتها وأداء الزكاة بحقها في شدة عقدها ووفاء عهدها بمحضر من شهود المسلمين وسمى جماعة منهم دحية بن خليفة الكلبي.
-
عليهم من الهمولة الراعية البساط الظئار، في كل خمسين ناقة غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية، وفي الشوي الوري مسنة حامل أو حائل وفيما سوى الجدول من العين المعين العشر، وفي العترى شطره بقيمة الأوسط، لا يزاد عليهم وظيفة ولا يفرّق. شهد على ذلك اللَّه ورسوله وكتب ثابت بن قيس بن شماس.
-
رواه ابن سعد عن ربيعة بن إبراهيم الدمشقي رحمه اللَّه تعالى.
-
وكتابه صلى اللَّه عليه وسلم لوائل بن حجر: «إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب من أهل حضر موت بإقام الصلاة المفروضة وأداء الزكاة المعلومة عند محلها، في التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك وأنطوا الثبجة، وفي السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاماً، ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض اللَّه، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال أميراً أمره رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم.»
- ج ٣ ص ١٠٢
رواه الطبراني في الصغير والخطابي في غريبه.
قال القاضي رحمه اللَّه تعالى: وأين هذه الألفاظ من كتابه صلى اللَّه عليه وسلم في الصدقة لأنس المشهور، فإنه بمحل من جزالة ألفاظ مألوفة وسلاسة تراكيب مأنوسة، وذلك بمحل من غلاقة ألفاظ غريبة وقلالة أساليب في النطق عسرة، لأنه لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد أي غريبا غير مألوف وكانت بلاغتهم على هذا النمط وحشيا غير مأنوس، وكان أكثر استعمالهم هذه الألفاظ التي ليست بمألوفة ولا مأنوسة، استعملها معهم ليبين للناس ما نزل إليهم وليحدث الناس بما يعلمون ليفهموه.
-
وقد كان من خصائصه صلى اللَّه عليه وسلم إن يكلم كل ذي لغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها، وكان أحدهم لا يجاوز لغته وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي وما ذلك منه صلى اللَّه عليه وسلم إلا بقوة إلهية وموهبة ربانية، لأنه صلى اللَّه عليه وسلم بعث إلى الكافة طرّا وإلى الخليقة سودا وحمرا، ولا يوجد متكلم بغير لغته إلا قاصرا في تلك الترجمة نازلا عن صاحب الأصالة في تلك، إلا هو صلى اللَّه عليه وسلم، فإنه كان إذا تكلم في كل لغة من لغة العرب كان أفصح وأنصع بلغاتها منا بلغة نفسها وجدير به ذلك، فإنه صلى اللَّه عليه وسلم قد أوتي جميع القوى البشرية المحمودة ومزية على الناس بأشياء كثيرة،
كقوله صلى اللَّه عليه وسلم، في حديث عطية السعدي رضي اللَّه تعالى عنه قال: قدمت على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلما رآني قال: «ما أغناك اللَّه فلا تسأل الناس فإن اليد العليا خير هي المنطية واليد السفلى هي المنطاة وإن مال اللَّه مسؤول ومنطى» [ (١) ] . قال:
فكلمنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بلغتنا.
-
رواه الحاكم وصححه البيهقي.
-
وقوله صلى اللَّه عليه وسلم لكعب بن عاصم الأشعري [ (٢) ] رضي اللَّه تعالى عنه: «ليس من ام برّ ام صيام في أم سفر» .
-
رواه عبد الرزاق والحميدي، وابن القاسم البغوي.
-
أي ليس من البر الصيام في السفر، وهذه لغة صحيحة وأكثر ما يتكلم بها الأشعريون وهي في الغالب يمنية والأشعريون من اليمن، وإنما تكلم بها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رغبة في البيان وحسن التعلم والإفهام لهم بلغتهم.
-
وقوله في حديث العامري حين سأله فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «سل عنك» [ (٣) ] .
-
رواه أبو نعيم عن شداد بن أوس رضي اللَّه تعالى عنه.
- ج ٣ ص ١٠٣
أي اسأل عما شئت، وهي لغة بني عامر.