الباب الثاني والعشرون في فصاحته صلى الله عليه وسلم
٨٨ فقرة، ج ٣ ص ٩٣
الصفحة ١ من ٣
- ج ٣ ص ٩٣
الفصاحة لغة: البيان.
-
واصطلاحا: خلوص الكلام من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد.
-
هذا باعتبار المعنى. وأما باعتبار اللفظ فهي كونه على ألسنة الفصحاء الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم له أكثر.
-
والفرق بينهما وبين البلاغة: أن الفصاحة يوصف بها المفرد والكلام والمتكلم، والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط.
-
ففصاحة المفرد: خلوصه من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس.
-
وفصاحة الكلام: خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد.
-
وبلاغته: مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته.
-
وفصاحة المتكلم: ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود. وبلاغته: ملكة يقتدر بها على وجوه تأليف الكلام البليغ. فالبلاغة أخص مطلقا، فكلّ بليغ فصيح ولا عكس، والبليغ الذي يبلغ بعبارته كنه ضميره.
-
وقال الإمام العلامة أبو سليمان أحمد الخطابي رحمه اللَّه تعالى: اعلم أن اللَّه تعالى لما وضع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم موضع البلاغ من وحيه ونصبه منصب البيان لدينه اختار له من اللغات أعذبها ومن الألسن أفصحها وأبينها، ثم أمده بجوامع الكلم التي جعلها ردءا لنبوته وعلما لرسالته، لينتظم في القليل منها عليم كثير يسهل على السامعين حفظه ولا يؤودهم حمله، ومن تتبع الجوامع من كلامه صلى اللَّه عليه وسلم لم يعدم بيانها.
-
وقال الإمام أبو السعادات المبارك ابن محمد بن الأثير رحمهم اللَّه تعالى في أول النهاية: قد عرفت أيدك اللَّه تعالى وإيانا بلطفه وتوفيقه، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان أفصح العرب لسانا وأوضحهم بيانا وأعذبهم نطقا وأسدهم لفظا وأبينهم لهجة وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب وأهداهم إلى طريق الصواب، تأييدا إلهيا ولفظا سمائيا وعناية ربانية ورعاية روحانية، حتى لقد
قال له علي رضي اللَّه تعالى عنه وسمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول اللَّه نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد»
-
[ (١) ] .
- ج ٣ ص ٩٤
فكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخاطب العرب [ (١) ] على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم يخاطب كلا منهم بما يفهمون ويحادثهم بما يعلمونه، ولذلك قال صدق اللَّه تعالى
قوله: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم»
-
[ (٢) ] . فكأن اللَّه تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بين أبيه وجمع فيه ما تفرق ولم يوجد في قاصي العرب ودانيه، وكان أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم ومن يفد إليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله وما جهلوه يسألونه عنه فيوضحه لهم.
قلت: قوله: «ولذلك
قال: أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» .
-
رواه الحسن بن سفيان في مسنده بسند ضعيف وله طرق تقويه.
وقال القاضي أبو الفضل عياض رحمه اللَّه تعالى: وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى اللَّه عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع ونصاعة لفظ وجزالة قول وصحة معان وقلة تكلف، أوتي صلى اللَّه عليه وسلم جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه صلى اللَّه عليه وسلم يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله، من تأمل حديثه وسيره على ذلك وتحققه.
-
ففصاحة لسانه صلى اللَّه عليه وسلم غاية لا يدرك مداها ومنزلة لا يداني منتهاها وكيف لا يكون ذلك وقد جعل اللَّه تعالى لسانه سيفا من سيوفه يبين عنه مراده ويدعو إليه عباده، فهو ينطق بحكمة عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره، أفصح خلق اللَّه إذا لفظ وأنصحهم إذا وعظ، لا يقول هجرا ولا ينطق هذرا، كلامه كله يثمر علما ويمتثل شرعا وحكما لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه في مقالته ولا أجزل منه في عذوبته، وخليق بمن عبر عن مراد اللَّه بلسانه وأقام الحجة على عباده ببيانه، وبين مواضع فروضه وأوامره ونواهيه وزواجره، أن يكون أحكم الخلق تبيانا وأفصحهم لسانا وأوضحهم بيانا، وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد ولا ينكرها موافق ولا معاند.
قال القاضي رحمه اللَّه تعالى: أما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع حكمه
ج ٣ ص ٩٥المأثورة فقد ألف الناس فيها الدواوين وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب. ومنها ما لا يوازى فصاحة ولا يبارى بلاغة.
-
كقوله صلى اللَّه عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» [ (١) ] .
-
رواه أبو داود والنسائي عن علي رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«المسلمون كأسنان المشط» [ (٢) ] .
-
ابن الآل في مكارم الأخلاق عن سهل بن سعد رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«المرء مع من أحب» .
-
الشيخان عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له» [ (٣) ] .
-
ابن عدي عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» [ (٤) ] .
-
الشيخان عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه» [ (٥) ] .
-
ابن السمعاني في تاريخه عن علي رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«المستشار موتمن، وهو بالخيار إن شاء تكلم وإن شاء سكت.»
-
أحمد عن أبي مسعود عقبة بن عمرو وصدره عند الأربعة عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«رحم اللَّه عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن شر فسلم» [ (٦) ] .
-
أبو الشيخ في الثواب عن أبي أمامة والديلمي عن أنس رضي اللَّه تعالى عنهما.
- ج ٣ ص ٩٦
«أسلم تسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين» .
-
الشيخان في قصة هرقل.
-
«إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساُ يوم القيامة أحسنكم أخلاقاُ الموطأون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» [ (١) ] .
-
الترمذي عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه.
-
«لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يُغنيه» [ (٢) ] .
-
البيهقي في الشعب عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه والترمذي نحوه.
-
«ذو الوجهين لا يكون عند اللَّه وجيها» [ (٣) ] .
-
أبو داود بلفظ: ذو الوجهين في الدنيا ذو لسانين في النار.
-
«نهيه عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات، وعقوق الأمهات ووأد البنات» .