مقتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما وسلامه

٨٣ فقرة، ج ٧ ص ٤٢١

الصفحة ١ من ٣

  1. قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثني عبد الله بن عمير مولى أم الفضل.

    قال: وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه.

    قال: وأخبرنا يحيى بن سعيد بن دينار السّعدي، عن أبيه.

    قال: وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي وَجْزَة السعدي، عن علي بن حسين.

    ج ٧ ص ٤٢٢قال: وغير هؤلاء أيضًا قد حدثني.

    قال محمد بن سعد: وأخبرنا علي بن محمد، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر، عن أبيه.

    ج ٧ ص ٤٢١
  2. وعن لوط بن يحيى الغامدي، عن محمد بن نَشْر (١) الهَمْدَانِيّ، وغيره.

  3. وعن محمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير.

  4. وعن هارون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه.

  5. وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي.

    قال ابن سعد: وغير هؤلاء أيضًا قد حدثني في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته وبركاته.

    قالوا: لما بايع معاوية بن أبي سفيان الناسَ ليزيد بن معاوية، كان حسين بن عليّ بن أبي طالب ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبَى. فَقَدِم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية، فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبَى وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه وقال: إنّ القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويُشِيطُوا (٢) دماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه مِنَ الهُمُوم، مَرّةً يريد أن يسير إليهم، ومَرّة يُجْمِع الإقامة، فجاءه أبو سعيد الخُدْرِيّ فقال: يا أبا عبد الله إني لكم ناصح وإني عليكم مُشْفِق، وقد بلغني أنه كَاتَبَك قومٌ من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج فإني سمعت أباك - رحمه الله - يقول بالكوفة: والله لقد مَللتهم وأَبْغَضْتُهم، وملّوني وأبغضوني وما بَلَوْت منهم وفاء، ومَن فاز بهم فاز بالسهم الأخْيَب والله ما لهم نِيّات ولا عَزْم أمْر، ولا صَبْر على السيف.

    قال: وقدم المُسَيَّب بن نَجَبَةَ الفَزَارِيُّ وعِدّة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأى أخيك فقال: إني أرجو أن يعطي الله أخي على نيّتهِ في حُبِّه الكَفّ، وأن يعطيني على نِيّتي في حبّيّ جهاد الظالمين.

  6. وكتب مروان بن الحَكَم إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مُرْصِدًا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلًا.

    ج ٧ ص ٤٢٣
  7. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صَفَقَة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبِئْتُ أن قومًا من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق مَنْ قد جَرّبْت، قد أفسدوا على أبيك، وأخيك، فاتق الله، واذكر الميثاق فإنك متى تَكِدْني أكِدْك.

  8. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لَا يَهْدي لها إلا الله وما أردتُ لك محاربة ولا عليك خلافًا، وما أظن لي عند الله عذرًا في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر الأمة.

    فقال معاوية: إِنْ أَثَرْنا بأبي عبد الله إلا أسدًا.

  9. وكتب إليه معاوية أيضًا في بعض ما بلغه عنه: إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركتها فأغفرها لك.

    قال: أخبرنا عليّ بن محمد، عن جويرية بن أسماء، عن مسافع بن شيبة، قال: لقي الحسين معاوية بمكة عند الرَّدْم (١) ، فأخذ بخطام راحلته فأناخ به، ثم سَارّه حسين طويلًا وانصرف، فزجر معاوية راحلته فقال له يزيد: لا يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك، قال: دعه فلعلّه يطلبها من غيري فلا يُسَوّغْه فيقتله (٢) .

  10. رجع الحديث إلى الأول:
  11. قالوا: ولما حُضِرَ معاوية، دعا يزيد بن معاوية فأوصاه بما أوصاه به وقال: انظر حسين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أحب الناس إلى الناس فصِلْ رَحِمَه، وارفق به يصلح لك أمره، فإن يك منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه (٣) .

  12. وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس ليزيد، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري - عامر بن لؤي - إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة، أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول مَن تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إليّ في أمره الرفق به واستصلاحه، فبعث الوليد بن عُتبة من ساعته - نصف الليل - إلى الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد، فقالا: نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي تَعرف، والله ما حَدَثَ له حَزْم ولا مروءة، وقد كان الوليد أَغْلَظَ للحسين فشتمه الحسين، وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إنْ هِجْنا (١) بأبي عبد الله إلا أسَدًا.

    فقال له مروان أو بعض جلسائه: اقتله قال: إنّ ذاك لدم مضنون في بني عبد مناف.

    ج ٧ ص ٤٢٤
  13. فلما صار الوليد إلى منزله، قالت له امرأته أسماء ابنة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أسببتَ حُسَينًا؟ قال: هو بدأ فَسَبَّني، قالت: وإن سبك حسين تَسُبّه، وإنْ يسَبّ أباك تسبّ أباه!! قال: لا.

  14. وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة، فأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطُلِبَ الحسين وابن الزبير فلم يُوجَدَا، فقال المِسْورَ بن مَخْرَمة: عَجِلَ أبو عبد الله، وابن الزبير الآن يَلْفِتُه ويزْجِيه إلى العراق ليخلو بمكة. فقدما مكة، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطلب، ولَزِمَ ابن الزبير الحِجْر ولبِسَ المَعَافِري، وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يَقْدَمَ العراق ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك.

  15. وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول: لا تفعل. وقال له عبد الله بن مطيع: أي فداك أبي وأمي مَتِّعنا بنفسك ولا تَسِر إلى العراق فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتّخذُنّا خَولًا وعبيدا.

  16. ولقيهما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بالأَبْواء منصرِفَيْن من العمرة، فقال لهما ابن عمر: الله أُذكِّركما، إلَا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناسُ، وتنظرا، فإن اجتمع الناس عليه لم تَشُذَّا، وإن افتُرِق عليه كان الذي تُريدان (١) .

    وقال ابن عمر لحسين: لا تخرج فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خَيّره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنّك (٢) بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا فاعتنقه وبكى وودّعه. فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولَعَمْري لقد رأى في أبيه وأخيه عِبْرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس فإن الجماعة خير.

    وقال له ابن عباس (٣) : أين تريد يابن فاطمة؟ قال: العراف وشيعتي فقال: إني لكاره لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سَخْطَةً ومَلّة لهم، أذكرك الله أن تغرر بنفسك.

    وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقد قلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك فلا تخرج على إِمَامِك.

    وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج حسين فأدركته بِمَلَلَ، فناشدته الله أن لا يخرج، فإنه يخرج في غير وجه خُروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع.

    وقال جابر بن عبد الله: كلّمت حسينًا فقلت: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حُمِدتم ما صنعتم فعصاني.

    وقال سعيد بن المسيِّب: لو أن حسينًا لم يخرج لكان خيرًا له.

    وقال أبو سَلَمة بن عبد الرحمن: قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجَّعه على ذلك ابن الزبير.

    ج ٧ ص ٤٢٥
  17. وكتب إليه المِسْوَر بن مَخْرَمَة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق، ويقول لك ابن الزبير: الْحَقْ بهم فإنهم ناصروك، إياك أن تبرح الحَرَم، فإنهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك، فتخرج في قوة وعُدة، فجزاه خيرًا وقال: أستخيرُ الله في ذلك.

    ج ٧ ص ٤٢٦
  18. وكَتَبَتْ إليه عَمْرةُ بنت عبد الرحمن: تعظّم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لحدّثتني عائشة أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يقتل حسين بأرض بابل، فلما قرأ كتابها قال: فَلا بُدَّ لي إذًا من مَصرعي ومضى.

  19. وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: يا ابن عم، إنّ الرحم تظأرني (١) عليك (٢) ، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك؟ قال: يا أبا بكر ما أنت ممن يُسْتغشّ ولا يُتَّهم، فقل. فقال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَنْ قد وَعَدَك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك، فقال: جزاك الله يابن عم خيرًا، فلقد اجتهدت رأيك، ومهما يقض الله من أمر يكن، فقال أبو بكر: إنا لله، عند الله نحتسب أبا عبد الله!.

  20. وكتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتابًا يحذّره أهل الكوفة، ويناشده الله أن يشخص إليهم، فكتب إليه الحسين: إِنّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمرني بأمر أنا ماضٍ له، ولستُ بمخبر بها أحدًا حتى أُلَاقي عملي.

  21. وكتب إليه عَمرو بن سعيد بن العاص: إني أسأل الله أن يلهمك رُشدك، وأن يصرفك عَمّا يُرْدِيك، بلغني أنك قد اعتزمتَ على الشخوص إلى العراق، فإني أعيذك بالله من الشقاق، فإن كنتَ خائفًا، فأقبل إليّ فلك عندي الأمان والبر والصلة، فكتب إليه الحسين: إنْ كنتَ أردتَ بكتابِك إليّ برّي وصِلَتي فجزيت خيرًا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق مَن دعا إلى الله وعَمِلَ صالحًا وقال إنني

    ج ٧ ص ٤٢٧من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يَخَفْه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده.

  22. وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة. ونحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فَمنّوه الخلافة، وعندك منهم خِبْرة وتجربة. فإن كان فَعَلَ فقد قَطَعَ واشِجَ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة.

  23. وكتَب بهذه الأبيات إليه وإلى مَنْ بمكة والمدينة من قريش:

    يا أيها الراكبُ الغادِي لِطَيَّتِه … على عُذَافِرَةٍ في سيرها قُحَمُ

    أبلغ قريشًا على نَأيْ المزار بها … بيني وبين حسين اللهُ والرَّحِمُ

    وموقف بفناء البيت أنْشُدُهُ … عهدُ الإله وما تُوْفَى بِهِ الذّمَمُ

    عَنّيتُمُ (١) قَوْمَكم فخرًا بأُمِّكُمُ … أمٌّ لَعَمْرِي حَصَانٌ عَفّةٌ كَرَمُ

    هي التي لا يُدَانِي فَضْلَها أحدُ … بِنْتُ الرسولِ وخيرُ النّاسِ قد عَلِمُوا

    وفضلها لَكُمُ فَضْلٌ وغَيرُكُمُ … من قَومكمْ لَهُمُ في فَضْلها قِسَمُ

    إنّي لأعَلَمُ أوْ ظَنًّا كَعَالِمِهِ … والظنّ يصْدُقُ أحيانًا فينْتَظِمُ

    أنْ سَوف يتْرُكُكُم ما تَدُّعونَ بها … قَتْلَى تَهادَاكُمُ العِقْبانُ والرّخَمُ

    يا قومنا لا تُشِبُّوا الحربَ إذ سكنت … وَمَسِّكوا بحال السّلْمِ واعتصموا

    قد غَرّتِ الحربُ من قد كان قَبلَكُم … من القرونِ وقد بادتْ بها الأُمَمُ

    فأنْصِفوا قومكم لا تَهْلَكوا بَذَخًا … فرُبَّ ذي بَذَخٍ زَلَّتْ به القَدَمُ

    قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: إني أرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أَدَع النصيحة له فيما يجمع الله به الأُلْفَة ويطْفِئ به النّائِرَة (٢) .

  24. ودخل عبد الله بن عباس على الحسين: فكلَّمه ليلًا طويلًا (٣) وقال: أنشدك

    ج ٧ ص ٤٢٨الله أن تهلك غدًا بحال مَضْيَعَة، لا تأت العراق، وإن كنْتَ لا بد فاعلًا فأقم حتى ينقضي المَوْسِم، وتلقى الناس، تعلم على ما يَصْدُرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة سنة ستين.

  25. فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لأظنّك ستقتل غدًا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لأخاف أن تكون الذي يُقَاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    فقال الحسين: أبا العباس إنك شيخ قد كَبِرْت.

    فقال ابن عباس: لولا أن يُزْرِي ذلك بي أو بك لنَشَّبت يَدَي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تناصينا (١) أقمتَ، لفعلتُ، ولكن لا أخَال ذلك نافعي.

    فقال له الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي أن تُسْتَحَل بي - يعني مكة - قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررتَ عَين ابن الزبير فذلك الذي سَلّى بنفسي عنه.

  26. ثم خرج عبد الله بن عباس من عنده وهو مُغْضَب، وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يابن الزبير قد أتى ما أحببت، قرَّت عينك، هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك والحجاز.

  27. يا لَكِ مِنْ قُبَّرَةٍ بمَعْمَرِ

    خَلَا لَكِ الجوُّ فَبِيضِي واصْفِرِي

    ونَقِّرِي ما شِئِتِ أَنْ تُنَقِّرِي

    وبعث حسين إلى المدينة، فقدم عليه من خَفّ معه من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلًا، ونساء وصبيان من أخواته وبناته ونسائهم، وتبعهم محمد بن الحنفية فأدرك حسينًا بمكة، وأعْلَمَه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل. فحبس محمد بن علي وَلَده فلم يبعث معه أحدًا منهم، حتى وَجَدَ الحسين في نفسه على محمد، وقال: تَرْغَبُ بولدك عن موضع أصَابُ فيه؟!

    ج ٧ ص ٤٢٩فقال محمد: وما حاجتي أن تصابَ ويُصَابُون معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم! وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجهًا إلى العراق في أهل بيته وستين شيخًا من أهل الكوفة، وذلك يوم الاثنين في عَشْرِ ذِي الحجة سنة ستين.

  28. فكتب مروان إلى عُبيد الله بن زياد، أما بعد: فإن الحسين بن عليّ قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبالله ما أحد يُسلِّمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيّج على نفسك ما لا يسده شيء ولا تنساه العامّة ولا تَدَعْ ذِكْرَه، والسلام.

  29. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص. أما بعد: فقد توجه إليك الحسين وفي مثلها تُعتق أو تكون عبدًا تسترق كما تسترق العبيد (*) .

    قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني لَبَطَة بن الفرزدق - وهو في الطواف وهو مع ابن شبرمة - قال: أخبرني أبي، قال: خرجنا حُجاجًا، فلما كنا بالصِّفاح (١) إذا نحن بركب عليهم اليَلَامِق (٢) ومعهم الدُّرق، فلما دنوت منهم إذا أنا بحسين بن عليّ، فقلت: أي أبو عبد الله. قال: فرزدق ما وراءك، قال: أنت أحب الناس والقضاء في السماء، والسيوف مع بني أمية. قال: ثم دخلنا مكة فلما كُنّا بمنى قلت له: لو أتينا عبد الله بن عمرو فسألناه عن حُسين وعن مخرجِهِ فأتينا منزله بمنى، فإذا نحن بصبية له سود مولّدين يلعبون قلنا أين أبوكم؟ قالوا في الفسْطَاط يتوضأ. فلم نلبث أن خرج علينا من فسْطَاطه. فسألناه عن حسين فقال: أَمَا إنه لا يَحِيكُ فيه السلاح. قال: فقلت له: تقول هذا فيه وأنت الذي قاتلته وأباه، فسبّني فسببته، ثم خرجنا حتى أتينا مَاءً لنا يقال له: تِعْشَار (٣) ، فجعل لا يمر بنا أَحَدٌ إلا سألناه

    ج ٧ ص ٤٣٠عن حسين، حتى مر بنا ركب فناديناهم: ما فعل حسين بن علي؟ قالوا: قُتِلَ، فقلت: فعل الله بعبد الله بن عمرو وفعل.

    قال سفيان: ذهب الفرزدق إلى غير المعنى أو قال الوجه، إنما قال: لا يَحِيْكُ فيه السلاح ولا يضره القتل مع ما قد سبق له (١) .

    قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا شِيعيّ لنا يقال له العلاء بن أبي العباس، عن أبي جعفر، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال في حسين [حين] خرج: أَمَا إنَّه لا يحيك فيه السلاح (٢) .

    قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا معاوية بن عبد الكريم، عن مروان الأصفر، قال: حدثني الفرزدق بن غالب، قال: لما خرج الحسين بن علي - رحمه الله -، لقيت عبد الله بن عمرو فقلت له: إنّ هذا الرجل قد خرج فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج معه فإنك إن أردتَ دنيا أصبتها وإن أردتَ آخرة أصبتها، قال: فَرَحلْتُ نحوه، فلما كنتُ في بعض الطريق بلغني قتله، فرجعتُ إلى عبد الله بن عمرو فقلت: أين ما قلتَ لي؟ قال: كان رأيا رأيته.

    قال: أخبرنا عليُّ بن محمد، عن الهُذَلِي، أن الفرزدق قال: لقيت حسينًا فقلت: بأبي أنت، لو أقمتَ حتى يصدر الناس لرجوت أن يَتَقَصّف أهل الموسم معك. فقال: لم آمنهم يا أبا فراس، قال: فدخلت مكة فإذا فسطاط وهيئة فقلت لمن هذا؟ قالوا: لعبد الله بن عمرو بن العاص فأتيته، فإذا شيخ أحمر، فسلمت فقال: من؟ قلت: الفرزدق. أترى أن أنصر حسينًا؟ قال: إذًا تُصِيب أجرًا وذُخْرًا قلت: بِلا دُنْيا؟ فأطرق ثم قال: يابن غالب لَتَتِمَّن خلافة يزيد، فانْظُرَنّ، فكرهت ما قال. قال: فَسَبَبْت يزيد ومعاوية قال: مَهْ قبَّحك الله، فغضبت فَشَتَمْتُه وقمتُ، ولو حضر حَشَمُه لأوجعوني، فلما قضيت الحج رجعت فإذا عِيرٌ فَصَرَخْتُ ألا ما فعل الحسين؟ فردوا عَلَيّ ألا قُتِل.

    قال: أخبرنا عليُّ بن محمد، عن جويرية بن أسماء، وعلي بن مُدْرِك، عن

    ج ٧ ص ٤٣١إسماعيل بن يسار، قال: لقى الفرزدق حسينًا بالصّفَاح فسلم عليه، فوصله بأربعمائة دينار، فقالوا: يا أبا عبد الله، تعطي شاعرًا مُبْتَهِرًا قال: إن خير ما أمضيت من مالك ما وَقَيْتَ به عرضك، والفرزدق شاعر لا يُؤْمَن.

    فقال قوم: لإسماعيل: وما عسى أن يقول في الحسين، ومكانه مكانه، وأبوه وأمه مَن قد علمت، قال: اسكتوا فإن الشاعر ملعون، إن لم يقل في أبيه وأمه قال في نفسه.

    قال: أخبرنا عليّ بن محمد، عن حُبَاب (١) بن موسى، عن الكلبي، عن بحير بن شداد الأسدي، قال: مر بنا الحسين بالثعْلَبِيّة (٢) فخرجت إليه مع أخي، فإذا عليه جُبَّة صفراء لها جيب في صدرها، فقال له أخي: إني أخاف عليك، فضرب بالسوط على عيبة قد حَقَبَها وقال: هذه كتب وجوه أهل المصر.

    قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرِّشْك، قال: حدثني مَنْ شَافَهَ الحسين، قال: رأيت أبنية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت: لِمَنْ هذه؟ قالوا: هذه لحسين قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن، قال: والدموع تسيل على خدّيه ولحيته، قال: قلت: بأبي وأمي يابن رسول الله، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ قال: هذه كتب أهل الكوفة إليّ ولا أراهم إلّا قاتليّ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلّا انتهكوها فيسلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فَرَمِ الأَمة - يعني مقنعتها.

  30. ثم رجع الحديث إلى الأول:

    قالوا: وقد كان الحسين قدّم مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة المرادي، وينظر إلى اجتماع الناس عليه ويكتب إليه بِخَبَرِهم، فقدم مسلم بن عقيل الكوفة مستخفيًا، وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى حسين بن علي: إني قدمت الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت إليك

    ج ٧ ص ٤٣٢ثمانية عشر ألفًا فعجّل القدوم فإنه ليس دونها مانع. فلما أتاه كتاب مسلم أغذّ السّير حتى انتهى إلى زُبَالة (١) ، فجاءت رُسُل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف، وكان النعمان بن بَشير الأنصاري على الكوفة في آخر خلافة معاوية فهلك وهو عليها، فخاف يزيد أن لا يُقْدِمَ النعمانُ على الحسين، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان وهو على البصرة، فضم إليه الكوفة، وكتب إليه بإقبال الحسين إليها، فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها، فأقبل عبيد الله بن زياد على الظهر سريعًا حتى قدم الكوفة، فأقبل متعممًا متنكرًا حتى دخل السوق، فلما رأته السّفلة وأهل السوق خرجوا يشتدون بين يديه وهم يظنون أنه حسين، وذاك أنهم كانوا يتوقعونه، فجعلوا يقولون لعبيد الله: يابن رسول الله، الحمدُ لله الذي أراناك. وجعلوا يقبِّلون يده ورِجْله، فقال عبيد الله: لشدّ ما فَسَدَ هؤلاء. ثم مَضَى حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم صَعد المنبر وكَشفَ عن وجهه فلما رآه الناس مالَ بعضهم على بعض وأقشعوا عنه (٢) .

  31. وبَنَى عبيد الله بن زياد تلك الليلة بأهله أم نافع بنت عمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وأتى تلك الليلة برسول الحسين بن علي قد كان أرسله إلى مُسلم بن عقيل يقال له: عبد الله بن بقطر، فقتله. وكان قَدِمَ مع عبيد الله من البصرة شريك بن الأعور الحارثي وكان شيعة لعليّ، فنزل أيضًا على هانئ بن عُروة، فاشتكى شريك، فكان عبيد الله يَعوده في منزل هانئ، ومُسلم بن عقيل هناك لا يعلم به.

  32. فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلًا يقتلونه إذا دخل عليهم وأقبل عبيد الله فدخل على شريك يسأل به، فَجعل شريك يقول:

    ما تنظرون بسلمى أن تحيّوها

    اسقوني ولو كانت فيها نفسي. فقال عبيد الله: ما يقول؟ قالوا: يَهْجر (٣) ، وتحشحش القوم في البيت، فأنكر عبيد الله ما رأى منهم، فَوَثَب فخرج ودعا

    ج ٧ ص ٤٣٣مولى لهانئ بن عروة كان في الشرطة فسأله فأخبره الخبر، فقال: أولا (١) ، ثم مضى حتى دخل القصر وأرسل إلى هانئ بن عروة وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة فقال: ما حملك على أن تُجير عدوّي وتنطوي عليه؟ فقال: يابن أخي إنه جاء حَقٌّ هو أَحَقُّ من حَقِّك وَحَقِّ أهل بيتك، فوثب عبيد الله وفي يده عَنَزَة فضرَبَ بها رأس هانئ حتى خرج الزُجّ واغترز في الحائط ونثر دماغ الشيخ فقتله مكانه (٢) .

  33. وبلغ الخبرُ مُسْلِمَ بن عقيل، فخرج في نحو من أربعمائة من الشيعة، فما بلغ القصر إلّا وهو في نحو ستين رجلًا، فغربت الشمس واقتتلوا قريبًا من الرحبة، ثم دخلوا المسجد وكَثَرَهُمْ (٣) أصحاب عبيد الله بن زياد، وجاء الليل فهرب مسلم حتى دخل على امرأة من كِنْدَة يقال لها: طوعة، فاستجارَ بها، وعلم بذلك محمد بن الأشعث بن قَيْس فأخبر به عبيد الله بن زياد، فبعثَ إلى مسلم فجيء به فأنّبه وبكّته وأمر بقتله، فقال: دَعني أوصي. قال: نعم. فنظر إلى عمر بن سعد بن أبي وقّاص فقال: إن لي إليك حاجة وبيني وبينك رَحِم، فقال عبيد الله: انظر في حاجة ابن عمك. فقام إليه فقال: يا هذا إنه ليس ها هنا رجل من قريش غيرك، وهذا الحسين بن علي قد أظلك فأرسلْ إليه رسولًا فلينصرف، فإن القوم غرّوه وخدعوه وكذبوه، وإنه إن قتل لم يكن لبني هاشم بعده نظام، وعليّ دَيْن أخذته منذ قدمت الكوفة فاقضه عني، واطلب جثتي من ابن زياد فَوَارها، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ فأخبره بما قال. فقال: قل له: أمّا مالك فهو لك لا نمنعك منه وأما حُسين، فإن تَرَكَنَا لم نُرِدُه، وأما جثته فإذا قَتلناه لم نبال ما صُنِعَ به (٤) .

  34. ثم أمر به فقتل، فقال عبد الله بن الزَّبِيْر الأسدي في ذلك (٥) .

    ج ٧ ص ٤٣٤إن كُنْتِ لا تَدْرِين ما الموتُ فانْظُري … إلى هانئ في السوقِ وابنِ عقيلِ

    تَرَى جَسَدًا قد غَيَّرَ الموتُ لَونَه … ونَضْحَ دمٍ قد سَالَ كُلَّ مَسِيلِ

    أصابَهما أمرُ الإمامِ فأصبحا … أحاديثَ من يَهوى بكلِ سبيلِ

    تَرَىْ بَطَلًا قد هشّم السيفُ رأَسَه … وآخرَ يَهوى من طَمار قتيل

    أيركبُ أسماءُ الهماليجَ (١) آمنًا … وقد طَلَبَتْهُ مَذْحجٌ بقتيلِ

    فإنْ أنتُم لم تثأروا بأخيكُم … فكونوا بَغَايَا أُرْضِيَت بقليلِ

    يعني أسماء بن خَارِجة الفَزَاري، كان عُبيد الله بن زياد بعثه وعمرو بن الحجّاج الزبيدي إلى هانئ بن عُروة، فأعطاه العهود والمواثيق، فأقبل معهما حتى دخل على عبيد الله بن زياد فقتله.

    قال: وقضَى عمر بن سعد دَيْن مُسلم بن عَقِيل، وأخذ جثته فكفّنه ودفنه، وأرسل رجلًا إلى الحسين فحَمَله على ناقة وأعطاه نفقة، وأمره أن يبلّغه ما قال مُسلم بن عقيل، فلقيه على أربعِ مراحل فأخبره.

  35. وبعثَ عُبيد الله برأس مُسْلم بن عقيل وهانئ بن عُروة إلى يزيد بن معاوية (٢) .

  36. وبلغ الحُسين قَتْلُ مسلم وهانئ فقال له ابنه على الأكبر: يا أبه، ارجع فإنهم أهل [العراق] (٣) وغَدْرهم، وقِلّة وفائهم، ولا يَفون لك بشيء. فقالت بنو عقيل لحسين: ليس هذا بحين رجوع، وحرَّضُوه على المضي.

    فقال حسين لأصحابه: قد تَرون ما يأتينا، وما أرى القوم إلّا سَيخذلوننا، فمن أحبَّ أن يرجع فليرجع، فانصرفَ عنه [الذين] صاروا إليه في طريقه وبقي في أصحابه الذين خرجوا مَعَهُ مِنْ مَكّة (٤) ونُفَيْرٌ مِنْ صَحْبِهِ في الطريق، فكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسًا.

    ج ٧ ص ٤٣٥قال: وجَمع عُبيد الله المقاتلة وأمر لهم بالعطاء، وأعطى الشُرَطَ، ووجّه حصينَ بن تميم الطُّهْوي إلى القادسية، وقال له: أقم بها فمن أَنْكَرْتَه فخذه، وكان حسين قد وجّه قيس بن مسهر الأسدي إلى مسلم بن عقيل قبل أن يبلغه قتله، فأخذه حصين فوجّه به إلى عبيد الله، فقال له عبيد الله: قد قتل الله مسلمًا فأقم في الناس فاشتم الكذاب ابن الكذاب، فصعد قيس المنبر فقال: أيها الناس إني تركت الحسين بن علي بالحاجر، وأنا رسوله إليكم وهو يستنصركم فأمر به عبيد الله فطرح من فوق القصر فمات (١) .

  37. ووجه الحُصَين بن تميم: الحر بن يزيد اليربوعي من بني رياح في ألف إلى الحسين وقال: سايره ولا تَدَعه يرجع حتى يدخل الكوفة وجَعْجِعْ به. ففعل ذلك الحر بن يزيد.

  38. فأخذ الحسين طريق العُذَيْب (٢) حتى نزل الجوف مسقط النجف (٣) مما يلي المائتين (٤) ، فنزل قصر أبي مقاتل، فَخَفَقَ خَفْقَة ثم انتبه يسترجع، وقال: إني رأيتُ في المنام آنفًا فارسًا يسايرنا ويقول: القومُ يَسْرُون والمنايا تَسْرِي إليهم، فعلمتُ أنه نُعي إلينا أنفسنا، ثم سار حتى نزل بكَرْبلاء فاضطرب فيه (٥) .

    ثم قال: أي منزلٍ نحن به؟ قالوا: بكربلاء. فقال: يوم كربٍ وبَلَاء، فوجه إليه عبيد الله بن زياد عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف، وقد كان استعمله قبل ذلك على الرَّي وهَمذان، وقطع ذلك البعث معه، فلما أمره بالمسير إلى حسين تأبّى ذلك وكَرِهَه واستعفى منه، فقال له ابن زياد: أُعْطِي الله عهدًا لئن لم تَسر إليه وتُقدِم عليه، لأعزلنك عن عَملك، وأَهدم دارك، وأضرب عنقك، فقال: إذًا أفعل، فجاءته بنو زهرة، قالوا: ننشدك الله أن تكون أنت الذي تَلِي هذا من حسين، فتبقى عداوة بيننا وبين بني هاشم.

  39. فرجع إلى عبيد الله فاستعفاه فأبى أن يُعْفِيَه، فصمّم وسار إليه. ومع حسين يومئذ خمسون رجلًا، وأتاهم من الجيش عشرون رجلًا، وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلًا، فلما رأى الحسين عمر بن سعد، قد قَصَدَ له فيمن مَعَه قال: يا هؤلاء اسمعوا يرحمكم الله ما لنا ولكم؟ ما هذا بكم يا أهل الكوفة؟ قالوا: خِفْنا طرح العطاء قال: ما عند الله من العطاء خير لكم. يا هؤلاء: دعونا فلنرجع من حيث جئنا.

    قالوا: لا سبيل إلى ذلك قال: فدعوني أمضي إلى الرّي فأجاهد الدّيْلم. قالوا: لا سبيل إلى ذلك. قال: فدعوني أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يَدِي في يَدِه، قالوا: لا، ولكن ضع يَدَكَ في يَدِ عبيد الله بن زياد. قال: أما هذه فلا. قالوا: ليس لك غيرها. وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فهَمّ أن يُخلِّي عنه، وقال: والله ما عرض لشيء من عملي وما أراني إلا مخل سبيله يذهب حيث شاء، فقال (١) شِمْر بن ذي الجوشَن الضبابي إِنك والله إن فعلت وَفَاتَك الرجل لا تستَقِيلها أبدًا، وإنما كان هِمّةُ عبيد الله أن يثبت على العراق، فكتب إلى عمر بن سعد:

    الآن حين تَعلْقَتْه حِبَالُنا … يَرْجُو النجاة وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ (٢)

    ج ٧ ص ٤٣٦
  40. فناهِضْه وقال لشِمْر بن ذي الجوشن: سر أنت إلى عمر بن سعد فإن مضى لما أمَرْتُه وقاتل حسينًا، وإلا فاضرب عنقه وأنت على الناس.

    قال: وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسللون إلى حسين من الكوفة، فبلغ ذلك عبيد الله فخرج فعسكر بالنخَيْلة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، وأخذ الناسَ بالخروج إلى النخيلة وَضَبَطَ الجسر، فلم يترك أحدًا يجوزه، وعقد عبيد الله للحصين بن تميم الطُّهْوِي على ألفين، ووجهه إلى عمر بن سعد، مددًا له، وقدم شِمْر بن ذي الجوشن الضبابي على عمر بن سعد بما أمره به عبيد الله عشية الخميس لتسع خلون من المحرم سنة إحدى وستين بعد العصر، فنودِي في العسكر فركبوا، وحسين جالس أمام بيته محتبيًا، فنظر إليهم قد أقبلوا فقال للعباس بن علي بن أبي طالب: الْقَهم فاسألهم ما بدا لهم. فسألهم، فقالوا: أتانا

    ج ٧ ص ٤٣٧كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك أن تنزل على حكمه أو نناجزك، فقال: انصرفوا عنا العشية حتى ننظر ليلتنا هذه فيما عرضتم، فانصرف عمر (١) .