مقتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما وسلامه
٨٣ فقرة، ج ٧ ص ٤٢١
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٧ ص ٤٣٧
وجمع حسين أصحابه في ليلة عاشوراء ليلة الجمعة فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أكرمه الله به من النبوة وما أنعم به على أمته وقال: إني لا أحسب القوم إلا مقاتلوكم غدًا وقد أذنت لكم جميعًا فأنتم في حِلّ مني، وهذا الليل قد غشيكم فمن كانت له منكم قوة فليضمَّ رجلًا من أهل بيتي إليه، وتفرقوا في سوادكم حتى يأتي الله {بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [سورة المائدة: ٥٢] .
-
فإن القوم إنما يطلبونني فإذا رأوني لَهَوْا عن طلبكم.
فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك، لا والله لا نفارقك حتى يصيبنا ما أصابك، وقال ذلك أصحابه جميعًا. فقال: أثابكم الله على ما تَنْوُون الجنة (٢) .
-
قال أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم الشيباني، عن سفيان، عن أبي الجحّاف، عن أبيه، أن رجلًا من الأنصار أتى الحسين فقال: إن عَلَيَّ دينًا فقال: لا يقاتل معي من عليه دين (٣) .
قال: أخبرنا علي بن محمد، عن أبي الأسود العبدي، عن الأسود بن قيس العبدي، قال: قيل لمحمد بن بشير الحضرمي: قد أسر ابنك بثغر الري! قال: عند الله احتسبه ونفسي، ما كنت أحب أن يؤسر، ولا أن أبقى بعده، فسمع قوله الحسين فقال له: رحمك الله أنت في حِلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك، قال: أكلتني السباع حيًا إن فارقتك قال: فاعط ابنك هذه الأثواب والبرود يستعين بها في فكاك أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.
- رجع الحديث إلى الأول:
-
فلما أصبح يَوْمَه الذي قتل فيه رحمة الله عليه قال: اللهم أنت ثقتي في كل
ج ٧ ص ٤٣٨كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة، وأنت وليّ كل نعمة وصاحب كل حسنة.
ثم قال حسين لعمر وأصحابه: لا تعجلوا حتى أخبركم خبري، والله ما أتيتكم حتى أتتني كتب أَمَاثِلكم، بأن السُّنَّة قد أُميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عُطِّلت، فاقدمْ لعلّ الله تبارك وتعالى يصلح بك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فأتيتكم، فإذا كرهتم ذلك فأنا راجع عنكم، وارجعوا إلى أنفسكم فانظروا هل يصلح لكم قتلي أو يحل لكم دمي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن ابن عَمِّه؟ وابن أول المؤمنين إيمانًا؟، أَوَ لَيْس حمزة والعباس وجعفر عمومتي؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِيَّ وفي أخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني وإلا فاسألوا جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم. فقال شِمْر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول (١) .
-
فأقبل الحر بن يزيد أحد بني رِيَاح بن يربوع على عمر بن سعد فقال: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: نعم. قال: أما لكم في واحدة من هذه الخصال التي عرض رضًا؟ قال: لو كان الأمر إليّ فعلت. فقال سبحان الله ما أعظم هذا، أن يعرض ابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليكم مما يعرض فتأبونه، ثم مال إلى الحسين فَقَاتَل معه حتى قُتِل (٢) .
-
ففي ذلك يقول الشاعر المتوكل الليثي:
لَنِعم الحر حُر بني رِيَاح … وحُر عند مُختلف الرّماحِ
ونِعم الحر ناداه حسين … فَجَادَ بنفسه عند الصّباح
وقال الحسين: أما والله يا عمر ليكونن لما ترى يوم يسوءك، ثم رفع حسين يده مَدًّا إلى السماء فقال: اللهم إن أهل العراق غرّوني وخدعوني، وصنعوا بحسن بن علي ما صنعوا، اللهم شتت عليهم أمرهم وأحصهم عددًا (٣) .
- ج ٧ ص ٤٣٩
وناهض عمر بن سعد حسينًا، فكان أول من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد يقال له: سالم، فصل من الصف فخرج إليه عبد الله بن تميم الكلبي فقتله، والحسين جالس عليه جبة خز دكناء وقد وقعت النبال عن يمينه وعن شماله وابن له ابن ثلاث سنين بين يديه فرماه عقبة بن بشر الأسدي فقتله، ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي فقتله، فقال سليمان بن قَتَّة:
وَعِنْدَ غَنِيٍّ قطرة من دمائنا … وفي أسَدٍ أخرى تُعَدّ وتُذْكَرُ
قال: ولبس حسين لأمته، وأطاف به أصحابه يقاتلون دونه، حتى قتلوا جميعًا، وحسين عليه عمامة سوداء وهو مختضب بسواد يقاتل قتال الفارس الشجاع (١) .
قال: ودعا رجل من أهل الشام، عليّ بن حسين الأكبر - وأمُّه، آمنة بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأمها بنت أبي سفيان بن حرب فقال: إن لك بأمير المؤمنين قَرابة ورحمًا فإن شئت أمناك وامض حيث ما أحببت فقال: أما والله لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت أولى أن ترعى من قرابة أبي سفيان، ثم كَرّ عليه وهو يقول:
أنا عليُّ بن حُسين بن عَلِيْ
نحن وبيتُ الله أَوْلَى بالنّبِيْ
مِنْ شَمِرٍ وعُمَر وابن الدّعِيْ (٢)
قال: وأقبل عليه رجل من عبد القيس يقال له مُرّة بن منقذ بن النعمان، فطعنه، فحُمِل فَوضِع قريبًا من أبيه، فقال له: قتلوك يا بني، على الدنيا بعدك العفاء، وَضَمّه أبوه إليه حتى مات. فجعل الحسين يقول: اللهم دَعَوْنَا لينصرُونا فخذلونا وقتلونا، اللهم فاحبس عنهم قَطْر السماء وامنعهم بركات الأرض فإن متعتهم إلى حين ففرِّقْهم شِيَعًا واجعلهم طرائِقَ قِدَدا، ولا تُرْضِي الولاةَ عنهم أبدًا.
- ج ٧ ص ٤٤٠
وجاء صبي من صبيان الحسين يشتدّ حتى جلس في حِجْر الحسين، فرماه رجل بسهم فأصاب ثُغْرَةَ نَحْرِه فقتله، فقال الحسين: اللهم إن كنتَ حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير في العاقبة وانتقم لنا من القوم الظالمين (١) .
قال: وخرج القاسم بن حسن بن علي وهو غلام عليه قميص ونعلان، فانقطع شِسْع نعله اليسرى، فحمل عليه عمرو بن سعيد الأزدي فضربه، فسقط ونادى: يا عماه، فحمل عليه الحسين فضربه فاتقاها بيده فقطعها من المرفق فسقط وجاءت خيل الكوفيين ليحملوه وحمل عليهم الحسين فجالوا ووطئوه حتى مات (٢) .
-
ووقف الحسين على القاسم فقال: عَزّ على عَمِّكَ أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، يَوْمٌ كَثُرَ واتِرُه وقَلّ ناصِرُه، وبعدًا لقوم قتلوك، ثم أمر به فحمل ورجلاه تخطَّان في الأرض حتى وضِعَ مع علي بن حسين، وعَطِشَ الحسين، فاستسقى وليس معهم ماء فجاءه رجل بماء فتناوله ليشرب، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فيه، فجعل يتلقى الدّم بيده ويحمد الله، وتوجه نحو المُسناة يريد الفرات، فقال رجل من بني أبَان بن دارم: حولوا بينه وبين الماء، فعرضوا له فحالوا بينه وبين الماء، وهو أَمَامَهُم. فقال حسين: اللهم أظْمِه. ورماه الأباني بسهم فأثبته في حَنَكِه، فانتزع السهم وتلقى الدم فملأ كَفّه وقال: اللهم إني أشكوا إليك ما فعل هؤلاء، فما لَبِثَ الأباني إلا قليلًا حتى رئي وإنَّه ليؤتى بالقُلّة أو العس، إنْ كَانَ لَيَرْوِي عِدّة، فيشرَبَه فإذا نَزَعه عن فِيْه قال: اسقوني فقد قتلني العطش فما زال بذلك حتى مات (٣) .
-
وجاء شِمْر بن ذي الجوشن فحال بين الحسين وبين ثَقَله، فقال الحسين: رَحْلِي لكم عن ساعة مباح، فامنعوه مِن جُهّالِكم وطَغَامِكم وكونوا في دنياكم أحرارًا إذا لم يكن لكم دين، فقال شِمْر: ذلك لك يابن فاطمة. قال: فلما قتل أصحابُه وأهل بيته بقي الحسين عامّة النهار لا يُقْدِم عليه أحد إلا انصرفَ حتى
ج ٧ ص ٤٤١أحاطت به الرجّالة، فما رأينا مكثورًا قط أربط جأشًا منه، إنْ كَان ليقاتلهم قتال الفارس الشجاع، وإنْ كان ليشدّ عليهم فينكشفون عنه انكشاف المِعْزَى شَدّ فيها الأسَدُ، فمكث مَلِيًا مِنَ النّهَار والناس يتدافعونه ويكرهون الإقدام عليه، فصاح بهم شِمْر بن ذي الجَوْشَن: ثكلتكم أمهاتُكم ماذا تنتظرون به؟ أقْدِمُوا عليه، فكان أول من انتهى إليه، زُرْعَة بن شَرِيك التميمي فضرب كتفه اليسرى، وضربه حسين على عاتقه فصرعه، وبرز له سِنَان بن أنس النخَعِي فطعنه في تَرقُوَتهِ، ثم انتزع الرمح فطعنه في بَوَانِي (١) صدره، فخرّ الحسين صريعًا، ثم نزل إليه ليحتز رأسه ونزل معه خَوْلِي بن يزيد الأصبُحِي فاحتز رأسه (٢) .
-
ثم أتى به عبيد الله بن زياد فقال: -
أوقِرْ رِكَابِي فِضّةً وذَهَبَا … أنا قتلتُ المَلِكَ المُحَجَّبَا
قتلتُ خيرَ الناس أُمًّا وأَبَا … وخيرهم إذ يُنْسَبُون نَسَبَا
قال: فلم يعطه عبيد الله شيئًا. قال: ووجدوا بالحسين ثلاثًا وثلاثين جراحة، ووجدوا في ثوبه مائة وبضعة عشر خَرْقًا من السهام وأثر الضرب، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وله يومئذ ست وخمسون سنة وخمسة أشهر.
-
وكان جعفر بن محمد يقول: قتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وقتل مع الحسين، اثنان وسبعون رجلًا، وقتل من أصحاب عمر بن سعد، ثمانية وثمانون رجلًا. وقتل مع الحسين بن علي بن أبي طالب (٤) - رضي الله عنه -: -
- الحسين بن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قتله سنان بن أنس النخعي، وأجهز عليه وحَزّ رأسه - الملعون - خَوْلي بن يزيد الأصبحي.
- ج ٧ ص ٤٤٢
والعباس بن علي بن أبي طالب الأكبر، قتله زيد بن رقاد الجَبَنيّ، وحكيم السِّنْبسِيّ من طَيِّئ وجعفر بن علي بن أبي طالب الأكبر، قتله هانئ بن ثُبَيت الحضرمي. وعبد الله بن علي بن أبي طالب، قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي، قال: وقد كان العباس بن علي، قال لجعفر وعبد الله ابْنَي عليّ: تقدما، فإن قتلتما ورثتكما، وإن قتلتُ بعدكما ورثني ولدي، وإن قتلت قبلكما ثم قتلتما ورثكما، محمد بن الحنفية، فتقدما فقتلا ولم يكن لهما ولد، ثم قتل العباس بعدهما. وعثمان بن علي بن أبي طالب، رماه خَوْلِي بن يزيد بسهم فأثبته وأجهز عليه رجل من بني أَبَان بن دارم وأبو بكر بن علي بن أبي طالب، يقال: إنه قتل في ساقية ومحمد بن علي بن أبي طالب الأصغر، وأمه أم ولد، قتله رجل من بني أبان بن دارم وعلي بن حسين بن علي الأكبر، قتله مُرّة بن منقذ بن النعمان العبدي وعبد الله بن الحسين، قتله هانئ بن ثُبَيت الحضرمي وجعفر بن الحسين، وأبو بكر بن الحسين، قتلهما عبد الله بن عُقْبَةَ الغَنَوِي وعبد الله بن الحسن، قتله ابن حَرْمَلَة الكاهلي من بني أسد والقاسم بن الحسن، قتله سعيد بن عمرو الأزدي وعون بن عبد الله بن جعفر، قتله عبد الله بن قُطْبَة الطائي ومحمد بن عبد الله بن جعفر، قتله عامر بن نهشل التميمي ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، قتله عبيد الله بن زياد بالكوفة صَبْرًا وجعفر بن عقيل، قتله بشر بن حَوْطِ الهَمْدَاني ويقال: عروة بن عبد الله الخثعمي وعبد الرحمن بن عقيل، قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني، وبشر بن حَوط وعبد الله بن عقيل، وأمه أم ولد قتله عمرو بن صُبْح الصّدَائِي وعبد الله بن عقيل، الآخر، وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب (١) ، قتله عمرو بن صُبْح الصّدَائِي، ويقال: قتله أسيد بن مالك الحضرمي ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، قتله لَقِيط الجهني ورجل من آل أبي لهب، لم يُسَمّ لنا ورجل من آل أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، يقال له: أبو الهياج، وكان شاعرًا
ج ٧ ص ٤٤٣وسليمان مولى الحسين بن علي، قتله سليمان بن عوف الحضرمي ومنْجِح، مولى الحسين بن علي وعبد الله بن بُقْطر، رضيع للحسين (١) ، قتل بالكوفة، رُمِيَ به من فوق القصر، فمات وهو الذي قيل فيه:
وآخر يَهْوى من طَمَارِ قتيل
وكان مَن قُتِلَ معه - رضي الله عنه - من سائر الناس من قبائل العرب، من القبيلة الرجل، والرجلان، والثلاثة، ممن صبر معه.
-
وقد كان ابنا عبد الله بن جعفر، لجأا إلى امرأة عبد الله بن قُطبة الطائي، ثم النبهاني وكانا غلامين لم يبلغا، وقد كان عمر بن سعد، أَمَرَ مناديًا فنادى: من جاء برأس فله ألف درهم، فجاء ابن قُطبة إلى منزله. فقالت له امرأته: إنّ غلامين لجأا إلينا فهل لك أن تشرف بهما فتبعث بهما إلى أهلهما بالمدينة قال: نعم، أرنيهما، فلما رآهما ذبحهما وجاء برءوسهما إلى عُبيد الله بن زياد، فلم يعطه شيئًا، فقال عُبيد الله: وَدِدْتُ أنه كان جَاءَني بهما حَيّين فمنَنَتُ بهما على أبي جعفر - يعني عبد الله بن جعفر - وبلغ ذلك عبد الله بن جعفر، فقال: وددت أنه كان جاءني بهما فأعطيته ألفي ألف.
-
ولم يَفْلتْ من أهل بيت الحسين بن علي الذين معه، إلا خمسة نفر: علي بن حسين الأصغر، وهو أبو بَقيّة ولد الحسين اليوم، وكان مريضًا فكان مع النساء.
-
وحسن بن حسن بن علي وله بقية وعمرو بن حسن بن علي ولا بقية له.
-
والقاسم بن عبد الله بن جعفر ومحمد بن عقيل الأصغر فَإنّ هؤلاء استضْعِفُوا، فَقُدِمَ بهم، وبنساء الحسين بن علي، وهُنَّ: زينب، وفاطمة ابنتا علي بن أبي طالب، وفاطمة، وسُكَينة ابنتا الحسين بن علي، والرباب بنت أُنَيْفْ الكلبية امرأة الحسين بن علي، وهي أم سكينة، وعبد الله المقتول ابني الحسين بن علي وأم محمد بنت حسن بن علي، امرأة علي بن حسين وموالي لهم،
ج ٧ ص ٤٤٤ومماليك عبيد، وإماء، فَقُدِم بهم على عبيد الله بن زياد، مع رأس الحسين بن علي، ورءوس من قتل معه رضي الله عنه وعنهم.
-
ولما قُتل الحسين رضي الله عنه انتهب ثَقَله فأخَذَ سَيْفَه: القُلَانِس النهْشلِي، وأخذ سيفًا آخر: جميع بن الخلق الأودي، وأخذ سراويله، بَحْر - الملعون - بن كعب التميمي فتركه مُجَرَّدًا، وأخذ قطيفته: قَيْس بن الأشعث بن قيس الكِندي، فكان يقال له: قيس قطفه وأخذ نَعليه: الأسود بن خالد الأودي، وأخذ عمامته: جابر بن يزيد، وأخذ: بُرْنُسَه - وكان من خز -: مالك بن بشير الكندي (١) .
-
وأخذ رجلٌ من أهل العراق: حُلِيَ فاطمة بنت حسين وهو يبكي فقال: لم تبكي؟ فقال: أسلب ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبكي؟ فقالت: دَعْه. قال: إني أخاف أن يأخذه غيري.
-
وكان علي بن حسين الأصغر، مريضًا نائمًا على فراش فقال شِمْر بن ذي الجوشن - الملعون -: اقتلوا هذا، فقال له رجلٌ من أصحابه: سبحان الله!! أتقتل فتى حدثا مريضًا لم يقاتل، وجاء عمر بن سعد فقال: لا تَعْرِضوا لهؤلاء النّسْوة ولا لهذا المريض (٢) .
-
قال علي بن حسين، فغيَّبني رجل منهم وأكرم نزلي واحتضنني (٣) وجعل يبكي كلما خرج ودخل، حتى كنت أقول: إن يكن عِنْدَ أحدٍ من الناس وفاءً فعند هذا، إلى أن نادى مُنَادِي ابن زياد: ألا من وجد علي بن حسين، فليأتِ به فقد جَعَلْنا فيه ثلاثمائة درهم قال: فدخل - والله - عَليّ وهو يبكي، وجعل يربط يَدَيّ إلى عنقي وهو يقول: أخاف، فأخرجني - والله - إليهم مربوطًا حتى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر إليها (٤) .
- ج ٧ ص ٤٤٥
فأُخِذْتُ فأُدخِلْتُ على ابن زياد فقال: ما اسمك؟، فقلت: علي بن حسين، قال: أو لم يقتل الله عليًا؟، قال: قلتُ: كان لي أخ يقال له: عليُّ أكبَرَ مني قتله الناس. قال: بل الله قَتَلَه. قلتُ: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [سورة الزمر: ٤٢] .
-
فأمر بقتله، فصاحت زينب بنت علي: يا ابن زياد حَسْبك من دمائنا، أسألك بالله إن قتلته إلا قتلتني معه، فتركه (١) .
قال: ولما أمر عُمر بن سعد بثَقَلِ الحسين أن يدخل الكوفة إلى عبيد الله بن زياد وبعث إليه برأسه مع خَوْلِي بن يزيد الأصبحي.
-
فلما حُمِلَ النساء والصبيان فمروا بالقتلى صرخت امرأة منهن (٢) : يا محمداه، هذا حسين بالعراء مُرَمل بالدماء وأهله ونساؤه سبايا، فما بقى صديق ولا عدو إلا أكبَّ باكيًا (٣) . ثم قُدِمَ بهم على عبيد الله بن زياد، فقال عبيد الله: من هذه؟ فقالوا: زينب بنت علي بن أبي طالب فقال: فكيف رأيتِ الله صنع بأهل بيتك، قالت: كُتِبَ عليهم القَتْلُ فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بيننا وبينك وبينهم.
قال: الحمد لله الذي قتلكم وأكذب حديثكم: قالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمدٍ وطَهّرنا تطهيرا (٤) .
-
فلما وُضِعَت الرءوس بين يدي عبيد الله بن زياد، جعل يضرب بقضيب معه على فِي الحسين وهو يقول:
يُفَلِّقْنَ هامًا من رجال (٥) أعزّة
علينا وَهُم كانوا أَعَقَّ وأَظْلَمَا (٦)
ج ٧ ص ٤٤٦فقال له زَيد بن أرقم: لو نَحّيْتَ هذا القضيب، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان يضع فَاهُ على موضع هذا القضيب.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن أنس بن مالك قال: شهدت عبيد الله بن زياد حيث أتى برأس الحسين - رضي الله عنه -، قال: فجعل ينكت بقضيب معه على أسنانه ويقول: إن كان لَحَسَنُ الثَّغْرِ قال: فقلت والله لأسوءنك فقلت: أما إني قد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل مَوْضِعَ قضيبَك مِنْ فِيْه.
-
رجع الحديث إلى الأول: -
قالوا: وأَمَرَ عبيد الله برأس الحسين فنصب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عطاء بن مسلم، عمّن أخبره، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: أول رأس رفع على خشبةٍ رأسُ الحسين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عيسى بن عبد الرحمن السلمي، عن الشعبي، قال: رأس الحسين أول رأس حمل في الإسلام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا شيبان، عن جابر، عن عامر، قال: رأيت رأس الحسين بن علي بعد أن قُتِلَ قَدْ نَصَلَ (١) الشّيب من صِبْغ السّواد.
-
رجع الحديث إلى الأول: -
قال: وأمر عبيد الله بن زياد بحبس مَنْ قُدِمَ به عليه من بقية أهل الحسين معه في القصر، فقال ذكوان أبو خالد: خَلّ بيني وبين هذه الرءوس فأدفنها، ففعل. فكفنها ودفنها بالجَبّانة، وركب إلى أجسادهم فكفنهم ودفنهم. وكان زهير بن القَيْن قد قتل مع الحسين فقالت امرأته، لغلام له يقال له شجرة: انطلق فكفن مولاك، قال: فجئت فرأيت حسينًا ملقى فقلت: أكفن مولاي وأدع حسينًا!! فكفنت حسينًا، ثم رجعت، فقلت ذاك لها، فقالت: أحسنت وأعطتني كفنًا آخر، وقالت: انطلق فكفّن مولاك، ففعلت.
-
وأقبل عمر بن سعد، فدخل الكوفة فقال: ما رجع رجل إلى أهله بشر مما رجعتُ به، أطعتُ ابن زياد وعصيتُ الله وقطعتُ الرّحم.
ج ٧ ص ٤٤٧قال: وقدم رسول من قبل يزيد بن معاوية يأمر عبيد الله أن يرسل إليه بثَقَل الحسين، ومن بقي من ولده، وأهل بيته، ونسائه، فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم فتجهزوا بها.
-
وقد كان عبيد الله بن زياد لما قُتِلَ الحسين: بعث زَحْر بن قيس الجُعْفِي إلى يزيد بن معاوية يخبره بذلك، فقدم عليه فقال: ما وراءك؟ قال: يا أمير المؤمنين أبشر بفتح الله وبنصره، وَرَدَ علينا الحسين بن عليّ، في ثمانية عشر من أهل بيته وفي سبعين من شيعته، فسرنا إليهم فخيّرناهم الاستسلام والنزول على حكم عبيد الله بن زياد، أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فجعلوا يُبَرْقِطُون إلى غير وَزَرِ ويلوذون مِنّا بالآكام والأَمَرِ والحُفَرِ لِواذًا كما لاذ الحمائم مِنْ صَقْرٍ، فَنَصَرَنا الله عليهم، فوالله يا أمير المؤمنين: ما كان إلا جَزْرَ جَزُورٍ أو نَوْمَة قَائلٍ حتى كفى الله المؤمنين مَؤُنَتهم، فأتينا على آخِرِهم فهاتيك أجسادهم مُطَرّحَة مُجَرّدَة وخدودهم معفَّرَة ومناخرهم مرمّلة (١) تَسْفِي عليهم الرِّيحُ ذيولَها بقيّ سَبْسَب (٢) تنتابهم عُرُج الضبَاع زُوّاهم العِقْبَان والرّخَم.
قال: فدمعت عينا يزيد، وقال: قد كنت (٣) أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين (٤) . وقال: كذلك عاقبة البغي والعقوق. ثم تمثل يزيد:
مَن يَذُق الحربَ يَجِدْ طَعْمَهَا … مُرًّا وتترُكْهُ بِجَعْجَاعِ
قال: وقدم برأس الحسين، مِحْفَزُ بن ثعلبة العائذي - عائذة قريش - على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت أم مِحْفَز أحمق وألأم، لكنّ الرجلَ لم يقرأ كتاب الله {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [سورة آل عمران: ٢٦] (٥) ثم قال بالخيزرانة بين شفتي الحسين وأنشأ يقول:
يُفَلّقْن هامًا من رجال أعزّةِ … علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ج ٧ ص ٤٤٨والشعر لحصين بن الحُمَام المري. فقال له رَجل (١) من الأنصار حضر: ارفع قضيبك هذا فإني رأيت رسول الله يقبل الموضع الذي وضعته عليه.
قال: أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، قال: لما أُتِيَ يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي، جعل ينكت بمخْصَرةٍ معه سِنّه ويقول: ما كنت أظن أبا عبد الله يبلغ هذا السّن. قال: وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود (٢) .
-
رجع الحديث إلى الأول: -
قال: ثم أتى يزيد بن معاوية بثَقَلِ الحسين ومن بقي من أهله ونسائه، فأُدخِلوا عليه قد قُرنوا في الحبال، فوقفوا بين يديه، فقال له علي بن حسين: أنشدك بالله يا يزيد ما ظنك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو رآنا مقرّنين في الحبال، أما كان يرق لنا، فأمر يزيد بالحبال فقطعت وعُرفَ الانكسار فيه.
وقالت له سكينة بنت حسين: يا يزيد، أبنات (٣) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبايا!! فقال: يا بنت أخي هو والله عليّ أشدّ منه عليك، وقال أقسمت بالله لو أن بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه ولكن فرقت بينه وبينه سُمية.
وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، فرحم الله أبا عبد الله عَجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه ثم لم أَقْدِر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه، ولوددتُ أني أُتيت به سالمًا، ثم أقبل على عليّ بن حسين فقال: أبوك قطع رحمي ونازعني سلطاني فجزاه الله جزاء القطيعة والإثم.
-
فقام رجل من أهل الشام فقال: إن سباياهم لنا حلال. فقال علي بن حسين: كذبت ولؤمت ما ذاك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتأتي بغير ديننا فأطرق يزيد مليا، ثم قال للشامي: اجلس. ثم أمر بالنساء فأدخلن على نسائه وأمر نساء آل أبي سفيان فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام، فما بقيت منهن امرأة إلا تلقتنا تبكي وتنتحب، ونُحْنَ على حسين ثلاثًا.
- ج ٧ ص ٤٤٩
وبكت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كُرَيز عَلَى حسين، وهي يومئذ عند يزيد بن معاوية فقال يزيد: حُقّ لها أن تُعْوِل عَلَى كَبِير قريش وسيدها.
وقالت فاطمة بنت علي لامرأة يزيد: ما تُرك لنا شيء. فأبلغت يزيد ذلك، فقال يزيد: ما أَتَى إليهم أعظم، ثم ما ادعوا شيئًا ذهب لهم إلا أضعفه لهم، ثم دعا بعلي بن حسين، وحسن بن حسن، وعمرو بن حسن، فقال لعمرو بن حسن وهو يومئذ ابن إحدى عشرة سنة: أتصارع هذا؟ يعني خالد بن يزيد، قال: لا، ولكن أعطني سكينًا وأعطه سكينا حتى أقاتله، فضمه إليه يزيد، وقال: شِنْشِنَةٌ (١) أعرفها من أخْزَمَ، هل تلد الحية إلا حية (٢) ؟!
-
ثم بعث يزيد إلى المدينة: فقُدِم عليه بعِدّةِ من ذوي السِّن من موالي بني هاشم، ثم من موالي عليّ (٣) ، وضم إليهم أيضًا عِدّةً من موالي أبي سفيان، ثم بعث بثَقَل الحسين ومن بقى من نسائه وأهله وولده معهم، وجهزهم بكل شيء لم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وقال لعلي بن حسين: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فعلت. وإن أحببت أن أردك إلى بلادك وأصلك، قال: بل تردني إلى بلادي. فرده إلى المدينة ووصله، وأمر الرّسل الذين وجّههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا، ومتى شاءوا، وبعث بهم مع مُحْرز بن حُريث الكلبي، ورجل من بهراء، وكانا من أفاضل أهل الشام.
قال: وبعث يزيد برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو عامل له يومئذ على المدينة فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إليّ، فقال مروان: اسكت، ثم تناول الرأس فوضعه بين يديه، وأخذ بأرنبته فقال:
يا حَبّذَا بَرْدُكَ في اليدينِ … ولونك الأحمر في الخدّينِ
كأنما باتا بِمُجْسَدَيْنِ (٤)
- ج ٧ ص ٤٥٠
والله لكأني أنظر إلى أيام عثمان، وسمع عمرو بن سعيد الصّيحة من دور بني هاشم فقال:
عَجّت نساءُ بني زياد عَجّةً … كَعَجِيْجِ نِسْوَتِنَا غداةَ الأرنَبِ
والشعر لعمرو بن مَعْدِيكرِب في وقعة كانت بين بني زُبَيد وبين بني الحارث بن كعب (١) .
-
ثم خرج عمرو بن سعيد إلى المنبر فخطب الناس، ثم ذكر حُسينًا وما كان من أمره، وقال: والله لوددت أن رأسه في جَسَده وروحه في بدنه يَسبُّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصِلُه كعادتنا وعادته، فقام ابن أبي حُبَيش، أحد بني أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ فقال: أما لو كانت فاطمة حية لأحزنها ما ترى.
فقال عَمرو: اسكت لا سكتّ، أتنازعني فاطمة وأنا من عَفّرَ ظِبَابها (٢) ، والله إنه لابننا وإن أمه لابنتنا، أجل والله لو كانت حية لأحزنها قَتْلُه، ثم لم تَلُمْ من قَتَله يدفع عن نفسه. فقال ابن أبي حبيش: إنه ابن فاطمة، وفاطمة بنت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى.
-
ثم أمر عمرو بن سعيد: برأس الحسين فكفّن ودفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة.
وقال عبد الله بن جعفر: لو شهدته لأحببت أن أقتل معه، ثم قال: عزّ عليّ بمصرع حسين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: حدثنا ابن أبي مليكة، قال: بينما ابن عباس جالس في المسجد الحرام وهو يتوقع خَبر الحسين بن عليّ، إلى أن أتاه آتٍ فسارّه بشيء فأظهر الاسترجاع، فقلنا: ما حدث يا أبا العباس؟ قال: مُصيبة عظيمة عند الله نحتسبها (٣) ، أخبرني مولاي أنه سمع ابن الزبير يقول: قُتل الحسين بن علي،
ج ٧ ص ٤٥١فلم يبرح حتى جاءه ابن الزبير فعزّاه ثم انصرف، فقام ابن عباس فدخل منزله ودخل عليه الناس يعزُّونه. فقال: إنه ليعدل عندي مصيبة حسين شماتَةَ ابن الزبير، أترون مشى ابن الزبير إليّ يعزيني إنْ ذلك منه إلا شَماتة (١) .
قال: أخبرنا محمد بن عُمر، قال: فحدثني ابن جُرَيْج، قال: كان الْمِسوَر بن مَخْرَمَة بمكة حين جاء نَعِيّ الحسين بن عليّ، فلقى ابنَ الزبير فقال له: قد جاءك ما كنت تمنّى، موت حسين بن علي، فقال ابن الزبير: يا أبا عبد الرحمن تقول لي هذا؟ فوالله ليته بقي ما بقي بالجمّاء حجر، والله ما تمنيت ذلك له، قال المسور: أنت أشرتَ عليه بالخروج إلى غير وجه، قال: نعم أشرتُ به عليه ولم أدرِ أنهُ يُقتل، ولم يكن بيدي أجله، ولقد جئتُ ابن عباس فعزّيته، فعرفت أن ذلك يثقل عليه مني، ولو أني تركت تعزيته قال: مثلي يُترك!! لا يعزيني بحسين فما أصنع؟ أخوالي وَغِرَة الصدور عليّ، وما أدري على أي شيء ذلك، فقال له المسور: ما حاجتك إلى ذكر ما مضى وَنَثّه (٢) ، دع الأمور تمضي وبرّ أخوالك، فأبوك أحمَدُ عندهم منك (٣) .
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن رجل، قال: سمعت ابن عباس وعنده محمد بن الحنفية، وقد جاءهم نعي الحسين بن علي، وعزاهم الناس. فقال ابن صفوان: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي مصيبة يرحم الله أبا عبد الله وآجركم الله في مصيبتكم. فقال ابن عباس: يا أبا القاسم ما هو إلا أن خرج من مكة فكنْتُ أتوقع ما أصابَه.
قال ابن الحنفية: وأنا والله، فعند الله نحتسبه ونسأله الأجر وحسن الخلف. قال ابن عباس: يا أبا صفوان، أما والله لا يُخَلّد بَعْدُ صاحبُك الشامتُ بموته، فقال ابن صفوان: يا أبا العباس، والله ما رأيت ذلك منه، ولقد رأيته محزونًا بمقتله كثير الترحّم عليه، قال: يريك ذلك لما يعلم من مودتك لنا فوصل الله رحمك، لا يحبنا ابن الزبير أبدًا.
ج ٧ ص ٤٥٢قال ابن صفوان: فخذ بالفضل فأنت أولى به منه.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا قُرة بن خالد، قال: أخبرني عارم بن عبد الواحد، عن شَهر بن حَوْشَب، قال: إنا لعند أم سَلَمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فسمعنا صارخة، فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة فقالت: قتل الحسين. قالت: قد فعلوها، ملأ الله بيوتهم أو قبورهم عليهم نارًا، ووقعت مغشيًا عليها. قال: وقمنا (١) .
قال: أخبرنا الفضل بن دُكَين، قال: حدثنا سفيان، عن نُسَيْر بن ذُعْلُوق، عن هبيرة بن خزيمة، قال: قال الربيع بن خُثَيْم حين قُتل الحسين: {اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [سورة الزمر: ٤٦] .
قال: أخبرنا الفضل بن دُكَيْن، قال: حدثنا فِطْر، عن منذر، قال: لما قتل الحسين، قال أشياخ من أهل الكوفة فيهم أبو بردة: اذهبوا بنا إلى الربيع بن خثيم حتى نعلم رأيه، فأتوه، فقالوا: إنه قد قتل الحسين، قال: أرأيتم لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل الكوفة وفيها أحد من أهل بيته فيمن كان ينزل إلا عليهم؟ فعلموا رأيه.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان، عن شيخ، قال: لما أصيب الحسين بن علي، قال الربيع بن خثيم: لقد قتلوا صِبْية لو أدركهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأجلسهم في حِجْره ولوضع فمه على أفمامهم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا فِطر، عن منذر، قال: كنا إذا ذكرنا الحسين بن علي ومَن قُتِلَ معه، قال محمد بن الحنفية: قد قَتَلوا سبعة عشر شابًا كلهم قد ارتكضوا في رَحِمَ فاطمة.
قال: أخبرنا عمرو بن خالد المصري، قال: حدثنا ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، قال: لقيني رأس الجالوت، فقال: والله إنّ بيني وبين داود لسبعين أبًا، وإن اليهود لتلقاني فتعظمني، وأنتم ليس بينكم وبين نبيكم إلا أب واحد قتلتم ولده.
ج ٧ ص ٤٥٣قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، قال: حدثني عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، قال: مر عمر بن سعد - يعني ابن أبي وقاص - بمجلس بني نَهْد حين قَتل الحسين فسلم عليهم، فلم يَردوا عليه السلام، قال مالك: فحدثني أبو عُيينة البارقي، عن عبد الرحمن بن حميد، في هذا الحديث قال: فلما جازَ قال:
أتيتُ الذي لم يأتِ قبلي ابنُ حُرّة … فَنَفْسي ما أخزت وقومي أذلتِ
-
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثني الهيثم بن الخطاب النهدي، قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي، يقول: كان شِمْر بن ذي الجوشن الضبابي لا يكاد أو لا يحضر الصلاة معنا فيجيء بعد الصلاة فيصلي، ثم يقول: اللهم اغفر لي فإني كريم لم تلدني اللئام، قال: فقلت له: إنك لسيئ الرأي يوم تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعنا منك يا أبا إسحاق، فلو كنا كما تقول وأصحابك كنا شرًّا من الحمير السّقّاءات.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: رأيت قَاتِل حُسين بن علي شِمْر بن ذي الجوشن ما رأيت بالكوفة أحدًا عليه طَيْلَسان غيره.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا شريك، عن مغيرة، قال: قالت مُرْجَانة لابنها عبيد الله بن زياد: يا خَبِيث، قتلتَ ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا ترى الجنة أبدًا.
قال: أخبرنا علي بن محمد، عن سفيان، عن عبد الله بن شريك، قال: رأيت بشر بن غالب يَتَمَرّغ على قبر الحسين ندامةً على ما فاته من نصره.
قال: أخبرنا علي بن محمد، عن حُبَاب بن موسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، قال: حُمِلْنا من الكوفة إلى يزيد بن معاوية، فغصّت طرق الكوفة بالناس يبكون، فذهب عامة الليل ما يقدِرُون أن يجُوزوا بنا لكثرة الناس، فقلت: هؤلاء الذين قتلونا وهم الآن يبكون.
قال: أخبرنا علي بن محمد، عن عبد الحميد بن بَهْرام، عن شَهْر بن حَوْشَب، قال: سمعتُ أم سلمة حين أتاها قتل الحسين: لَعَنتْ أهلَ العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله، غَرّوه ودلّوه لعنهم الله.
ج ٧ ص ٤٥٤قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا سليمان بن مسلم، صاحب السّقط عن أبيه، قال: كان أول من طعن في سرادق الحسين عمر بن سعد، قال: فرأيته هو وابنيه ضُرِبَت أعناقهم، ثم علقوا على الخشب، وأْلهِبَ فيهم النيران، قال: ثم أخبرنا به موسى بن إسماعيل بعد ذلك، فقال: حدثنا أبو المعلى العجلي، عن أبيه.
قال محمد بن سعد: فحملناه على أنه سليمان بن مسلم.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الملك بن عمرو أبو عامر العقَدي، قالا: حدثنا قُرّة بن خالد، قال: حدثنا أبو رجاء، قال: لا تسبوا عليا يا لَهْفتا على أسهم رَمَيتُه بهنّ يوم الجمل مع ذاك قَصُرْن والحمد لله عنه. قال: إنّ جارًا لنا من بَلْهُجيم جاءنا من الكوفة، فقال: ألم تروا إلى الفاسق ابن الفاسق قتله الله، الحسينِ بن علي، قال: فرماه الله بكوكبين في عينيه فذهب بصره (١) .
قال: أخبرنا الفضل بن دُكَين ومالك بن إسماعيل، قالا: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كُردُوس، عن حاجب عبيد الله بن زياد، قال: دخلت معه القصر حين قتل الحسين، قال فاضطرم في وجهه نارًا أو كلمة نحوها، فقال: هكذا بكمّه على وجهه. وقال لا تحدثن بهذا أحدًا.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم ويحيى بن عَبّاد وكثير بن هشام ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عمار بن أبي عمار، عن أم سلمة قالت: سمعت الجنّ تنوح على الحسين (٢) .
قال: أخبرنا علي بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، عن حنش بن الحارث، عن شيخ من النخع، قال: قال الحجاج: من كان له بلاء فليقم؟ فقام قوم فذكروا، وقام سنان بن أنس فقال: أنا قاتل حسين، فقال: بلاء حسن، ورجع سنان إلى منزله، فاعتقِلَ لسانه، وذهب عَقْله، فكان يأكل ويُحْدِث في مكانه.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثتنا أم شوق العَبْدِية، قالت:
ج ٧ ص ٤٥٥حدثتني نَضْرة الأزدية، قالت: لما قُتِلَ الحسين بن عليّ مطرت السماء دمًا، فأصبحت خيامنا وكل شيء مِنّا مُلِئ دَم (١) .
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا سُلَيم القاصّ، قال: مُطِرنا دمًا يوم قتل الحسين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني نَجِيح، عن رجل من آل سعيد يقول: سمعت الزهري، يقول: سألني عبد الملك بن مروان، فقال: ما كان علامة مقتل الحسين؟ قال: لم تكشف يومئذ حجرًا إلا وجدت تحته دَمًا عبيطًا، فقال عبد الملك: أنا وأنت في هذا غريبان (٢) .
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت، فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ فقال ابن رأس الجالوت: ما كُشِفَ يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدثنا خلاد - صاحب السمسم - وكان ينزل بني جَحدر قال: حدثتني أمي، قالت: كنا زمانًا يوم مقتل الحسين، وإن الشمس تطلع محْمرّة على الحيطان والجُدُر بالغداة والعشي، قالت: وكانوا لا يرفعون حجرًا إلا وجدوا تحته دمًا.
قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: لم تُرَ هذه الحُمْرة في آفاق السماء حتى قُتل الحسين بن علي - رحمه الله -.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا يوسف بن عبدة، قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: لم تكن ترى هذه الحُمْرة في السماء عند طلوع الشمس وعند غروبها حتى قُتل الحسين - رضي الله عنه -.
-
قال: أخبرنا عليّ بن محمد، عن علي بن مُدْرِك، عن جَدّه الأسود بن
ج ٧ ص ٤٥٦قيس، قال: أحمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر يُرَى ذلك في آفاق السماء كأنها الدم (١) . قال: فحدثت بذلك شَرِيكًا، فقال لي: ما أنت من الأسود؟ قلت هو جَدّي أبو أمي، قال: أما والله إن كان لَصَدُوق الحديث عظيم الأمانة مُكْرِمًا للضيف.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا عقبة بن أبي حَفْصة السّلولي، عن أبيه، قال: إنْ كان الوَرْس من وَرْس الحسين ليقال به هكذا فيصير رَمادًا (٢) .
-
رجع الحديث إلى الأول: -
قالوا (٣) : وكان سليمان بن صُرَد الخزاعي فيمن كَتَبَ إلى الحسين بن علي أن يقدَم الكوفة (٤) ، فلما قَدِمها أمسك عنه ولم يقاتل معه، فلما قُتِلَ الحسين رحمه الله ورضي عنه، ندم هو والمسيّب بن نَجَبَة الفزاري وجميع من خذل الحسين ولم يقاتل معه، فقالوا: ما المخرج والتوبة مما صنعنا؟! فخرجوا فعسكروا بالنُّخَيْلَة لمستهلّ شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وولوا أمرهم سليمان بن صُرَد، وقالوا: نخرج إلى الشام فنطلبُ بدم الحسين، فسموا التوابين، وكانوا أربعة آلاف فخرجوا فأتوا عين الوردة وهي بناحية قَرْقِيسِياء، فلقيهم جَمْع أهل الشام وهم عشرون ألفًا عليهم الحُصَين بن نُمَير فقاتلوهمْ فترجّل سليمان بن صُرَد وقاتل، فرماه يزيد بن الحُصَين بن نُمَير بسهم فقتله فسقط وقال: فُزْتُ ورب الكعبة، وقُتِل عامّة أصحابه ورجع من بقي منهم إلى الكوفة.
قالوا: وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجَّاج بن يوسف، أما بعد يا حجَّاج، فجنبني دماء بني عبد المطلب فإني رأيتُ آل حرب لما قتلوهم لم يُنَاظَروا.