١٥٠٥ - محمد بن الحنفية

٧٥ فقرة، ج ٨ ص ٩٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا شُرَحْبيل بن أبي عَوْن عن أبيه قال: رأيتُ أصحاب ابن الحنفيّة يلبّون بعرفة ورمقتُ ابن الزبير وأصحابه فإذا هم يلبّون حتّى زاغت الشمس، ثمّ قُطع، وكذلك فعلت بنو أميّة. وأمّا نَجْدة فلبّى حتّى رمى جَمْرة العَقَبة.

    ج ٨ ص ١٠٦
  2. أخبرنا المعلّى بن أسد قال: حدّثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدّثنا خالد قال: حدّثنى أبو العُرْيان المُجاشعى قال: بعثنا المختار في ألفى فارس إلى محمّد بن الحنفيّة، قال: فكنّا عنده، قال: فكان ابن عبّاس يذكر المختار فيقول: أدرك ثأرنا وقضى ديوننا وأنفق علينا. قال: وكان محمّد بن الحنفيّة لا يقول فيه خيرًا ولا شرًّا، قال: فبلغ محمدًا أنّهم يقولون إنّ عندهم شيئًا، أى من العلم، قال: فقام فينا فقال: إنّا والله ما ورثنا من رسول الله إِلَّا ما بين هذين اللوحين. ثمّ قال: اللهمّ حِلًّا وهذه الصحيفة في ذؤابة سيفى. قال فسألتُ: وما كان في الصحيفة؟ قال: من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا.

  3. أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنى الوليد الرمّاح قال: بلغنا أنّ محمّد بن عليّ أخرج من مكّة فنزل شعب عليّ فخرجنا من الكوفة لنأتيه فلقينا ابن عبّاس، وكان ابن عبّاس معه في الشعب فقال لنا: احصوا سلاحكم ولبّوا بعمرة، ثمّ ادْخلوا البيت وطوفوا به وبين الصفا والمروة.

  4. أخبرنا هَوْذة بن خليفة قال: حدّثنا عوف عن ميمون عن وردان قال: كنت في العصابة الذين انتدبوا إلى محمّد بن عليّ، قال: وكان ابن الزبير قد منعه أن يدخل مكّة حتّى يبايعه فأبَى أن يبايعه، قال: فانتهينا إليه فأراد أهل الشأم فمنعه عبد الملك أن يدخلها حتّى يبايعه فأبَى عليه، قال: فسرنا معه ما سرنا ولو أمرنا بالقتال لقاتلنا معه، فجمعنا يومًا فقسم فينا شيئًا وهو يسير، ثمّ حمد الله وأثنى

    ج ٨ ص ١٠٧عليه ثمّ قال: الحقوا برحالكم واتّقوا الله وعليكم بما تعرفون ودعُوا ما تُنْكِرون وعليكم بخاصّة أنفسكم ودعوا أمر العامّة واستقروا عن أمرنا كما استقرت السماء والأرض، فإنّ أمرنا إذا جاء كان كالشمس الضاحية.

    قالوا: وقُتل المختار بن أبي عبيد في سنة ثمانٍ وستّين، فلمّا دخلت سنة تسعٍ وستيّن أرسل عبد الله بن الزبير عُرْوة بن الزبير إلى محمّد بن الحنفيّة: إنّ أمير المؤمنين يقول لك إنى غير تاركك أبدًا حتّى تبايعنى أو أعيدك في الحبس وقد قتل الله الكذّاب الذى كنتَ تدّعى نصرته، وأجمع عليّ أهلُ العراقين، فبايْع لى وإلّا فهى الحرب بيني وبينك إن امتنعتَ. فقال ابن الحنفيّة لعروة: ما أسرع أخاك إلى قطع الرحم والاستخفاف بالحقّ، وأغفله عن تعجيل عقوبة الله، ما يشكّ أخوك في الخلود وإلّا فقد كان أحمد للمختار ولهديه منى، والله ما بعثتُ المختار داعيًا ولا ناصرًا، وللمختار كان إليه أشدّ انقطاعًا منه إلينا، فإن كان كذّابًا فطالما قرّبه على كذبه، وإن كان على غير ذلك فهو أعلمُ به، وما عندى خلاف، ولو كان خلاف ما أقمتُ في جواره ولخرجتُ إلى من يدعونى فأبيت ذلك عليه، ولكن هاهنا والله لأخيك قرينًا يطلب مثل ما يطلب أخوك، كلاهما يقاتلان على الدنيا: عبد الملك بن مروان. والله لكأنّك بجيوشه قد أحاطت برقبة أخيك وإنى لأحسب أنّ جوار عبد الملك خير لى من جوار أخيك، ولقد كتب إليّ يعرض عليّ ما قِبَله ويدعونى إليه (١) .

    قال عروة: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أستخير الله وذلك أحبّ إلى صاحبك. قال: أذكر ذلك له. فقال بعض أصحاب محمّد بن الحنفيّة: والله لو أطعتَنا لضربنا عنقه. فقال ابن الحنفيّة: وعَلَام أضرب عنقه؟ جاءنا برسالة من أخيه وجاورنا فجرى بيننا وبينه كلام فرددناه إلى أخيه. والذى قلتم غدر وليس في الغدر خير، لو فعلتُ الذى تقولون لكان القتال بمكّة وأنتم تعلمون أنّ رأيى لو اجتمع النَّاس عليّ كلّهم إِلَّا إنسان واحد لمّا قاتلتُه. فانصرف عروة فأخبر ابن الزبير بما قال له محمّد بن الحنفيّة، قال والله ما أرى أن تعرض له، دَعْه فليخرج

    ج ٨ ص ١٠٨عنك ويغيّب وجهه فعبد الملك أمامه لا يتركه يُحلّ بالشأم حتّى يبايعه، وابن الحنفيّة لا يبايعه أبدًا حتّى يجتمع النَّاس عليه، فإن صار إليه كفاكه إمّا حَبَسَهُ وإمّا قَتَله فتكون أنت قد برئت من ذلك. فأفثأ ابن الزبير عنه (١) ؟

    فقال أبو الطّفيل: وجاء كتاب من عبد الملك بن مروان ورسول حتّى دخل الشِّعْبَ فقرأ محمّد بن الحنفيّة الكتاب. فقرأ كتابًا لو كتب به عبد الملك إلى بعض إخوته أو ولده ما زاد على ألطافه، وكان فيه: إنّه قد بلغنى أنّ ابن الزبير قد ضيّق عليك وقطع رحمك واستخفّ بحقّك حتّى تبايعه فقد نظرت لنفسك ودينك وأنت أعرف به حيث فعلتَ ما فعلت، وهذا الشأم فأنْزل منه حيث شئتَ فنحن مكرموك وواصلو رحمك وعارفو حقّك. فقال ابن الحنفيّة لأصحابه: هذا وجه نخرج إليه. قال فخرج وخرجنا معه ومعه كُثَيّر عَزّة ينشد شعرًا:

    أنْتَ إمَامُ الحَقّ لَسْنا نَمْتَرِىْ … أنْتَ الّذى نَرْضَى بهِ ونَرْتَجِىْ

    أنْتَ ابنُ خَيرِ النّاسِ من بَعد النَّبِيِّ … يا بنَ عليّ سِرْ وَمَنْ مثلُ عَلِىْ

    حتّى تَحُلّ أرْضَ كَلْبٍ وبلىْ

    قال أبو الطُّفيل: فسرنا حتّى نزلنا أيْلة فجاورونا بأحسن جوار وجاورناهم بأحسن ذلك وأحبّوا أبا القاسم حبًّا شديدًا وعظّموه وأصحابه، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ولا يُظْلَم أحد من النَّاس قرْبنا ولا بحضرتنا. فبلغ ذلك عبد الملك فشقّ ذلك عليه وذكره لقبيصة بن ذُؤيب ورَوْح بن زِنْباع وكانا خاصّته فقالا: ما نرى أن ندعه يقيم في قُرْبه منك وسيرته سيرته حتّى يبايع لك أو تصرفه إلى الحجاز. فكتب إليه عبد الملك: إنّك قدمت بلادى فنزلت في طرفٍ منها، وهذه الحرب بينى وبين ابن الزبير كما تعلم، وأنت لك ذكر ومكان، وقد رأيتُ أن لا تقيم في سلطانى إِلَّا أن تبايع لى، فإن بايعتنى فخذ السفن التى قدمت علينا من القُلْزُم وهى مائة مركب فهى لك وما فيها، ولك ألفًا ألف درهم أعجّل لك منها خمسمائة ألف وألف ألف وخمسمائة ألف آتِيَتُك مع ما أردتَ من فريضة لك ولولدك ولقرابتك ومواليك ومن معك، وإن أبيتَ فتحوّلْ عن بلدى إلى موضعٍ

    ج ٨ ص ١٠٩لا يكون لى فيه سلطان. قال فكتب إليه محمّد بن عليّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمّد بن عليّ إلى عبد الملك بن مروان، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إِلَّا هو، أمّا بعد فقد عرفتَ رأيى في هذا الأمر قديمًا، وإنى لستُ أسفهُه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمّة عليّ إِلَّا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدًا ولا اعتزلتهم حتّى يجتمعوا. نزلت مكّة فرارًا ممّا كان بالمدينة فجاورتُ ابن الزبير فأساء جوارى وأراد منى أن أبايعه فأبيتُ ذلك حتّى يجتمع النَّاس عليك أو عليه، ثمّ أدخُل فيما دخل فيه النَّاس فأكون كرجلٍ منهم، ثمّ كتبتَ إليّ تدعونى إلى ما قِبلَك فأقبلتُ سائرًا فنزلتُ في طرف من أطرافك، والله ما عندى خلاف ومعى أصحابي فقلنا بلاد رخيصة الأسعار وندنو من جوارك ونتعرّض صلتك. فكتبتَ بما كتبت به ونحن منصرفون عنك إن شاء الله.

  5. أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو عَوانة، عن أبي جَمْرَة (١) قال: كنتُ مع محمّد بن عليّ فسرنا من الطائف إلى أيْلة بعد موت ابن عبّاس بزيادة على أربعين ليلة. قال وكان عبد الملك قد كتب لمحمد عهدًا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتّى يصطلح النَّاس على رجل، فإذا اصطلحوا على رجل بعهد من الله وميثاق كتبه عبد الملك. فلمّا قدم محمّد الشأم بعث إليه عبد الملك: إمّا أن تبايعنى وإمّا أن تخرج من أرضى -ونحن يومئذٍ معه سبعة آلاف- فبعث إليه محمّد بن عليّ: على أن تُؤَمِّن أصحابي، ففعل، فقام محمّد فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: الله وليّ الأمور كلّها وحاكمها، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كلّ ما هو آتٍ قريب، عجلتم بالأمر قبل نزوله، والذى نفسى بيده إنّ في أصلابكم لمن يقاتل مع آل محمّد ما يخفى على أهل الشرك أمرُ آل محمّد وأمر آل محمّد مستأخر. والذى نفس محمّد بيده ليعودنّ فيكم كما بدأ. الحمد الله الذى حقن دماءكم وأحرز دينكم! من أحبّ منكم أن يأتى مأمنه إلى بلده آمنا محفوظًا فليفعل. فبقى معه تسعمائة رجلٍ فأحرم بعمرة وقلّد هديًا فعمدنا إلى البيت فلمّا أردنا أن ندخل الحرم تلقّتْنا خيل ابن الزبير فمنعتنا أن ندخل، فأرسل إليه محمّد: لقد خرجتُ وما أريد أن أقاتلك ورجعتُ وما أريد أن أقاتلك، دَعْنا

    ج ٨ ص ١١٠فلندخل ولنَقْضِ نسكنا ثمّ لنخرج عنك. فأبَى، ومعنا البُدُن قد قلّدناها، فرجعنا إلى المدينة فكنّا بها حتّى قدم الحجّاج فقتل ابن الزبير ثمّ سار إلى البصرة والكوفة، فلمّا سار مضينا فقضينا نسكنا. وقد رأيتُ القمل يتناثر من محمّد بن عليّ. فلمّا قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة فمكث ثلاثة أشهر ثمّ توفّى (١) .

  6. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسماعيل بن مسلم الطائى عن أبيه قال: كتب عبد الملك بن مروان: من عبد الملك أمير المؤمنين إلى محمّد بن عليّ. فلمّا نظر إلى عنوان الصحيفة قال: إنّا لِلَّه وَإنّا إلَيهِ راجعُونَ، الطُّلَقاء ولُعنَاء رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، على منابر النَّاس، والذى نفسى بيده إنّها لأمور لم يقرّ قرارها.

    قال أبو الطّفيل: فانصرفنا راجعين فأذن للموالى ولمن كان معه من أهل الكوفة والبصرة فرجعوا من مَدْيَن، ومضينا إلى مكّة حتّى نزلنا معه الشّعْب بمنى، فما مكثنا إِلَّا ليلتين أو ثلاثًا حتّى أرسل إليه ابن الزبير أن اشخص من هذا المنزل ولا تجاورنا فيه. قال ابن الحنفيّة: اصْبر وما صبرك إِلَّا بالله وما هو بعظيم من لا يصبر على ما لا يجد من الصبر عليه بُدًّا حتّى يجعل الله له منه مخرجًا، والله ما أردتُ السيف ولو كنتُ أريده ما تعبّث بي ابن الزبير ولو كنتُ أنا وحدى ومعه جموعه التي معه، ولكن والله ما أردتُ هذا وأرى ابن الزبير غير مُقْصِر عن سوء جوارى فسأتحوّل عنه. ثمّ خرج إلى الطائف فلم يزل بها مقيمًا حتّى قدم الحجّاج لقتال ابن الزبير لهلال ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين، فحاصر ابن الزبير حتّى قتله يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة. وحجّ ابن الحنفيّة تلك السنة من الطائف ثمّ رجع إلى شعبه فنزله.

  7. أخبرنا محمّد بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي الموال، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحنفيّة عن أبيه قال: لمّا صار محمّد بن عليّ إلى الشعب سنة اثنتين وسبعين وابن الزبير لم يُقْتل والحجّاج محاصره أرسل إليه أن يبايع لعبد الملك، فقال ابن الحنفيّة: قد عرفتَ مقامى بمكّة وشخوصى إلى الطائف وإلى الشأم، كلّ هذا إباء منى أن أبايع ابن الزبير أو عبد الملك حتّى يجتمع النَّاس على

    ج ٨ ص ١١١أحدهما، وأنا رجل ليس عندى خلاف، لمّا رأيتُ النَّاس اختلفوا اعتزلتهم حتّى يجتمعوا، فأويتُ إلى أعظم بلاد الله حرمة يأمن فيه الطير فأساء ابن الزبير جوارى، فتحوّلتُ إلى الشأم فكره عبد الملك قُرْبى، فتحوّلت إلى الحرم فإن يُقتْل ابن الزبير ويجتمع النَّاس على عبد الملك أبايعك. فأبَى الحجّاج أن يرضى بذلك منه حتّى يبايع لعبد الملك، فأبَى ذلك ابن الحنفيّة وأبَى الحجّاج أن يُقِرّه على ذلك. فلم يزل محمّد يدافعه حتّى قُتل ابن الزبير.

  8. أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسدى قالا: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدّثنى سهل بن عُبيد بن عمرو الحارثى قال: لمّا بعث عبد الملك الحجّاج إلى مكّة والمدينة قال له: إنّه ليس لك على محمّد بن الحنفيّة سلطان. قال فلمّا قدم الحجّاج أرسل إليه الحجّاج يتوعّده ثمّ قال: إنى لأرجو أن يمكّن الله منك يومًا من الدهر ويجعل لى عليك سلطانا فأفعلُ وأفعلُ. قال: كذبتَ يا عدوّ نفسه! هل شعرتَ أنْ لله في كلّ يومٍ ستّون وثلاثمائة لحظة أو نفحة؟ فأرجو أن يرزقنى الله بعض لحظاته أو نفحاته فلا يجعل لك على سلطانًا. قال فكتب بها الحجّاج إلى عبد الملك فكتب بها عبد الملك إلى صاحب الروم فكتب إليه صاحب الروم: إنّ هذه والله ما هى من كنزك ولا كنز أهل بيتك ولكنّها من كنز أهل بيت نبوّة.

  9. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر عن صالح بن كَيْسان، عن الحسن بن محمّد بن عليّ قال: لم يبايع أبي الحجّاج، لمّا قُتل ابن الزبير بعث الحجّاج إليه فجاء فقال: قد قتل الله عدوّ الله، فقال ابن الحنفيّة: إذا بايع النَّاس بايعتُ. قال: والله لأقتلنّك! قال: أو لا تدرى أنْ لله في كلّ يومٍ ثلاثمائة وستّون لحظة في كلّ لحظة ثلائمائة وستّون قضيّة؟ فلعلّه يكفيناك في قضيّة من قضاياه (١) .

  10. قال فكتب بذلك الحجّاج إلى عبد الملك فأتاه كتابه فأعجبه، وكتب به إلى صاحب الروم، وذلك أنّ صاحب الروم كتب إليه يهدّده أنَّه قد جمع له جموعًا كثيرة، فكتب عبد الملك بذلك الكلام إلى صاحب الروم، وكتب: قد عرفنا أنّ

    ج ٨ ص ١١٢محمدًا ليس عنده خلاف وهو يأتيك ويبايعك فارْفق به. فلمّا اجتمع النَّاس على عبد الملك وبايع ابن عمر قال ابن عمر لابن الحنفيّة: ما بقى شيء فبايعْ. فكتب ابن الحنفيّة إلى عبد الملك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من محمّد بن عليّ، أمّا بعد فإنِّي لمّا رأيتُ الأمّة قد اختلفت اعتزلتهم، فلمّا أفضى هذا الأمر إليك وبايعك النَّاس كنت كرجلٍ منهم أدخل في صالح ما دخلوا فيه، فقد بايعتُك وبايعتُ الحجّاج لك وبعثتُ إليك ببيعتى، ورأيتُ النَّاس قد اجتمعوا عليك، ونحن نحبّ أن تُؤمننا وتُعطينا ميثاقًا على الوفاء فإنّ الغدر لا خير فيه، فإن أبيتَ فإنّ أَرْضَ الله واسعَةٌ (١) .

  11. فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب قال قَبيصة بن ذُؤيب ورَوْح بن زِنْباع: ما لك عليه سبيل، ولو أراد فتقًا لقدر عليه، ولقد سلم وبايع فنرى أن تكتب إليه بالعهد والميثاق بالأمان له والعهد لأصحابه. ففعل فكتب إليه عبد الملك: إنّك عندنا محمود، أنت أحبّ وأقربُ بنا رحمًا من ابن الزبير، فلك العهد والميثاق وذمّة الله وذمّة رسوله أن لا تُهاج ولا أحد من أصحابك بشيء تكرهه، ارْجع إلى بلدك واذْهَب حيث شئت، ولستُ أدعُ صلتك وعونك ما حييتُ. وكتب إلى الحجّاج يأمره بحسن جواره وإكرامه، فرجع ابن الحنفيّة إلى المدينة (٢) .

  12. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: لمّا صار محمّد بن عليّ إلى المدينة وبنى داره بالبقيع كتب إلى عبد الملك يستأذنه في الوفود عليه، فكتب إليه عبد الملك يأذن له في أن يقدم عليه، فوفد عليه سنة ثمانٍ وسبعين وهى السنة التى مات فيها جابر بن عبد الله، فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له بمنزل قريب منه، وأمر أن يُجرى عليه نُزْل يكفيه ويكفى من معه. وكان يدخل على عبد الملك في إذْن العامّة، إذا أذن عبد الملك بدأ بأهل بيته ثمّ أذن له فسلّم، فمرَّة يجلس ومرَّة ينصرف. فلمّا مضى من ذلك شهر أو قريب منه كلّم عبد الملك خاليًا فذكر قرابته ورحمه وذكر دَيْنًا عليه فوعده عبد الملك أن يقضى دينه وأن يصل رحمه

    ج ٨ ص ١١٣وأمره أن يرفع حوائجه. فرفع محمّد دينه وحوائجه وفرائضَ لولده ولغيرهم من حامّته (١) ومواليه فأجابه عبد الملك إلى ذلك كلّه وتعسّر عليه في الموالى أن يفرض لهم وألحّ عليه محمّد ففرض لهم فقصّر بهم فكلّمه فرفع في فرائضهم، فلم يبقَ له حاجة إلَّا قضاها، واستأذنه في الانصراف فأذن له.

  13. أخبرنا محمّد بن عمر قال: فحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال ابن الحنفيّة: وفدتُ على عبد الملك فقضى حوائجى وودّعته، فلمّا كدتُ أن أتوارى من عينيه نادانى: أبا القاسم أبا القاسم! فكررتُ فقال لى: أما تعلم أنّ الله يعلم أنّك يوم تصنع بالشيخ ما تصنع ظالم له؟ يعنى حين أخذ ابن الحنفيّة مروان بن الحكم يوم الدار فدعثه بردائه. قال عبد الملك: وأنا أنظر إليه ولى يومئذٍ ذؤابة.

  14. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدَّثَنِى موسى بن عُبيدة، عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب قال: وفدتُ مع أبان بن عثمان على عبد الملك بن مروان وعنده ابن الحنفيّة، فدعا عبد الملك بسيف النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فأُتى به ودعا بصيقل (٢) فنظر إليه فقال: ما رأيتُ حديدة قطّ أجود منها. قال عبد الملك: ولا والله ما أرى النَّاس مثل صاحبها. يا محمّد هَبْ لى هذا السيف. فقال محمّد: أيّنا رأيت أحقّ به فليأخذه. قال عبد الملك: إن كان لك قرابة فلكلٍّ قرابةٌ وحقّ. قال فأعطاه محمّد عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا -يعنى الحجاج وهو عنده- قد آذانى واستخفّ بحقّى، ولو كانت خمسة دراهم أرسل إليَّ فيها. فقال عبد الملك: لا إمرة لك عليه (٣) . فلمّا ولّى محمّد قال عبد الملك للحجّاج: أدركْه فسُلّ سَخِيمَتَهُ فأدركه فقال: إن أمير المؤمنين أرسلنى إليكَ لأَسُلَّ سخيمتك ولا مرحبًا بشيء ساءك. فقال محمّد: ويحك يا حجّاج اتّقِ الله واحذر الله، ما من صباح يصبحه العباد إِلَّا لله في كلّ عبد من عباده ثلاثمائة وستّون لحظة، إن أخذ، أخذ بمقدرة، وإن عفا، عفا بحلم، فاحْذر الله. فقال له الحجّاج: لا تسألنى شيئًا إلّا أعطيتُكه. فقال له محمّد:

    ج ٨ ص ١١٤وتفعل؟ قال له الحجّاج: نعم. قال: فإنّى أسألك صَرْم الدهر. قال فذكر الحجّاج ذلك لعبد الملك، فأرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت فذكر له الذى قال محمّد وقال: إنّ رجلًا منّا ذكر حديثًا ما سمعناه إِلَّا منه. وأخبره بقول محمّد، فقال رأس الجالوت: ما خرجت هذه الكلمة إلّا من بيت نبوّة (١) .

  15. أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنّ الحجّاج أراد أن يضع رجله على المقام فزجره ابن الحنفيّة ونهاه (٢) .

  16. أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: حدّثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجَعْد قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة دخل الكعبة فصلّى في كلّ زاوية ركعتين، ثمانى ركعات.

  17. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان قال: قال محمّد بن الحنفيّة: لا تذهب الدنيا حتّى تكون خصومات النَّاس في ربّهم.

  18. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يرمى الجمار على برذون أشهب (٣) .

    قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد قال: حدّثنى سفيان التمّار قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة موسعًا رأسه بالحنّاء والكتم يوم التروية وهو محرم (٤) .

    قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل قال: حدّثنى ثُوير قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة يخضب بالحناء والكتم.

  19. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى مروان بن معاوية عن سفيان التمّار قال: رأيتُ ابن الحنفيّة أشعر بُدُنه في الشقّ الأيمن.

  20. أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: حدّثنا سفيان عن سليمان الشيباني قال: رأيتُ على محمّد بن الحنفيّة مِطْرَف خزّ أصفر بعرفة (٥) .

  21. أخبرنا أبو معاوية الضرير عن أبي إسحاق الشيباني قال: رأيتُ على ابن الحنفيّة مطرف خزّ بعرفات.

    ج ٨ ص ١١٥
  22. أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن رِشْدين قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة يعتمّ بعمامةٍ سوداء حَرَقانيّة ويُرْخيها شِبرًا أو أقل من شبر (١) .

    قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيتُ على محمّد بن الحنفيّة عمامة سوداء.

  23. أخبرنا القاسم بن مالك المُزَنى عن نصر بن أوس قال: رأيتُ على محمّد بن على بن الحنفيّة ملحفة صفراء وسخة.

  24. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: قال لى محمّد بن الحنفيّة: ما منعك أن تلبس الخزّ فإنّه لا بأس به؟ قلت: إنّه يُجْعل فيه الحرير.

  25. أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: حدّثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يخضب بالحنّاء والكتم فقلتُ له: أكان عليّ يخضب؟ قال: لا، قلت: فما لك؟ قال: أتشبّب به للنساء (٢) .

    قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدثّنا أبو نُعيم الخزّاز قال: سمعتُ صالح بن ميسم قال: رأيتُ في يد محمّد بن عليّ بن الحنفيّة أثر الحنّاء فقلتُ له: ما هذا؟ فقال: كنتُ أخضب أمّي.

  26. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسَديّ وقَبيصة بن عُقْبة قالا: حدّثنا سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن أبي يَعْلى عن محمّد بن الحنفيّة أنّه كان يذوّب أمّه ويمشطها.

  27. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيتُ محمّد بن الحنفيّة مخضوبًا بالحنّاء، ورأيته مكحول العينين، ورأيتُ عليه عمامة سوداء.

  28. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا عبد الواحد بن أيمن قال: أرسلنى أبي إلى محمّد بن الحنفيّة فدخلتُ عليه وهو مكحّل العينين مصبوغ اللحية بحمرة فرجعتُ إلى أبي فقلت: أرسلتني إلى شيخ مخنّث! فقال: يا ابن اللخناء ذاك محمّد بن عليّ.

    ج ٨ ص ١١٦
  29. أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا فِطْر بن خليفة عن منذر الثورى عن ابن الحنفيّة أنّه كان يشرب نبيذ الدّنّ.

  30. أخبرنا محمّد بن الصّلْت قال: حدّثنا ربيع بن المنذر عن أبيه قال: كنّا مع ابن الحنفيّة، فأراد أن يتوضّأ وعليه خفّان، فنزع خُفَّيْه، ومسح على قدميه (١) .

  31. أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابي عن إسماعيل الأزرق عن أبى عمر أنّ ابن الحنفيّة كان يغتسل في العيدين وفي الجمعة وفي الشعب. قال وكان يغسل أثر المحاجم.

  32. أخبرنا يَعْلى بن عُبيد قال: أخبرنا رِشْدِين بن كُريب قال: رأيتُ ابن الحنفيّة يتختّم في يساره.

  33. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا عليّ بن عمر بن عليّ بن حسين عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل قال: سمعتُ ابن الحنفيّة سنة إحدى وثمانين يقول: هذه لى خمس وستّون سنة قد جاوزتُ سنّ أبي، توفّى وهو ابن ثلاث وستّين سنة. ومات ابن الحنفيّة في تلك السنة، سنة إحدى وثمانين.

  34. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنا زيد بن السائب قال: سألتُ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة: أين دُفن أبوك؟ فقال: بالبقيع. قلت: أيّ سنة؟ قال: سنة إحدى وثمانين في أوّلها، وهو يومئذٍ ابن خمسٍ وستّين سنة لا يستكملها (٢) .

    قال محمّد بن سعد: ولا نعلمه روى عن عمر شيئًا.

  35. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى زيد بن السائب قال: سمعتُ أبا هاشم

    ج ٨ ص ١١٧عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة يقول وأشار إلى ناحية من البقيع فقال: هذا قبر أبي القاسم، يعنى أباه، مات في المحرّم في سنة إحدى وثمانين، وهى سنة الجُحاف، سَيْلٌ أصاب أهل مكّة جَحَفَ الحاجّ. قال: فلمّا وضعناه في البقيع جاء أبان بن عثمان بن عفّان وهو الوالى يومئذٍ على المدينة لعبد الملك بن مروان ليصلّى عليه فقال: أخى ما ترى؟ فقلتُ: لا يصلّى عليه أبان إِلَّا أن يطلب ذلك إلينا. فقال أبان: أنتم أوْلى بجنازتكم، من شئتم فقدّموا من يصلّى عليه. فقلنا: تقدّمْ فصلّ. فتقدّم فصلّى عليه.

    قال محمّد بن عمر: فحدّثتُ زيد بن السائب فقلتُ إنّ عبد الملك بن وهب أخبرنى عن سليمان بن عبد الله عن عُوَيْمِر الأسلمى أنّ أبا هاشم قال يومئذٍ: نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذلك ما قدّمناك.

    فقال زيد بن السائب: هكذا سمعتُ أبا هاشم يقول، فتقدّم فصلّى عليه.