ذكر حكمه - صلى الله عليه وسلم - في الولد من أحق به في الحضانة

١١٥ فقرة، ج ٧ ص ٥

الصفحة ١ من ٣

  1. روى أبو داود في «سننه» (١) من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرو بن العاص (٢) : أنَّ امرأةً قالت: يا رسول اللَّه، إنَّ ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وثَدْيي له سِقاءً، وحجْري له حِواءً، وإنَّ أباه طلَّقني وأراد أن ينتزعَه منِّي، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي» .

    ج ٧ ص ٥
  2. وفي «الصَّحيحين» (٣) من حديث البراء بن عازبٍ: أنَّ ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد. فقال علي: أنا أحقُّ بها وهي ابنة عمِّي (٤) ، وقال جعفر: بنت عمِّي وخالتها عندي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالتها، وقال: «الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ» .

  3. وروى أهل «السُّنن» (٥) من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيَّر غلامًا بين أبيه وأمِّه. قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.

  4. وروى أهل «السُّنن» (٦) أيضًا عنه: أنَّ امرأةً جاءت فقالت: يا رسول اللَّه،

    ج ٧ ص ٦إنَّ زوجي يريد أن يَذْهَب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة (١) وقد نفعني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْتَهِما عليه» ، فقال زوجها: مَن يُحاقُّني في ولدي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هذا أبوك وهذه أمُّك، فخُذْ بيدِ أيِّهما شئتَ» ، فأخذ بيد أمِّه، فانطلقتْ به. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

  5. وفي «سنن النَّسائيِّ» (٢) عن عبد الحميد بن جعفر (٣) الأنصاري، [عن أبيه] (٤) ، عن جدِّه: أنَّ جدَّه أسلم وأبتِ امرأتُه أن تُسلِم، فجاء بابنٍ له صغيرٍ لم يبلغ، قال: فأجلسَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأبَ هاهنا والأمَّ هاهنا، ثمَّ خيَّره وقال: «اللَّهمَّ اهْدِه» ، فذهب إلى أبيه.

  6. ورواه أبو داود (٥) عنه، وقال: أخبرني جدِّي رافع بن سِنان أنَّه أسلم

    ج ٧ ص ٧وأبتْ امرأتُه أن تُسلِم، فأتت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ابنتي وهي فَطِيمٌ أو شبيهه (١) ، وقال رافع: ابنتي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقعُدْ ناحيةً» ، وقال لها: «اقْعُدي ناحيةً» ، فأقعدَ الصَّبيَّة بينهما ثمَّ قال: «ادْعُوَاها» ، فمالت إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهمَّ اهْدِها» ، فمالت إلى أبيها (٢) ، فأخذها (٣) .

  7. الكلام على (٤) هذه الأحكام

    أمَّا الحديث الأوَّل فهو حديثٌ احتاج (٥) النَّاس فيه إلى عمرو بن شعيبٍ، ولم يجدوا بُدًّا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حديثٌ في سقوط الحضانة بالتَّزويج غيرُ هذا، وقد ذهب إليه الأئمَّة الأربعة وغيرهم، وقد صرَّح بأنَّ الجدَّ هو عبد الله بن عمرٍو، فبطلَ قولُ من يقول: لعلَّه محمد والد شعيب، فيكون الحديث مرسلًا. وقد صحَّ سماع شعيب من (٦) جدِّه عبد الله بن عمرٍو، فبطلَ قولُ من قال: إنَّه منقطعٌ.

  8. وقد احتجَّ به البخاريُّ خارجَ «صحيحه» ، ونصَّ على صحَّة حديثه، وقال (٧) : كان عبد الله بن الزُّبير الحميديُّ وأحمد وإسحاق وعلي بن

    ج ٧ ص ٨عبد الله يحتجُّون بحديثه، فمَن النَّاس بعدهم؟! هذا لفظه. وقال إسحاق بن راهويه: هو عندنا كأيوب عن نافع عن ابن عمر. وحكى الحاكم في «علوم الحديث» (١) له الاتِّفاق على صحَّة حديثه. وقال أحمد بن صالح: لا يختلف آلُ عبد الله أنَّها صحيفةٌ (٢) .

  9. وقولها: «كان بطني له وِعاءً» إلى آخره، إدلاءٌ منها، وتوسُّلٌ إلى اختصاصها به، كما اختصَّ بها في هذه المواطن الثَّلاثة، والأب لم يشارِكْها في ذلك، فنبَّهتْ بهذا الاختصاص الذي لم يشاركها (٣) فيه الأبُ على الاختصاص الذي طلبته بالاستفتاء (٤) والمخاصمة.

  10. وفي هذا دليلٌ على اعتبار المعاني والعِلل، وتأثيرِها في الأحكام وإناطتِها (٥) بها، وأنَّ ذلك أمرٌ مستقرٌّ في الفِطَر السَّليمة حتَّى فِطَرِ النِّساء. وهذا الوصف الذي أدلَتْ به المرأة وجعلتْه سببًا لتعليق الحكم به قد قرَّره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ورتَّب عليه أثره، ولو كان باطلًا ألغاه، بل ترتيبُه الحكمَ عقيبَه دليلٌ على تأثيره فيه وأنَّه سببه.

  11. واستُدِلَّ بالحديث على القضاء على الغائب، فإنَّ الأب لم يُذكَر له حضورٌ ولا مخاصمةٌ. ولا دلالةَ فيه، لأنَّها واقعة عينٍ، فإن كان الأب حاضرًا فظاهرٌ، وإن كان غائبًا فالمرأة إنَّما جاءت مستفتيةً، فأفتاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى مسألتها، وإلَّا فلا يُقبل قولها على الزَّوج إنَّه طلَّقها حتَّى يُحكم لها بالولد بمجرَّد قولها.

    ج ٧ ص ٩
  12. فصل

    ودلَّ الحديث على أنَّه إذا افترق الأبوان وبينهما ولدٌ فالأمُّ أحقُّ به من الأب، ما لم يَقُم بالأمِّ ما يمنع تقديمَها، أو بالولد وصفٌ (١) يقتضي تخييرَه. وهذا ما لا يُعرف فيه نزاعٌ، وقد قضى به خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٢) على عمر بن الخطَّاب، ولم يُنْكِرْه عليه مُنِكرٌ. فلمَّا ولي عمر قضى بمثله، فروى مالك في «الموطَّأ» (٣) عن يحيى بن سعيدٍ أنَّه قال: سمعت القاسم بن محمَّدٍ يقول: كانت عند عمر بن الخطَّاب امرأةٌ من الأنصار، فولدتْ له عاصمَ بن عمر، ثمَّ إنَّ عمر فارقَها، فجاء عمر قُباء، فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفِنَاء المسجد، فأخذ بعَضُدِه، فوضعه (٤) بين يديه على الدَّابَّة، فأدركتْه جدَّةُ الغلام، فنازعتْه إيَّاه، حتَّى أتيا أبا بكرٍ الصِّدِّيق، فقال عمر: ابني، وقالت

    ج ٧ ص ١٠المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خَلِّ بينها وبينه، فما راجعه عمرُ الكلامَ.

    قال ابن عبد البرِّ (١) : وهذا خبرٌ مشهورٌ من وجوهٍ منقطعةٍ ومتَّصلةٍ، تلقَّاه أهل العلم بالقبول والعمل، وزوجة عمر أمُّ ابنه عاصم: هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح (٢) الأنصاري.

    قال: وفيه دليلٌ على أنَّ عمر كان مذهبه في ذلك خلافَ مذهب (٣) أبي بكر، ولكنَّه سلَّم للقضاء ممَّن له الحكم والإمضاء، ثمَّ كان بعدُ في خلافته يقضي به ويفتي، ولم يخالِفْ أبا بكر في شيءٍ منه ما دام الصَّبيُّ صغيرًا لا يُميِّز، ولا مخالفَ (٤) لهما من (٥) الصَّحابة.

  13. وذكر عبد الرزاق (٦) عن ابن جريجٍ، أنَّه أخبره عن عطاءٍ الخراسانيِّ عن ابن عبَّاسٍ قال: طلَّق عمر بن الخطَّاب امرأته الأنصاريَّة أمَّ ابنه عاصم، فلقيها تحمله بمجشَّر (٧) ، وقد فُطِم ومشى، فأخذ بيده لينتزعَه منها، ونازعَها إيَّاه

    ج ٧ ص ١١حتَّى أوجعَ الغلام وبكى، وقال: أنا أحقُّ بابني منكِ، فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحُها وفراشُها وحَرُّها (١) خيرٌ له منك حتَّى يَشِبَّ ويختار لنفسه. ومجشَّر: سوقٌ بين قُباء والمدينة.

  14. وذكر (٢) عن الثَّوريِّ، عن عاصم، عن عكرمة قال: خاصمتْ امرأة عمر عمرَ (٣) إلى أبي بكر، وكان طلَّقها، فقال أبو بكر: الأمُّ أعطفُ، وألطفُ، وأرحمُ، وأحنَى، وأرأفُ، هي أحقُّ بولدها ما لم تتزوَّج.

  15. وذكر (٤) عن معمر قال: سمعت الزُّهريَّ يحدِّث أنَّ أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع أمِّه، وقال: أمُّه أحقُّ به ما لم تتزوَّج.

  16. فإن قيل: فقد اختلفت الرِّواية: هل كانت المنازعة وقعت بينه وبين الأمِّ أوَّلًا ثمَّ بينه وبين الجدَّة، أو وقعتْ مرَّةً واحدةً بينه (٥) وبين إحداهما؟

  17. قيل: الأمر في ذلك قريبٌ، لأنَّها إن كانت من الأمِّ فواضحٌ، وإن كانت الجدَّة (١) فقضاء الصِّدِّيق لها يدلُّ على أنَّ (٢) الأمَّ أولى.

    ج ٧ ص ١٢
  18. فصل

    والولاية على الطِّفل نوعان: نوعٌ يُقدَّم فيه الأب على الأمِّ ومَن في جهتها، وهي ولاية المال والنِّكاح. ونوعٌ تُقدَّم فيه الأمُّ على الأب، وهي ولاية الحضانة والرَّضاع. وقُدِّم كلٌّ من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقُّفِ مصلحته على مَن يلي ذلك من أبويه وتحصُل به كفايته.

  19. ولمَّا كان النِّساء أعرفَ بالتَّربية وأقدرَ عليها، وأصبرَ وأرأفَ وأفرغَ لها (٣) ؛ قُدِّمت (٤) الأمُّ فيها على الأب.

  20. ولمَّا كان (٥) الرِّجال أقومَ بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قُدِّم الأب فيها على الأمِّ. فتقديم الأمِّ في الحضانة من محاسن الشَّريعة والاحتياط للأطفال والنَّظر لهم، وتقديمُ الأب في ولاية المال والتَّزويج كذلك.

  21. إذا عُرِف هذا (١) فهل قُدِّمت الأمُّ لكون جهتها مقدَّمةً على جهة الأبوَّة في الحضانة، فقُدِّمت لأجل الأمومة، أو قُدِّمت على الأب لكون النِّساء أقومَ بمقاصد الحضانة والتَّربية من الذُّكور، فيكون تقديمها لأجل الأنوثة؟ ففي هذا للنَّاس قولان، وهما في مذهب أحمد، يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأمِّ أو بالعكس، كأمِّ الأمِّ، وأمِّ الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، والخالة، والعمَّة، وخالة الأمِّ، وخالة الأب، ومن يُدلِي من الخالات والعمَّات بأمٍّ، ومن يُدلِي منهنَّ بأبٍ، ففيه روايتان عن الإمام أحمد (٢) ، إحداهما: تقديم أقارب الأمِّ على أقارب الأب. والثَّانية وهي أصحُّ دليلًا واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٣) : تقديم أقارب الأب، وهذا هو الذي ذكره الخرقيُّ في «مختصره» فقال (٤) : والأخت من الأب أحقُّ من الأخت من الأمِّ وأحقُّ من الخالة، وخالة الأب أحقُّ من خالة الأمِّ.

    ج ٧ ص ١٣
  22. وعلى هذا فأمُّ الأب مقدَّمةٌ على أمِّ الأمِّ، كما نصَّ عليه أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه. وعلى هذه الرِّواية فأقاربُ الأب من الرِّجال مقدَّمون على أقارب الأمِّ، فالأخ للأب أولى من الأخ للأمِّ، والعمُّ أولى من الخال.

  23. هذا إن قلنا: إنَّ لأقارب الأمِّ من الرِّجال مدخلًا في الحضانة، وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشَّافعيِّ:

    ج ٧ ص ١٤أحدهما: أنَّه لا حضانَة إلا لرجلٍ من العصبة مَحْرمٍ، أو لامرأةٍ وارثةٍ، أو مُدلِيةٍ بعصبةٍ أو وارثٍ.

  24. والثَّاني: أنَّ لهم الحضانة، والتَّفريع على هذا الوجه، وهو قول أبي حنيفة، وهذا يدلُّ على رجحان جهة الأبوَّة على جهة الأمومة في الحضانة، وأنَّ الأمَّ إنَّما قُدِّمت لكونها أنثى، لا لتقديمِ جهتها، إذ لو كانت جهتها راجحةً لترجَّح رجالها ونساؤها على الرِّجال والنِّساء (١) من جهة الأب، ولمَّا لم يترجَّح رجالها اتِّفاقًا فكذلك النِّساء، وما الفرق المؤثِّر؟

  25. وأيضًا فإنَّ أصول الشَّرع وقواعده شاهدةٌ بتقديم أقارب الأب في الميراث وولايةِ النِّكاح وولايةِ الموت وغير ذلك، ولم يُعهَد في الشَّرع تقديم قرابة الأمِّ على قرابة الأب في حكمٍ من الأحكام، فمن قدَّمها في الحضانة فقد خرج عن موجب الدَّليل.

  26. فالصَّواب المأخذ الثاني، وهو أنَّ الأمَّ إنَّما قدِّمت لأنَّ النِّساء أرفقُ بالطِّفل، وأخبرُ بتربيته، وأصبرُ على ذلك، وعلى هذا (٢) فالجدَّة (٣) أمُّ الأب أولى من أمِّ الأمِّ، والأختُ للأب أولى من الأخت للأمِّ، والعمَّة أولى من الخالة، كما نصَّ عليه أحمد (٤) في إحدى الرِّوايتين، وعلى هذا فتُقدَّم أمُّ الأب على أب الأب، كما تُقدَّم الأمُّ على الأب.

  27. وإذا تقرَّر هذا الأصل فهو أصلٌ مطَّردٌ منضبطٌ لا تتناقض فروعه، بل إن اتَّفقت القرابة والدَّرجة واحدةٌ قُدِّمت الأنثى على الذَّكر، فتُقدَّم الأخت على الأخ، والعمَّة على العمِّ، والخالة على الخال، والجدَّة على الجدِّ، وأصله تقديم الأمِّ على الأب.

    ج ٧ ص ١٥
  28. وإن اختلفت القرابة قُدِّمت قرابة الأب على قرابة الأمِّ، فتُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ، والعمَّة على الخالة، وعمَّة الأب على خالته، وهلمَّ جرًّا.

  29. وهذا هو الاعتبار الصَّحيح والقياس المطَّرد، وهذا هو الذي قضى به سيِّد قضاة الإسلام شُريح، كما روى وكيعٌ في «مصنَّفه» (١) عن الحسن بن عقبة، عن سعيد بن الحارث قال: اختصم عمٌّ وخالٌ إلى شُريح، فقضى به للعمِّ، فقال الخال: أنا أُنفِق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح.

  30. ومن سلك غير هذا المسلك لم يجد بدًّا من التَّناقض، مثاله: أنَّ الثَّلاثة وأحمد في إحدى روايتيه يُقدِّمون أمَّ الأمِّ على أمِّ الأب، ثمَّ قال الشَّافعيُّ في ظاهر مذهبه، وأحمد في المنصوص عنه: تُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ، فتركوا القياس. وطرده أبو حنيفة والمزني وابن سريج (٢) فقالوا: تُقدَّم الأخت للأمِّ على الأخت للأب. قالوا: لأنَّها تُدلِي بالأمِّ، والأختُ للأب بالأب، فلمَّا قُدِّمت (٣) الأمُّ على الأب قُدِّم من يُدلِي بها على من يُدلِي به.

  31. ولكنَّ هذا أشدُّ تناقضًا من الأوَّل؛ لأنَّ أصحاب القول الأوَّل (١) جَرَوا على القياس والأصول في تقديم قرابة الأب على قرابة الأمِّ، وخالفوا ذلك في أمِّ الأمِّ وأمِّ الأب، وهؤلاء تركوا القياس في الموضعين، وقدَّموا القرابة الَّتي أخَّرها الشَّرع، وأخَّروا القرابة الَّتي قدَّمها، ولم يُمكِنْهم تقديمُها في كلِّ موضعٍ، فقدَّموها في موضعٍ وأخَّروها في غيره مع تساويهما. ومن ذلك تقديم الشَّافعيِّ في الجديد الخالةَ على العمَّة مع تقديمه الأختَ للأب على الأخت للأمِّ، وطرد قياسه في تقديم أمِّ الأمِّ على أمِّ الأب، فوجب تقديمُ الأخت للأمِّ والخالة على الأخت للأب (٢) والعمَّة. وكذلك من قدَّم من أصحاب أحمد الخالةَ على العمَّة، وقدَّم الأختَ للأب على الأخت للأمِّ، كقول القاضي وأصحابه وصاحب «المغني» ، فقد تناقضوا.

    ج ٧ ص ١٦
  32. فإن قيل: الخالة تُدلِي بالأمِّ، والعمَّة تُدلِي بالأب، فكما قُدِّمت الأمُّ على الأب قُدِّم من يُدلِي بها، ويزيده بيانًا كونُ الخالة أمًّا، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فالعمَّة بمنزلة الأب.

  33. قيل: قد بيَّنَّا أنَّه لم تُقدَّم الأمُّ على الأب لقوَّة الأمومة وتقديم هذه الجهة، بل لكونها أنثى، فإذا وُجِد عمَّةٌ وخالةٌ فالمعنى الذي قُدِّمت له الأمُّ موجودٌ فيهما، وامتازت العمَّة بأنَّها تُدلِي بأقوى القرابتين، وهي قرابة الأب، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: «الخالة أمٌّ» حيث لم يكن لها مُزاحمٌ من أقارب الأب تُساويها في درجتها.

  34. فإن قيل: فقد كان لها عمَّةٌ وهي صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة، وكانت إذ ذاك موجودةً في المدينة، فإنَّها هاجرت، وشهدت الخندق، وقتلت رجلًا من اليهود كان يُطِيف بالحصن الذي (١) هي فيه، وهي أوَّل امرأةٍ قتلَتْ رجلًا من المشركين، وبقيت إلى خلافة عمر، فقدَّم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليها الخالةَ، وهذا يدلُّ على تقديم من في جهة الأمِّ على من في جهة الأب.

    ج ٧ ص ١٧
  35. قيل: إنَّما يدلُّ هذا إذا كانت صفية قد نازعتْ معهم وطلبت الحضانةَ فلم يَقْضِ لها بها بعد طلبها وقدَّم عليها الخالة، هذا إن كانت لم تُمنَع منها لعجزِها عنها، فإنَّها توفِّيت سنة عشرين عن ثلاثٍ وسبعين سنةً، فيكون لها وقت هذه الحكومة بضعًا وخمسين (٢) سنةً، فيحتمل أنَّها تركتْها لعجْزِها عنها، أو لم تطلبها مع قدرتها عليها، والحضانة حقٌّ للمرأة، فإذا تركتْها انتقلتْ إلى غيرها.

  36. وبالجملة، فإنَّما يدلُّ الحديث على تقديم الخالة على العمَّة إذا ثبت أنَّ صفية خاصمتْ في ابنة أخيها (٣) وطلبت كفالتها، فقدَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخالةَ، وهذا لا سبيلَ إليه.

  37. فصل

    ومن ذلك أنَّ مالكًا لمَّا قدَّم أمَّ الأمِّ على أمِّ الأب، قدَّم الخالة بعدها على الأب وأمِّه، واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء على وجهين، فأحد الوجهين: تُقدَّم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمِّه. وهذا في غاية

    ج ٧ ص ١٨البعد، فكيف تُقدَّم قرابة الأمِّ وإن بعدتْ على الأب نفسه وعلى قرابته، مع أنَّ الأب وأقاربه أشفقُ على الطِّفل وأرعى لمصلحته من قرابة الأمِّ؟ فإنَّه ليس إليهم بحالٍ، ولا يُنسَب إليهم، بل هو أجنبيٌّ منهم، وإنَّما نسَبُه (١) وولاؤه إلى أقارب أبيه، وهم أولى به، يَعقِلون عنه، وينفقون عليه عند الجمهور، ويتوارثون بالتَّعصيب وإن بَعُدتِ القرابة بينهم، بخلاف قرابة الأمِّ، فإنَّه لا يثبت فيها ذلك، ولا توارُثَ فيها إلا في أمَّهاتها وأوَّلِ درجةٍ من فروعها وهم ولدُها، فكيف تُقدَّم هذه القرابة على الأب ومَن في جهته، ولا سيَّما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمِّه، فهذا القول ممَّا تأباه (٢) أصول الشّريعة وقواعدها.

  38. وهذا نظير إحدى الرِّوايتين عن أحمد في تقديم الأخت من (٣) الأمِّ والخالة على الأب، وهذا أيضًا في غاية البعد ومخالفة القياس.

  39. وحجَّة هذا القول: أنَّ كلتيهما تُدلِيان بالأمِّ المقدَّمة على الأب، فتُقدَّمان عليه. وهذا ليس بصحيحٍ، فإنَّ الأمَّ لمَّا سَاوت الأبَ في الدَّرجة، وامتازت عليه بكونها أقومَ بالحضانة، وأقدرَ عليها وأصبرَ، قُدِّمتْ عليه، وليس كذلك الأختُ من الأمِّ والخالةُ مع الأب، فإنَّهما لا يساويانه، وليس أحدٌ أقربَ إلى ولده منه، فكيف تُقدَّم عليه بنتُ امرأته أو أختها؟ وهل جعل الله الشَّفقة فيهما أكملَ منه؟

  40. ثمَّ اختلف أصحاب الإمام أحمد في فهم نصِّه هذا على ثلاثة أوجهٍ:

    ج ٧ ص ١٩أحدها: أنه إنَّما قدَّمهما (١) على الأب لأُنوثيَّتهما (٢) ، فعلى هذا تُقدَّم نساء الحضانة على كلِّ رجلٍ، فتُقدَّم خالةُ الخالة ــ وإن عَلَتْ ــ وبنتُ الأخت على الأب.